“الإسلام يعيش أزمة في كل مكان بالعالم” عبارة أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مؤخراً في خطابه الموجه إلى الداخل الفرنسي، وقد جاء هذا الخطاب في سياق التمهيد لمشروع قانون ضد “الانفصال الشعوري” الذي سيطرح على الجمعية الوطنية الفرنسية في شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل؛ وهو يتضمن جملة من الإجراءات التي تستهدف وفق، من يقف وراء طرح المشروع، الحد من ظاهرة انعزال المسلمين في فرنسا عن المجتمع الفرنسي. ومن بين تلك الإجراءات إخضاع الجمعيات الإسلامية في فرنسا للمزيد من الرقابة؛ ووضع قيود متشددة على التعليم المنزلي؛ وخفض سقف عمر الأطفال بالنسبة إلى التعليم الإلزامي، وتدريس اللغة العربية في المدارس الرسمية. هذا بالإضافة إلى إعداد أئمة المساجد في فرنسا وفق قيم ومعايير المجتمع الفرنسي، وغيرها من المقترحات. والجدير بالذكر هنا هو أن مجموعة من الخطوات التي يطالب بها مشروع القانون المعني هي متبعة في العديد من الدول الأوروبية. وهناك تجربة رائدة سويدية في هذا المجال. ولكن الصيغة التي طرح بموجبها ماكرون القضية، والعبارات التي استخدمها لتسويق فكرته، أثارت ردود أفعال سلبية غاضبة في العديد من الدول العربية والإسلامية، كما كان هناك تنديد بين الجاليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في الدول الأوروبية. هذا في حين أن تجربة السويد في ميدان الاندماج تتضمن احترام الأديان، والإقرار بحرية العبادة، وعدم التدخل في مسألة الحجاب، وإتاحة المجال أمام تلاميذ وطلبة المدارس لتناول الطعام الذي ينسجم مع أذواقهم ومعتقداتهم الدينية، هذا إلى جانب تدريس الدين بصورة علمية موضوعية.
أما في فرنسا، فقد تأخرت الدولة كثيراً في معالجة المشكلات المتراكمة منذ عقود، وكانت العلمانية العقائدية المتشددة تتعامل مع المسائل المعقدة بسطحية أثبتت الوقائع لاحقاً عدم فاعليتها، بل فشلها في الكثير من الأحيان. هذا في حين أن التجربة البريطانية في هذا المجال تقدم حلولاً أفضل بكثير من التجربة الفرنسية، مع الأخذ بعين الاعتبار الخلفية الاستعمارية التي تجمع بين التجربتين، لا سيما من جهة توافد أعداد كبيرة من المهاجرين من المستعمرات التي كانت تابعة للبلدين في كل من آسيا وأفريقيا.
ولم تمض أيام على خطاب ماكرون المثير للجدل، حتى جاءت الجريمة البشعة بحق المدرس الفرنسي صامويل التي أقدم عليها اللاجئ الشيشاني باسم الدفاع عن الإسلام؛ وهو الأمر الذي أثار بدوره ردود أفعال سلبية رافضة وإدانات في العالم أجمع.
إن استخدام التعميمات الشعبوية في تناول الموضوعات الحساسة، خاصة في أوقات الأزمات والتوترات، يرفع من وتيرة إثارة المشاعر، وهيمنة اللاعقلاني، مما يفسح المجال أمام المزيد من ردود الأفعال الاستفزازية التي تساهم من جهتها في توتير الأجواء، والدفع نحو المزيد من الهيجانات والاضطرابات، ويغيب العقل، ويهيمن أصحااب المشاريع المتطرفة من الجانبين على الساحات.
العبارة التي استخدمها الرئيس الفرنسي ماكرون “الإسلام في أزمة” لا تقدم توصيفاً مقبولاً لما هي عليه الأمور في واقع الحال، هذا ناهيك عن تحولها إلى مادة لموجة من المناقشات العاصفة الصاخبة، والاتهامات المتبادلة بين من يرى في الإسلام حلاً، وبين من يعتبره المشكلة. وبين هؤلاء وأولئك تقف الغالبية العظمى من المسلمين في مختلف أنحاء العالم حائرة مبهوتة إزاء ما يقال عن دينها، وما ينذر به المستقبل من مخاطر واصطدامات.
الإسلام هو دين أكثر من مليار إنسان، يجسد معتقدات معتنقيه، شأنه في ذلك شأن سائر الأديان الأخرى. وما يميز الدين بصورة عامة عن العلم والسياسة أنه يقوم على “الحقائق المطلقة” التي يسلّم المؤمنون بها بناء على معطيات جازمة. ورغم محاولات الكثيرين الربط بين حقائق الدين المطلقة، وحقائق العلم النسبية، أو وقائع عالم السياسة المتغيرة، فإن النتائج بصورة عامة لم تكن موفقة، لأن عملية الخلط بين نسقين مختلفين من الوعي الإنساني، يعتمد كل واحد منهما أدوات ومحددات ومسلمات مختلفة، ومعايير متباينة للتحقق، بصورة كاملة؛ أدى، ويؤدي، إلى الكثير من المغالطات وسوء الفهم وردود الأفعال.
فالدين يبقى في منظور المؤمنين بما ينص عليه، ويدعو إليه، سامياً يتمحور حول علاقة الإنسان مع إلهه، ويفصل في الواجبات التي ينبغي تأديتها من جانب الإنسان، حتى يحصل على رضى ربه سواء في الدنيا أم الآخرة.
ولهذا لا بد لأي دعوة إلى حوار الأديان وتعايشها، أن ترتكز إلى قاعدة احترام القناعات الإيمانية لأتباع كل دين. فلكل دين حقائقه المطلقة الخاصة به التي تظل مطلقة في منظور المؤمنين بها، وما علينا إذا أردنا التفاهم والتواصل والعمل المشترك لمصلحة الإنسانية جمعاء، سوى احترام عقائد الآخرين.
ولكن المشكلة الكبرى تظهر حينما نقحم الدين في عالم السياسة، أو العكس، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية، أو للتغطية على أهداف سياسية بشعارات دينية توظف للتجييش والتعبئة، أو للحصول على مناصرة المتدينين في المعارك الانتخابية، أو تعزيز المواقع على الصعيد الداخلي في مواجهة الخصوم الواقعيين أو المحتملين، وحتى المتخيلين.
ولدينا في هذا المجال نماذج كثيرة لا تحصى من مختلف المراحل التاريخية، وفي سائر المجتمعات الإنسانية. ولعل أوضحها في عالمنا المعاصر، يتجسد في مثالي كل من إيران وإسرائيل في المنطقة. فالأولى تجعل من المذهب الشيعي هوية للدولة، بل تسعى للتوسع في المنطقة عبر استغلال الورقة الشيعية في مجتمعات المنطقة. أما إسرائيل، فهي قد التزمت مبدأ يهودية الدولة، الأمر الذي يتناقض مع أبسط أساليب العلمانية التي تقوم على مبدأ حيادية الدولة. والأمر نفسه في الهند، حيث يحاول حزب “بهاراتيا جاناتيا” الهندوسي المتشدد الحاكم فرض رؤيته الأحادية على واقع تميز بتنوعه عبر مختلف المراحل التاريخية.
وفي تركيا، يحاول الحزب الحاكم، العدالة والتنمية، الجمع بين الأيديولوجيتين الإسلاموية والقوموية في سبيل تعزيز نفوذه، والاستمرار في السلطة. وفي روسيا، يقيم الرئيس بوتين أوثق العلاقات مع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ووجدنا جميعاً كيف بارك رجالات هذه الكنيسة أسلحة بوتين التي أرسلها إلى سوريا لتشارك، إلى جانب نظام بشار، في الحرب على السوريين الثائرين.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية توجه الرئيس ترامب إلى كنيسة القديس يوحنا في واشنطن، ليظهر أمامها رافعاً الإنجيل في سعي لامتصاص نقمة الأمريكيين المحتجين على تسبب الشرطة في وفاة جورج فلويد، وذلك في تصرف شعبوي كان موضع انتقاد الكثير من الأمريكيين.
أما في سوريا التي اعتاد نظامها منذ أيام حافظ الأسد على تسويق نفسه باسم الاشتراكية والقومية والعلمانية، فقد كان، وما زال، هناك حرص على قيام الرئيس بتأدية صلاة العيد في المسجد بمعية رجال الدين الرسميين.
ومثل هذه النماذج كثيرة في الدول العربية والإسلامية، لكنها لا تعكس أزمة في الدين الإسلامي نفسه، كما ذهب إلى ذلك الرئيس الفرنسي مجانباً للحقيقة، وإنما هي أزمة في النظام السياسي في الدول العربية والإسلامية التي لم تتمكن من اعتماد مبدأ حيادية الدولة التي تقوم على أساس مبدأ المواطنة، واحترام حقوق سائر المواطنين على أساس احترام الخصوصيات الدينية والمذهبية والقومية.
الإشكالية الأساسية التي تعاني منها هذه الدول أنها لم تتمكن من حل المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتها، ومنها قضايا التعليم والعمل والسكن والمعالجة الصحية، وحقوق الإنسان على مستوى الأفراد والجماعات وحرية التعبير. بل مارست أنظمة الحكم المعنية، وتمارس، الفساد والاستبداد؛ ولا تعطي أي اعتبار للمساءلة والمحاسبة طالما أنها قد حظيت على تفويض القوى الدولية المتحكّمة بدول الأطراف في آسيا وأفريقيا. فسلطات هذه الدول ملتزمة بتعهداتها لصالح الدول المعنية مقابل الحصول على الحماية و”الشرعية” لتتمكن من الانقضاض على مواطنيها، وتسلبهم عبر أنظمتها الشمولية من أي امكانية للاحتجاج والمطالبة بالتغيير، كما أنها تتعامل مع موارد البلاد وكأنها من أملاكها الشخصية.
وقد جاءت ثورات الربيع العربي لتؤكد رغبة الشعوب في التحرر والخروج من دائرة الفساد والاستبداد اللعينة؛ وكان الاعتقاد أن العالم الديمقراطي سيقف إلى جانب الشعوب، وتمكّنها من الخلاص، الأمر الذي كان سيساهم في حلّ الكثير من المشكلات في المجتمعات الأوروبية، والغربية بصورة عامة، منها تلك الخاصة باللجوء والمهاجرين، ونزعات التشدد والتطرف بكل صيغها.
ولكن الذي تبين لاحقاً هو أن الدول المعنية لم ترفع الغطاء عن الأنظمة المأزومة، بل ساعدتها، وتحايلت على الشعوب؛ وكانت الذريعة هي أن زوال تلك الأنظمة مؤداه استفحال التشدد “الإسلاموي” هذا في حين أن الجميع على معرفة بأدق التفاصيل الخاصة بكيفية تشكيل وتسويق الجماعات المتشددة والإرهابية من قبل أنظمة الفساد والاستبداد نفسها، لتضع العالم أمام بديلين فاسدين: إما الاستبداد أو الإرهاب.
الأزمة هي أزمة الأنظمة المستبدة الفاسدة، وأزمة القوى والحركات والجماعات المصرة على استخدام الإسلام ليكون مادة أيديولوجية تكون وسيلة لبلوغ أهداف سياسية، أو حتى مكاسب مادية؛ وغالباً ما تكون هناك عملية تبادل الأدوار بين تلك الحركات والأنظمة الفاسدة نفسها.
لذلك من الضروري جداً أن يحسن المفكرون والقادة السياسيون التفكير، ويعتمدوا الحذر الموضوعي المطلوب في استخدام التعابير والمصطلحات، وذلك منعاً لأي إساءة إلى معتقدات الناس ومشاعرهم، ومنعاً لإثارة أي ردود أفعال قوية التي غالباً ما تتحول إلى مادة جديدة في عمليات الاستغلال التي تمارسها الأنظمة الفاسدة، والحركات المتشددة. وهي العمليات التي تستفيد منها الماكينات الإعلامية، والحملات الشعاراتية الخاصة بالقوى اليمينة المتطرفة في العديد من المجتمعات الغربية، وحتى في دول أوروبا الشرقية التي تنسب التطرف الإسلاموي إلى الإسلام، بينما نرى أن المسلمين من المؤمنين المعتدلين هم في مقدمة ضحايا تلك الأنظمة والحركات. فهم يعانون من واقع مفعم بالمظالم والاضطراب، كما يعانون في الوقت من مأساة انسداد الآفاق أمام أجيالهم المقبلة.
* كاتب وأكاديمي سوري