الديموقـراطية ليست نظـام حـُكـْم..
عبد القادر ياسينالديموقـراطية ليست نظـام حـُكـْم.. لم ينج نبي من الأنبياء من الرهق و العذاب والضني. كلهم، بلا استثناء، عرفوا الأذي وذاقوا مرارة الأحقاد وعذاب التعصب. ووضعت في طريقهم العراقيل والأشواك والقاذورات والأوحال. ونكل بهم وبأتباعهم، وسدَّت أمامهم الدروب والمنافذ. ومع ذلك انتشرت الأديان، وسعي إليها المؤمنون، وسعت بين الناس. مات الأنبياء وبقيت رسالاتهم يجتمع حولها الناس وتلتف حولها القلوب، وتشيد لها دور العبادة وتنصب لها الاحتفالات.ورغم ذلك فما زال العالم يشهد الاغتيالات السياسية، وما زال المتطرفون والمتعصبون يظنون أن الفكرة يمكن أن تزول بزوال الداعي لها، وان الرصاصة يمكن أن تغتال الكلمة، وان الدعوة يمكن أن يدمرها الإرهاب. يشهد التاريخ أن التنكيل هو وقود الدعوة، وان الإرهاب يزيد حملة الرسالة إيمانا وامتناعا. إن موسي وهو يشق البحر بعصاه هربا من الطاغوت كان أقوي من الذين يلاحقونه.وكان المسيح والعـدد القليل من الحواريين الذين آمنوا بـه أكثر ثـبـاتـا من الجحافل الرومانية وأعــــوانهـا الذين ساموهم سوء العـذاب …وكان ومحمد في رهطه القليل أكثر منعة من جيش قريش العرمرم ، وكان في صمته العظيم أعلي صوتا من طبول الجاهلية وتصايح الجهلاء.كل الفلاسفة وأصحاب الأفكار الجديدة لم يسلموا من أذي الظالمين، ولكن دعواتهم وجدت طريقها إلي العقول والقلوب، ووصلت إلي الذين زرعوها غرسا بالدماء والدموع. والذين غذوها بنكران الذات والاستشهاد. بقيت دعواتهم وزال الظالمون، وكتبت أسمائهم في سجل الخلود ونسي التاريخ أسماء الذين نكلوا بهم. إن عذاب التنكيل لا يقتل فكرة، وأن السجن لا يحبس كلمة، وأن المطاردة لا تمحو دعوة من الوجود، والملاحقة لا يمكن أن تخرس صوت الحق، وأن قبور الدنيا كلها لن تتسع للأفكار العظيمة. حديثي هذا قد يكون معادا، ولكننا نشهد في عالمنا العربي في هـــــذه الحقبة من التاريخ كثيرا من المسرحيات المعادة. فما زلنا نسمع كل صباح ، بل نترقب أن نسمع كل صباح ، أنباء الاغتيالات والخطف والترهــــيب والتهديد .كم من الكتاب والصحفيين والشعراء العرب اغتيلوا غدرا، ولم يكن معهم من السلاح إلا الكلمة والا الفكرة والا الرأي ؟.. وكم من أبناء هذه الأمة تضمهم جدران المعتقلات والسجون وظلام الأقبية دون أن تكون لهم من جريرة إلا أنهم يحملون بين جوانحهم أفكارا لا ترضي سجانيهم أو آراء لا تتفق والرأي المفروض ؟ إن الكثيرين من يتشدقون بالحديث عن الديموقراطية دون أن تتســـــع صدورهم لأكثر مما يؤمنون به، ودون أن تتسامـــــح نفوسهم مع الذين يختلفون معهم، ودون أن تنظر عيــــونهم إلي أبعــــد من مواقــــع أقدامهم، ودون أن تملك عقـــولهم الشجاعـــــة التي يمكن أن تديـــــر أكثـــــر من فكـــرة في وقـــــت واحد.إن الديموقراطية، في رأيي المتواضع، ليست نظام حكم، وليست مجرد دعوة سياسية. إنها ليست حزبا ولا تنظيما ولا تجمعا. إنها منهج فكر، وهي سلوك، وهي قناعة لا يمكن أن يتبدل حاملها. وهــــــي، بهذا، إطار لحياة الفرد والمجموع …إن الديموقراطية هي التسامح، وهي السموّ فوق التعصب، وهي الاقتناع بأنه ليس من بين البشر ثمة من يملك الحق في الادعاء بأنه يملك الحقيقة من كل نواصيها، وأنه وحده ـ دون سواه ـ الذي يحتكم إليه الناس وتنتهي عنده الأمور .لقد آن الأوان أن ترتفع أصواتنا جميعا، وأن تتحد قوانا في وجه فرق الاغتيالات وسماسرة الموت الأحمق، وعضلات التنكيل الجائر، وسجون الرأي الآخر .لقد آن الأوان أن نقول: لا للمتعصبين والمتطرفين بكل ألوانهم ، وبكل أشكالهم ، وبكل أفكارهم، وبكل اتجاهاتهم من غيـــــر تمييز، وإلا تحول عالمنا العربي إلي غابة تســــودها الوحوش .ہ كاتب من فلسطين8