الديمقراطية والحداثة المفتري عليهما

حجم الخط
0

اعتاد بعض السياسيين والمثقفين في بلدنا علي لوك بعض المصطلحات ذات المعاني المتعددة، أثناء أحاديثهم ولقاءاتهم وتدبيجها في يافطاتهم، والتغني بها، بل والمزايدة بها علي الآخرين باعتبارهم أكثر بني آدم فهما وتطبيقا لمضامينها، وأقدرهم علي التحدث باسمها.

مناسبة هذا الكلام هو شيوع ظاهرة احتكار مصطلحي الديمقراطية والحداثة، طبعا ليس علي وزن – احتكار الدين واستغلاله في السياسة -، من طرف لفيف من التيارات الفكرية واستكثارها علي غيرهم، وخاصة من يخالفونهم الرأي والإيديولوجيا. وهذا لعمري، هو عين الاستبداد الفكري، وقمة الإقصاء الإيديولوجي، أو إذا شئنا استعمال مصطلح الديمقراطية، نقول الاستبداد الديمقراطي علي حد تعبير أحد الكتاب المغاربة، وهذا من دون شك، يعكس أزمة انسداد الأفق الفكري عند هؤلاء، حيث يعتبرون أنفسهم الأقدر علي حمل مشعل المجتمع الديمقراطي الحداثي، والأجدر علي تنزيل آليات الديمقراطية والحداثة علي أرض الواقع، بالضبط كما يقع في مؤتمراتهم الحزبية، وبنفس الطريقة التي حملوا بها سابقا لواء الثورية والعدالة الاجتماعية والتقدمية.

والغريب في الأمر، هو أن محتكري هذين المصطلحين هم أول من يؤمن بهما جهرا ويكفر بهما ويلعنهما سرا، وأول من يعمل علي عرقلة آليتيهما بكل ما أوتوا من قوة، ويظهر ذلك جليا في الكثير من سلوكياتهم، وفي مؤتمراتهم الحزبية وخطبهم.

وكمثال صارخ علي ذلك، هو استكثارهم علي عدد قليل من المغاربة إبداء مواقفهم وآرائهم حول أي عمل من الأعمال الإبداعية أو الفكرية أو الفنية، من سينما، وشعر ومسرح ومهرجانات موسيقية… حتي ولو كانت هذه الأعمال تتنافي والذوق العام، ولا تمت بصلة إلي الإبداع، بل وتتنافي والخصوصية الهوياتية والقيمية لبلدنا، متناسين عن قصد ما يصدر عنهم في حق العديد من الفنانين والمثقفين والصحافيين من إسكات لحقهم في التعبير عن آرائهم، وفي غض النظر عن ما يمنح لغيرهم من ذوي القربي من امتيازات، والتسابق المحموم لتنظيم المهرجانان الفلكلورية والغنائية التافهة، والتي تكلف المغاربة أموالا كثيرة، كان من الأجدر والأولي إنفاقها علي من يستحقونها، وتغطية العجز الرهيب الذي يميز عمل الحكومة الموقرة! فلماذا لا تتبني وزارة الثقافة المبجلة تنظيم مهرجانات ثقافية يحتفي فيها بالأبطال المغاربة أمثال، محمد بن عبد الكريم الخطابي، وموحي أحمد الزياني وغيرهم من الأبطال الأمجاد، ولماذا لا تحتفي حكومتنا بالأدمغة المغربية المهاجرة… أم أن استقدام فنانات ومطربات الدرجة الثالثة أولي وأفضل عندهم.

هل التسابق المحموم وراء الكراسي بشتي الطــــرق المشروعة وغـــــير المشروعة، يدخل في إطار الديمقراطية والحداثة؟

الحداثة كما يعرفها البروفسور المهدي المنجرة ليست مفهوما جامدا ولا شعارا سياسيا للاستهلاك، بل مفهوم يصنع من خلال السلوك الفعلي، وليس من خلال استظهار الكلمات. فمعني أن تكون حداثيا – يضيف المنجرة- هو أن تصنع شروط الحداثة ومقوماتها في السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم، وإلا ستصبح متقادما من العصور الحجرية. (مقتطف من حوار أجرته مع د. المنجرة جريدة الأيام، العدد 123، مارس 2004). فأين الحداثة والديمقراطية وأين المجتمع الحداثي الديمقراطي الذي تشنفون به أسماعنا، إنكم والله ابتليتم بموضة المصطلحات، وأرجو أن تكفوا عن ترديدها والتبجح بها، لأنكم بكل بساطة لستم في مستواها ولا من أهل مسؤوليتها.

مصطفي زيانرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية