الديمقراطية لا تتناقض مع الارهاب

حجم الخط
0

قبل ان تبشر امريكا بالحريةعليها حماية سيادة الدول القومية في المنطقة

هناك شيء صحيح، وغير صحيح جدا في مبدأ جورج بوش المتعلق بالصراع العالمي، الذي يدور في داخله صراع اسرائيل لحزب الله. إن تعريف محور الشر درامي ومليء بالانفعال، لكنه صحيح في أساسه، وإن الجزم بأن الحديث عن صعود فاشية اسلامية هو جزم دقيق. وصحيح ايضا تمييز أن العالم كله يواجه خطر البعثات الارهابية التي تستعملها هذه الدول، والايديولوجية التي تبثها. المحاولة التي أُحبطت في بريطانيا قريبا، لاسقاط نحو من عشر طائرات في طريقها الي الولايات المتحدة، تذكير مهم بهذه الحقيقة.

لكن بوش يُقسم خريطة العالم علي هيئة مبدأ ترومان، وكأن الحديث عن جولة اخري من الحرب الباردة، وهذه المصطلحات مُضلة هذه المرة. علي حسب بوش، في هذه الحرب يتواجه خياران: الارهاب في وجه الديمقراطية. علي حسب هذا المبدأ حاولت امريكا فرض الدمقرطة علي العراق، وفشلت كما يبدو، وعلي حسب هذا المبدأ فرضت الولايات المتحدة الانتخابات علي السلطة الفلسطينية، وحصلنا علي حماس كحكومة منتخبة، هذا تذكير مشوه بحقيقة أن هذين الأمرين ـ الارهاب والديمقراطية ـ ليسا نقيضين.

النقيضان في هذه الحرب هما الارهاب في وجه القدرة علي الحكم، أو بصياغة أخري، الارهاب في وجه السيادة. يسعي الارهاب لتقويض السياسة ويوجد عندما تنحل. هكذا أقام حزب الله الحكم الذاتي الارهابي داخل لبنان، وهو بلد سيادته متهاوية هشة. وهكذا أُقيمت حماس (المنظمة علي هيئة شبكة لا علي هيئة تراتبية وزارية) مع غياب سيادة مستقرة في المناطق. وهكذا تعمل منظمة القاعدة، اذا كان هذا الاسم يلائم هذه المنظمة. في كل هذه الحالات، السيادة الوطنية المنظمة هي العلاج الأفضل الذي نملكه الآن، وفي كل مكان توجد فيه حكومة مركزية تستطيع أن تحاصر خطي الارهابيين اذا شاءت ذلك. يمكن استعمال التضييق علي الدول، ويمكن حثها. لا تجري علي المنظمات الارهابية جميع هذه الوسائل.

المرحلة الاولي في مكافحة الارهاب هي، اذن، ليست الدمقرطة بالضرورة، بل القدرة علي الحكم. كما تعلمنا من تجربة الزمن الأخير في الشرق الاوسط (ومن التجربة الأطول في امريكا اللاتينية، وفي افريقيا، وفي آسيا)، يُحتاج الي استقرار في الحكم لكي تنشأ طبقة وسطي، ويُحتاج الي الطبقة الوسطي لكي لا تكون الديمقراطية مرحلة انتقالية قصيرة في الطريق الي الدكتاتورية والشمولية. هذه هي مصلحة اسرائيل العليا الآن، وهي أن تساعد في نشوء سلطة مركزية مستقرة، في لبنان وفي السلطة الفلسطينية ايضا. الفوضي هي البديل الاسوأ، والأخطر. انها الدفيئة التي ينمو الارهاب فيها ويتطور، وهي السياق الذي يستطيع فيه كل متشدد يحمل سلاحا إملاء جدول العمل علي الجميع.

ليس هذا صحيحا بالقياس الي نضال اسرائيل فقط. هذا صحيح ايضا بالقياس الي مبدأ بوش عامة. يجب علي أمريكا أن لا تجول العالم وتفرض الديمقراطية. يجب عليها أن تشجع السيادة الوطنية المنظمة، قبل كل شيء، وتساعد علي بناء استقرار الاقتصاد، وبعد ذلك فقط تبدأ بتشجيع الديمقراطية. هذا امر ملح في منطقتنا علي نحو خاص. في جميع البلدان العربية، القدرة علي الحكم، والسيادة والقومية تظل امورا هشة. ايديولوجية الجامعة الاسلامية الاصولية تهدد من الداخل، وتحاول تقويض وطنية كل واحدة من الدول العربية أيضا (باقتراحها أساس هوية لجامعة عربية تتجاوز الحدود). في المدة الأخيرة بدا لكثيرين في الغرب أن عهد القومية قد انقضي، وأن الدولة القومية قد أفلست. هذا صحيح علي نحو جزئي جدا بالقياس الي اوروبا. لكن اذا كانت اوروبا قد بدأت تتجاوز المرحلة القومية، فان الشرق الاوسط (وفيه اسرائيل) ما يزال لم يستقر في المرحلة القومية. يحتاج مبدأ بوش الي تحديث عاجل: ليس الهدف الأول الدمقرطة بل دولا قومية مستقرة.

غادي طؤوف(معاريف) ـ 15/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية