الديقراطية والإصلاح.. السياسة ولعبة المشعوذين

حجم الخط
0

د. حكمت النوايسة كثير من المناضلين المعروفين يتنازلون عن شوقهم للديمقراطية بسرعة البرق، وينحازون إلى عنتريات الشعارات المعادية للإمبريالية والصهيونية وغيرها من وحشيّات المجمّع الصناعي الحربي، بل كثير منهم قد ينحاز للدكتاتوريّة لكي لا (يتشبّه بالليبراليّة)، وفق مقولة (خالفوهم)، وكثير منهم ينادي بالديمقراطيّة ويمارس أعتى أنواع التهميش، والتبخيس، والتجريح بكل من يخالف رأيه، ويمتلك حقائق مطلقة غير قابلة للنقاش مع أنّه يعمل بالفلسفة، أو بالفكر، ولا أدري هل يوجد حقيقة ثابتة يمكن أن تكون قاعدة إنسانية لا شواذ فيها أو عليها؟.نحن أمّة لها خصوصيتها من القهر والظلم والتفتت والتشرذم والكنتنة، وعلى مثقفينا أن يبحثوا في الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا، وأن يبتعدوا عن السياسة التي هي لعبة الكذابين والمشعوذين، وعليهم أن يؤسسوا الوعي النقدي المطلوب لوضع النقاط على الحروف، والوعي النقدي الحقيقي هو الوعي الذي يبحث في الأسباب، ويؤسس لنقضها، وهدم قدرتها على إعادة إنتاج المشكلة نفسها، أو المشاكل نفسها، ونظنّ أن أقوى أسباب ما نحن فيه غياب الديمقراطيّة الحقيقية، الديمقراطية المرتبطة بالمدنية والتمدّن، لأنّ غيابها هو الذي يرجعنا إلى المربع الأول مع ميلاد كل ثورة أو زعيم مصلح أو انتفاضة أو هزّة تغيير.الديمقراطية التي نريدها لا يفسّرها تسطيحها بمقولة حكم الشعب، لأن التسطيح بهذه المقولة يجعلنا أمام التساؤل العميق: أي شعب الذي سيحكم نفسه، هل القادة شعب، هل القادة السياسيون شعب؟ هل قادة الفكر المؤثرون في الحياة شعب؟ أم أنّهم مجرّد خطباء في اسبارطة الجديدة، أو فرسان في داحس والغبراء في أحسن الأحوال؟إنّ أغرب تناقضات الوعي الديمقراطي العربي هو أنّه يزاوج بين (حكم الشعب)، وحكم أهل العقد، وكل واحدة لها تفسيراتها الخاضعة لمؤشرات البورصة السياسية، وليس لها تفسيراتها الناحتة في البحث عن جوهر معاناة الإنسان العربي.والعقدة التي تلتف العقد حولها، ومنها عقدة الديمقراطية، تتمثل في تحويل فلسطين من قضية حضاريّة إنسانية إلى قضية سياسية، وإدخالها في بورصة السياسة، لتصير (قميص عثمان)، والمشجب الذي يعلّق عليه كلٌّ إخفاقه، بل إنّها تتجاوز تعليق الإخفاق إلى تسويغ الخطايا والجرائم، بل تتجاوز ذلك إلى تسويق الجرائم بوصفها الحلول التي بها (نحرّر فلسطين) وكأن تحرير فلسطين معزول عن تحرير الإنسان، أو كأن تحرير فلسطين يشبه شق قناة السويس أو بناء الأهرامات، معزولا عن ثقافة البناء، حيث يتوّج هدفًا أعمى من كلّ إنسانية، ومن كل منطق، فتصادر في سبيله الآراء، والمواقف، والأفكار، بل تصادر في سبيله حياة المحرِّرين أنفسهم، في سبيل إعادة إنتاج القائد الأوحد المحرّر، المفجّر، الملهم، الذي يبعث على رأس كل مئة سنة أو مئتين أو ثلاثة، وفق الموجود في البورصة، وما يقرّره أهل العقد، أو خطباء سبارطة. عندما يعمل المفكّر بالسياسة سيصاب بالانزلاق الانحيازي، وسيختار الوسائل السياسية لتسويغ الأفكار، وسيكون سياسيا في تفكيره، ومن هنا تبرز تناقضاته في ما يؤمن به، حيث يتبدّى مؤمنا بالشيء ونقيضه، مؤمنا بالديمقراطية والدكتاتورية، الديمقراطية في المدى الرومانسي للفكر، والدكتاتورية في المدى الوقائعي له، فيصير أشبه ما يكون بمحارب طواحين الهواء، حيث يخترع في كل مقولة عدوّا يجهز عليه، كما أنّه سيضطر إلى ثقافة (كل شيء من أجل المعركة)، فيستند إلى مقولات مشعوذين أحيانا، وإلى أحاديث الهرطقة أحيانا أخرى، وإلى مقولات العقلاء، وإلى مقولات المفكرين التي توافقه، وينقّي (كلّاجه) الذي يخدمه، فيصير، لحظتذٍ، مكرها أو مختارا، في قائمة الملفّقين، الذين صادروا الوعي النقدي العربي، وانحازوا إلى هذا أو ذاك، وفي رصيدهم من التناقض ما لا يسوّغه إلا (الدهلزة) الفكريّة أو البيانية التي تلجأ إلى تأويل الوقائع بآلية (تأويل الأحاديث)، ونقل الوقائعي إلى عالم الغيبيّات لنقلها من خانة التصديق والتكذيب إلى خانة الرهان على المستقبل غير المنظور في تحققها أو عدمه، ويصير دور المفكر القفز عن الواقع بدلا من الارتفاع على قلقه إلى مواطن رؤيتة بالبرودة التي تتيح لرائيها أن يكون (عاقلا) (مستقلّا) (غير منحاز).مشكلتنا مع الديمقراطية هي مشكلتنا مع المدنيّة، ومشكلتنا مع الفكر هي مشكلتنا مع المفكّرين، الذين لا نحتاج إليهم في عصرنا الحالي حاجتنا إلى مصلحين اجتماعيين، وحاجتنا إلى نماذج، تطّرح الشجاعة إلى البناء والتأسيس، فالشجاعة في غير مكانها جنون أو هستيريا، أو عبث، إذا لم تؤسس لشجاعة الصبر باتجاه التغيير، التغيير الاجتماعي، تغيير الذهنية ونقلها من التمدّن الشكلي إلى التمدّن الجوهري، فالديمقراطية التي تهزم قوى التحرر ديمقراطيّة مشوّهة بالضرورة، أو خداج في أحسن الأحوال، فهي في غير زمانها لأنها في غير مكانها، والأسبق الأجدى منها حركة إصلاح اجتماعي واسعة، تتكئ على الحاجات الأساسية للإنسان العربي، ولا تقفز عنها في رومانسية المثقفين وأحلامهم، فالشعوب لا تتطوّر بالنظريات، ولا تغيّر عاداتها بالقناعات، وإنما تتغيّر وفق القانون الجدلي للحاجة والاختراع، أو الحاجة والاقتناع، وكلّ من يقفز عن هذه الحقيقة إنما يقفز عن الواقع كلّه، ويحبس نفسه في الزوايا والتكايا النخبويّة التي تبيع بزمانها زمان الحلم، مع أهميّة الحلم في مدّ الحالمين المُغيّرين بالطاقة الضروريّة للاستمرار.أما قوى التحرر التي ستخسر في الديمقراطيات الهجينة، فإنها ليست قوى اليسار بالضرورة، وإنّما أي قوّة تدعو إلى التحرر من الأغطية العربية الشهيرة التي تقودنا دائما إلى الخلف: التخلّف، والتبعية، والتشرذم، وذهنية الخيمة، ولن يفلح منها إلا الذين مدّوا أيديهم للشعب ووازنوا بين حاجاته وأفكارهم، بل إنّ بعض القوى قد وظفت الحاجات لخدمة أفكارها، ونجحت إلى حد كبير، فيما بقيت النخب التي تمتلك الرؤى التقدّمية الفكرية والفلسفية في زواياها تمارس تآكلها بصمت.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية