الدين في عالمنا.. وقائع ندوة دولية في كابري الإيطالية:

حجم الخط
0

الدين في عالمنا.. وقائع ندوة دولية في كابري الإيطالية:

الحروب الدينية تعتمد علي الأجهزة التكنولوجية من فضائيات وثقافة رقمية في رهان علي إعادة تعريف المقدسعودة الإلهام الأصولي ترتبط سيكولوجيا بالمخاوف القيامية المنتشرة في مجتمعنا.. والتمركز حول المحلي والقبليالدين في عالمنا.. وقائع ندوة دولية في كابري الإيطالية:مراجعة : د. سعيد بوخليطہ تحـــــت اشــــراف كل من جاك دريدا Jacques Derrida وجياني فاتيمو Gianni Vatim انعقدت بجزيرة كابري الايطالية ما بين 28 شباط (فبراير) و1 اذار (مارس) 1994 ندوة دولية في موضوع الدين . وقد ترجم أهم محاور هذا اللقاء الفكري الهام، الي اللغة العربية الأستاذان محمد الهلالي وحسن العمراني، وصدر عن مؤسسة النشر دار توبقال في 200 صفحة من القطع المتوسط.شارك الي جانب دريدا وفاتيمو، الفلاسفة والمفكرون: موريزيو فيراريس Maurizio Ferraris وهانز جورج غادامير Hans georg Gadamer وألدو كــــاركــــاني Aldogargani وأوجينو تريــــــاس Eugenio Trias وفانســـــينزو فيتيلو Vincenzo Vitiello. مجموعة من الأسماء الوازنة تمثل الثقافات الانسانية الكبري: الفرنسية والألمانية والايطالية والاسبانية… في حين غاب محاور يمثل الثقافة العربية الاسلامية وهي المسألة التي لاحظها بنوع من الأسف كل من دريدا وغادامير. مع أن الاسلام يعتبر الآن أكثر الأديان التي توضع موضع اتهام فيما يخص مجموعة من القضايا الفكرية والثقافية والايديولوجية.ولا شك أن جل المشاكل التي نعيشها اليوم، تتأتي أساسا من غياب طرح حضاري وحقيقي، يضع الدين موضع تساؤل بعيدا عن التوظيف السياسي الميكيافيلي سواء من قبل الأنظمة السياسية أو الحركات الدينية. تدخل ترجمة هذا العمل الي اللغة العربية في اطار فتح حوار معرفي مع الثقافة العالمية بمفاهيمها الكونية، والتي تختزل في سيرورتها التاريخية تراثا ثقافيا ضخما، يمثل فيه الصراع مع التمثلات الدينية أحد جوانبه الأساسية.في 52 شذرة، حاول دريدا ملامسة الآفاق الممكنة لحديثنا اليوم عن الدين، وان أشار ضمنيا في مقدمة مداخلته الي صعوبة الحسم النهائي في النتائج انطلاقا من موقع محدد في الزمان والمكان ومن قبل مجموعة من الأشخاص، وحده تجريد: (ذهننا من جميع الأشياء أو من معظمها) (ص 9) يشكل مصدرا ومنبعا للخلاص.التجريد بحث عن الخلاص، وان كانت لعبة المفاهيم تخلق مساحات للاختلاف والتعدد، تجعل من الخطاب الواحد المماثل لذاته فرضية وهمية. فأي معني للخلاص؟ وما الذي يحدد لنا طبيعة الشر عن اللا ـ شر؟ واذا أمكن الأمر، فهل يعني ذلك أننا استوفينا المطلوب من أجل الخلاص؟رغبة دريدا في: (ربط مسألة الدين بالشر المنبثق عن التجريد أي بالتجريد الجذري) (ص 10). وهو التجريد الذي قد يجد بعضا من مواطنه في الآلة والتقنية. ذلك أن التفكير في الدين، يستتبع أيضا المغامرة بكل أشكال منطق التعالي حيث يمكننا: (اطلاق الفرضية التالية: بالنظر الي كل قوي التجريد والتفكيك (….) يظل الدين يتأرجح بين موقف دفاعي من جهة، وآخر لا يتواني فيه عن الدخول في مزايدات ترمي الي اعادة اثبات الذات من جهة أخري. هناك حيث المعرفة والايمان، العلم التـقاني (ص 10).ان الاجتماع في جزيرة كابري Capri يؤكد دريدا ومن قبل أشخاص محددين يفترضون في أنفسهم أنهم يرسمون اعتقادا ما قبليا موحدا لكلمة دين Religion. بمعني أن مرجعياتهم اللغوية تؤسس لقاسم مفهومي مشترك في حين أن المسألة هي عكس ذلك تماما.التفكير بالدين واللغةالتفكير في سؤال الدين عند دريدا لا يمكن فصله عن: (اللسان وحرفية النص والكتابة، وهي العناصر التي تشكل لحمة كل وحي اعتقاد. من هنا عدم قابليتها للاختزال والترجمة) (ص 12). ويضيف بأن حضور أربع لفات تنتمي كلها الي الثقافة المسيحية، وبالتالي غياب ممثل عن الديانة الاسلامية وكذا الديانات الأخري، ثم عدم حضور امرأة عناصر وأخري لا تعطي حقا لهؤلاء المفكرين امكانية التكلم باسم الجميع.ان مسألة عودة الأديان ، كظاهرة تميز الحقبة المعاصرة، تقتضي التفكير فيها انطلاقا من عدم التعارض بين: (الدين من ناحية، والأنوار والعلم والنقد ( النقد الماركسي، الجنيالوجيا النتشوية، التحليل النفسي الفرويدي، وكل الارث الفكري الذي خلفوه جميعا )من ناحية أخري، كما لو أن الواحد منهما لا يقوم الا علي أنقاض الآخر؟ ان محاولة التفكير فيما سمي عودة لما هو ديني تفترض علي العكس من ذلك الانطلاق من خطاطة مختلفة) (ص 13).الأمر يفترض اذن وضع أسئلة مغايرة ومختلفة عن تلك التي طرحت في السابق. وأن مفاهيم الأصولية والتعصب والتطرف وكل أشكال الدوكسا والوثوقية تشكل اليوم مدخلا أوليا في كل استراتيجية تحليلية.وما يجب في هذا الاطار التحذير منه هو الجرائم التي تقترف باسم وتحت يافطة الدين كما هو الشأن في علاقة النزعة الاسلاموية بالدين الاسلامي. تعتبر خطورة الاسم والتسمية من المنزلقات التي ينبغي تجنبها، فالتسمية أفق للعمل وتأويل لمجالات الاشتغال.يذكر دريدا بالوضع السوسيوثقافي الذي يتموضع داخله هؤلاء المتدخلون بقوله: (كيفما كانت العلاقة التي تربطنا بالدين، بهذا الدين أو ذاك، فاننا لسنا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية، ولا نخبة من التيولوجيين، ولا نزعم أننا ممثلون أكفاء للدين، كما أننا لسنا أعداء للدين بالمعني الذي يمكن أن يكونه بعض فلاسفة الأنوار. غير أننا نشترك أيضا في شيء آخر يتمثل علي ما يبدو لي، في ميل واضح وتفضيل غير مشروط لما ينعت عادة في السياسة بالديمقراطية أي الجمهورية كنموذج قابل للتعميم علي الصعيد الكوني، وبكل ما يربط الفلسفة بالشأن العام) (ص 15). لذلك من حقنا المعرفي توظيف منهجية تعلق الأحكام، أي الموقف الايبوخي كما يصطلح عليه هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا من أجل بلورة مشروع يمكن التفكير في الدين داخل حدود العقل وحده أي استعادة المشروع الكانطي بصورة أخري، حيث نعمل علي تحيين المقدس ووضعه ضمن شروطه التاريخية من أجل ادراك الخصوصية الدقيقة لمفهوم الدين: (لتاريخ تاريخه، وللجنيالوجيات المتشابكة في ثنايا لغاته واسمه، علينا أن نكون علي بينة من أن الايمان لم يكن دائما، ولن يكون علي الدوام متماهيا مع الدين أو التيولوجيا، من هنا القول: ليست كل قداسة وكل قدسية بالضرورة دينيين) (ص 16). وسيمكننا ذلك من تمثل صور وابداعات تاريخ الشر الجذري .ما زال الدين في حدود العقل يستعيد المشروع الكانطي والذي انطوي علي الاشارات النظرية الكبري التالية:1 ـ ان الدين المسيحي، هو الوحيد من بين كل الديانات الأخري الذي يمكننا نعته بكونه دينا أخلاقيا.2 ـ يتجاوز تأويل الكتاب المقدس قدرات العقل.3 ـ التمييز بين الدين التعبدي والدين الأخلاقي: (يحصي الدين التعبدي الأفضال والنعم الالهية، غير أنه في العمق، وفيما يتصل بما هو جوهري، لا يحض علي العمل ويكتفي بتعليم الصلاة والرغبة. ليس علي الانسان هنا أن يصبح أفضل وأكمل، ولو حتي عن طريق مغفرة الذنوب. أما الدين الأخلاقي، فهو يعني بتهذيب السلوك وحسن التصرف في الحياة) (ص 17).كما أسس التصور الكانطي لنوع جديد من الاعتقاد وهو الايمان التفكري والذي يتعارض مع الايمان الوثوقي ويتوافق بالتالي مع حدود العقل العملي الخالص . يرتبط الايمان التفكري بالأخلاقية الخالصة للديانة المسيحية والتي تفترض مبدأ أساسيا يتحدد مضمونه علي الشكل التالي: (يلزم العمل كما لو كان الله غير موجود أو غير آبه علي الاطلاق بخلاصنا. علي هذا المنوال يتحدد ما هو أخلاقي ومسيحي، بحيث متي أراد المسيحي أن يصبغ علي أفعاله الصبغة الخلقية، فما عليه الا أن يدير ظهره للاله ساعة عمله وفق مبدأ الارادة الخيرة) (ص 19). لذلك فالمسيحية حسب كانط تعني موتا للاله، حيث أن المعاناة والمكابدة تقوم في قلب وقائع التأريخ.اقامة الدين في حدود العقل ، وتجاوز كل الفلسفات الوثوقية والدينات الطبيعية، مشروع يطرح حسب دريدا مجموعة من الأسئلة تتعلق بحدود المشروع والمعني الذي يمكن أن يأخذه؟ ثم حدوده الفكرية وغاياتها وكذا مرجعياتها؟ أسئلة يمكن أن نؤسس من خلالها لمقاربتين اثنتين: (ستكون أولاهما هيجلية، وتنبسط علي شكل أنطوتيولوجيا محددة للمعرفة المطلقة كحقيقة للدين، وذلك من خلال الحركة النهائية التي جري وصفها في استنتاجات فينومينولوجيا الروح أو الايمان والعلم والتي تعلن فعلا عن دين للأزمة الحديثة قوامه الشعور بأن الاله قد مات (…) ومن قلب الفراغ الذي يولده غياب الحضور الالهي، الحرية الأكثر رصانة في أسمي كليتها. وبموجب تمايزها عن الايمان والصلاة والأضحية، تقوم الأنطوتيولوجيا بتفويض الدين (…) أما ثانيهما، فستكون ذات طابع هيدغيري، يجعلها تتموقع فيما وراء هذه الأنطوتيولوجيا، بالضبط حيث تتجاهل هذه الأخيرة الصلاة والأضحية) (ص 22).الكشف عن نور يبدو أكثر أصالة من كل وحي، ويستقل عن كل اعتقاد ديني، هو ما يشكل حيزا لظهور ما يسمي بالايمان التفكري والذي يسحبنا الي المكان الثالث: (الذي يترجح أنه كان، أكثر من المبدأ الأصلي، المكان الأكثر فوضوية واستعصاء علي التوثيق. لا نقصد هنا الجزيرة ولا الأرض الموعودة، وانما هي صحراء ـ لا كصحراء الوحي ـ صحراء في قلب الصحراء، تجعل الآخر ممكنا وتفتحه وتحفره أو تعطيه بعدا لا متناهيا. ولسنا ندري أهو وجد أم وجود للتجريد الأقصي؟ لعل ما سيلعب دور الدليل في صحراء لا طريق فيها لا داخل لها سيكون بلا شك، هو امكانية تحقيق Religio وreliger) (ص 24)، بمعني الرابطة سواء مع الذات أو الآخر، انها رابطة يؤكد دريدا تكون سابقة علي: (كل جماعة محددة وعلي كل دين وضعي علي أي أفق أنطو ـ انتروبو ـ تيولوجي) (ص 24).عملية تسبق كل تحديد، فهي تشبه نوعا من التصحر ، لكن تجريد هذه الصحراء سيعطينا امكانية الاحتجاج وبالتالي الانسحاب. لذلك سيختار دريدا لفظتين تعبران عن ذلك: (لفظ مشيحاني من جهة ولفظ Khora من جهة أخري) (ص 25).المشيحانية تعبر عن أحد المعتقدات المسيحية، والتي تؤكد علي عودة المسيح في آخر الزمان لتخليص الأرض من الجور والظلم. هناك اذن قوة حضور الآخر، والذي سيرتبط وجوده أصلا بالقدرة علي تحقيق العدل. انتظارية لا يمكن اختزالها الي معرفة، بل هي اعتقاد وايمان ذاتي محكوم ببعد صوفي، يعطي امكانية للحلم والثقة في الآخر. تجعل من الفعل الايماني الذي يسكن ذواتنا، وينبسط نحو الآخرية تجربة ايمانية قابلة: (للتعميم علي صعيد كوني ـ بالطبع أقصد هذا الايمان وليس غيره أو أي شيء سابق عليه ـ أن تسمح وحدها بميلاد خطاب عقلاني وكوني بشأن الدين . لا تقبل هذه المشيحانية المجردة من كل شيء، وكما يجب، وهذا الايمان الخالي من أي معتقد الذي يتقدم مهددا بخطر ليل غاسق، لا تقبل الرد الي التقابلات المعروفة في تراثنا، مثل تقابل العقل والتصوف) (ص 26 ـ 27).وعد الانتظارهذه الصحراء الموجودة في قلب الصحراء علي حد تعبير دريدا، تعطي امكانية الانفتاح علي المستقبل وممارسة ايمانية تعيش علي وعد بالانتظار.أما الـ Kh…ra فترجع في أصولها المعرفية الي أفلاطون ومحاورته طيماوس ، وذلك (في معرض حديثه عن مكان ثالث سابق علي التمييز بين عالم المثل وعالم الحس. فاذا كانت الموجودات تنقسم الي قسمين: منها ما كان موجودا منذ الأزل وليس له صيرورة، ومنها أيضا ما هو في صيرورة دائمة ولم يكن أبدا، فان هناك حضورا ثالثا يتمثل في الوعاء القادر علي احتواء الأشياء التي في حـالة صيرورة) (ص 25).ويوظفها دريدا هنا كمجاز عن المكان الذي يتضمن تجربة متفردة ترفض كل السلط والتصنيفات، يقاوم ويجابه الوجود والموجودات. لهذا فـ Kh…ra تظل: (حصنا منيعا يصد كل سيرورات الوحي التاريخي أو التجربة الأنتروبولوجية، التي تفترض، مع ذلك التجريد. لن تكون أبدا مدخلا للدين، ولن تقبل مطلقا بالعمليات التي ترمي الي تقديسها، وتطهيرها وأنسنتهـا، وتهذيبـها وأرخنتها) (ص 29).التفكير المجرد من كل ذاكرة، يعطي فرصة لظهور الايمان التفكري وكذا كل معاني التسامح.يرتبط التسامح حسب دريدا في أصوله المعرفية والعقائدية بالدين المسيحي، لهذا يقترح وضعه بين هلالين حتي نجرده قليلا من هذه الأصول. التسامح كمجال ملائم لتجربة الصحراء في قلب الصحراء : (قبل وبعد القربان المقدس، قبل وبعد الكتب المقدسة) (ص 31).التفكير في الدين والانشغال بماهيته، وافتراض الخلاصات الأساسية والدقيقة يحتم بلا ريب التكلم عن كل ذلك: (بشيء من الحس الديني، حتي لا نقحم فيه ما هو غريب عنه) (ص 31). الاعتراض علي هذا الأفق، قد يحيل علي التصورات التالية:ـ لن نتكلم عن الدين اذا ما نطقنا باسمه واقتصرنا علي التفكير فيه نظريا وبنوع من الاحترام الديني ) ص 32).ـ القطع مع الدين: من أجل تعليق الانتماء الديني لبعض الوقت كان ولا يزال المنبع الذي دأب علي تفجير الايمان الأكثر أصالة أو القداسة الأكثر أصلية ) ص 32).التفكير في الدين من أجل معرفة وضبط ما يحدث ويتم تحت يافطة وغطاء الدين. ولا شك أن الحروب الدينية، تستعين اليوم بأحدث الأجهزة التكنولوجية من أقمار اصطناعية وأنظمة معلوماتية، ورسائل اتصال جد حديثة في سبيل بث خطابها ونشر ايديولوجياتها. لقد استعان الدين بالثقافة الرقمية مراهنا علي تحديد الماهيات والمفاهيم: العالم والتاريخ والحاضر والزمان والمقدس والوجود….لكن ماذا بشأن قضية التحديد، هل تحيل دائما علي نفس المفهوم؟ وهذا الدين قد يكون فرديا، كما تحكمه مصالح وخلفيات جماعية. ذلك أن ما يقدم باسم الدين، والذي تصاحبه حروب دينية وعقائدية تحدده مجموعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية. لذا من الطبيعي تحديد وتقنين مفهوم الحروب الدينية .في طرحه لسؤال (ما الدين) ؟ يؤكد دريدا بأن الدين هو الاجابة ، والاجابة مرتبطة بالمسؤولية التي لا تتم بدون (حلف اليمين) باعتباره ضمانة اتجاه الآخر والذات. كل تفكير في الدين، عليه كذلك التفكير في جينيالوجيا مثل هذه المفاهيم. يحضر الاله في القسم كضمان للالتزام، وحيز للاستناد. ويجب في جميع الأحوال التوقف عن فهم ظاهرة الدين انطلاقا من تعارضه مع العلم والتقنية: (واضح أننا نربط هنا العقل بالفلسفة وبالعلم، بما هو علم تقاني وبما هو تاريخ نقدي لعملية انتاج المعرفة (…) يتطور العقل والدين جنبا الي جنب) (ص 37).تســـتمد تسمية الدين أصولها من الكلمة اللاتينية Religio ، لذلك لا يمكن فصل اشكال الدين عن سؤال اللغة اللاتينية: (وبالنسبة لكل ما يمس الدين علي وجه الخصوص ولما يتكلم الدين وينشئ خطابا دينيا أو حول الدين، فان اللغة الأنكلو أمريكية تظل لاتينية. نستطيع القول بأن لفظة Religion تجوب أنحاء العالم كلفظة انكليزية حطت رحالها في روما بعد لفة عبر الولايات المتحدة. وبعيدا عن صورها الرأسمالية الخالصة أو السياسية ـ العسكرية) (ص 38). وكلمة Religio تقوم أساسا علي الحلف باليمين وأداء الشهادة واظهار الحقيقة.يتساءل دريدا عن خلفية ودلالة (عودة ما هو ديني) بالنسبة للأوروبيين؟ وهل الدين مرتبط بالتدين وبتجربة المقدس و الناجي و السالم ؟…، حيث تخترقه تجربتان أساسيتان هما:1 ـ تجربة الاعتقاد. 2 ـ تجربة المقدس.بعد أن استخلص بأن كلمة دين ليس لها نفس الصلاحية بالنسبة لكل اللغات، يطرح دريدا الاشكال التالي: (ما السبيل الي جمع وخلق روح التعاون بين الخطابات أو بالأحري بين الممارسات الخطابية التي تحاول أن تكون في مستوي سؤال ما الدين …؟ (ص 42).حسب الاشتقاق الممكن لكلمة Religio، هناك تقليدان: أـ التقلـــيد الششروني، الذي يتواصل حتي مع أوتو W.oo وهوفمان J. Hofmann وبنفنست، علي اشتقاق Relegere من Legere (قطف أو جني، وجمع). ب ـ أمــــا التقليد الذي يبــــتدئ مع لكــــتانس (Lactance) وترتوليان (Tertullien) وصولا الي كوبرت Kobbert وارنوت ـ ميلي Ernout-meilet وبولي ـ فيسوفا Wiouwa Pauly، فيذهب الي أن أصل Religare هو Ligare (ربط أعاد ربط) (ص 43). مع وجود كثير من التميزات القائمة علي بعض الاشتقاقات الجنيالوجية: (الدين/الايمان، الاعتقاد، الدين/التقوي، الدين/العبادة، الدين/التيولوجيا، الدين/الألوهية، الدين/الأنطوثيولوجيا، أو أيضا البعد الديني/الالهي ـ الفاني أو الخالد، البعد الديني/المقدس ـ الناجي ـ السالم ـ المحصن) (ص 44). وهي اشتقاقات تحيل في مجموعها علي لحظتي الاعتقاد والمقدس.حينما استفسر موريزيو فيراريس عن الموضوع الذي يمكن أن يكون محورا لندوة كابري، لم يتردد دريدا في طرح الدين. يقول مبررا اختياره لذلك: ماذا يحدث الآن مع الدين أو ما اعتدنا علي تسميته كذلك؟ ما الذي يجري هنا، علي مرآنا ومسامعنا، وبهذه الصورة السيئة، حاملا هذا الاسم الضارب بجذوره في القدم؟ ما هذا الذي يشهد العالم انبثاقه فجأة أو عودته مجددا تحت هذا الاسم؟) ص 47). وهل عودة ما هو ديني، مرتبطة بعودة مظاهر الشر الجذري ؟ أسئلة في حقيقة الأمر لا تنفصل عن تاريخ وماهية مفهوم الدين.كيف نفسر عودة ما هو ديني؟ وهي بالمناسبة ليست مجردة عودة عادية، لأنها: تشتمل، كما هو الحال بالنسبة لأحد بعديها، علي نزعة تدميرية جذرية لما هو ديني) ص 51). نشير بهذا الصدد الي الحرب التي تشنها الأصوليات ومختلف قوي التطرف الديني. ومن جهة أخري، موت الاله وبعث الانسان وكذا حقوقه الطبيعية خاصة حقه في الحياة.سيتحالف الدين مع العلم والتقنية، كما يوظف ويستغل الرأسمال والمعارف التي أتاحها حقل الاعلام.يلامس دريدا كذلك في شذراته البعد الازدواجي للخطاب الديني، هناك من جهة النزعة القربانية (الذبح)، وفي نفس الوقت الدعوة الي احترام الحياة. مستحضرا دعوة كانط الي أن يكون الانسان غاية في ذاته، باعتباره قيمة مطلقة تتجاوز منطق التبضيع وقيم السوق .أما جياني فاتيمو والذي عنون مداخلته بـ أثر الأثر ، فقد حاول هو كذلك مقاربة وكذا التفكير في أثر عودة الديني. وكيفيات ذلك حيث: تتمظهر أساسا علي نمطين يصعب الربط بينهما بصورة مباشرة. فمن ناحية، وهي الأكثر تمثيلا للثقافة الشعبية، تجد عودة ما هو ديني بما هي ضرورة، وكحيوية جديدة للكنائس والطوائف، ومن حيث هي بحث عن المذاهب والممارسات الموازية: موضة الاقبال علي الديانات الشرقية … مبررها في التهديد الذي تمثله بعض الأخطار الغامضة التي تظهر لنا كما لو كانت غير مسبوقة ولا مثيل لها في تاريخ الانسانية. فمباشرة بعد الحرب العالمية بدأ الخوف من احتمال اندلاع حرب ذرية، واليوم حيث يبدو هذا الخطر أقل وشوكا بسبب التمظهر الجديد للعلاقات الدولية، نشهد بالمقابل انتشار الخوف من التكاثر غير المراقب لهذا النوع من الأسلحة، كما نلحظ تزايد القلق ازاء التهديدات التي تتربص بالايكولوجيا الكونية وأمام الامكانات الجديدة للتلاعب بالهندسة الوراثية) (ص 78).حيثيات عودة ما هو ديني، تتجلي في هذا التمركز حول المحلي والقبلي، ومن ثم رفض التحديث باعتباره: مسؤولا عن اجتثـاث الجـذور الأصلية للوجود )ص 79).عودة الالهام الأصولي ، ترتبط سيكولوجيا مع المخاوف القيامية المنتشرة في مجتمعنا. كما يمكن تفسير: الحيوية الجديدة للدين بكون الفلسفة والفكر النقدي عموما، بتخليهما حتي عن مفهوم الأساس، أصبحا عاجزين عن اعطاء معني للوجود، وهو المعني الذي يتم البحث عنه في الدين ) ص 79). العودة الي الدين، تجد تفسيرها اذن هذه الحاجة الي الأسس.في نفس السياق كذلك، أكدت مقاربة الباحث أوجينوترياس بأن الأحداث السياسية الكبري مثل انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية وأزمة الخليج وكذا الصراع اليوغوسلافي، خلقت بشكل متزايد أهمية الأسس الدينية أو الدينية الثقافية. لكن البحث في المسألة الدينية، وكذا في كيفيتها وتجلياتها، لم يعد من الممكن التفكير فيه علي طريقة فولتير والأنواريين من خلال نعت الدين بالخرافة أو الحديث عن أفيون الشعب أو أفلاطونية مخصصة للشعب أو مستقبل وهم ، بل الأمر يفرض أن نتأمل عن قرب وبعمق الدين وتحويله الي موضوع للتفكير. مفتاحنا في ذلك هو الرمز، ونقصد به التجلي الحسي والواضح للمقدس.لقد دعت فلسفة الأنوار. ـ الفرنسية بالخصوص ـ الي ديانة للعقل وجاء الرومانسيون الألمان مع نوفاليس وشلنغ بدعوة دين الروح الحق . وربما كانت الوسيلة الوحيدة للتصدي للحروب الدينية التي تنفجر في كل مكان هي وضع أسس بناء جديد لكن حدثا من هذا لا يظهر الي الوجـود بقرار ارادي ) ص 95).في حديث الدوغارغاني عن التجربة الدينية كحدث وتأويل ، فانه يستحضر الاشكال الذي يتأتي من العلاقة ـ مادام أن الواحدة تقود الي الأخري ـ بين محاولة تأسيس خطاب ديني ثم التفكير في ماهية ووجود الله. يقول بهذا الصدد: وبينما ينجز ادراج جديد للخطاب الديني، الذي يخضع لظروف تاريخية محددة ولضرورات تأملية ونفسية دقيقة، فان أول سؤال يخترق ذهن وخطاب الفيلسوف، والذي هو من جهة أخري، أيضا أول انشغالاته الفكرية، هو معرفة ما اذا كنا نستطيع الحديث عن الله دون أن نواجه مجمل الحجج المؤكدة أو المفندة للبراهين المثبتة لوجوده؟ اذا كان الله موضوعيا لا واقعيا، وهميا، تمت تصفيته من طرف التراث التجريبي والأنوار والوضعية الجديدة، فهل ما زال بوسعنا الوصول الي مستوي قوة لا يمكن تخيلها لبلورة خطاب حول الدين، أو سنكون مجبرين علي التلعثم مثل من يبحث أو يعاند في الحديث عن الدين في الوقت الذي ينخره وعيه التأملي ويشعر بأنه يقفز في الفراغ بمجرد اخفاقه في العثور علي طريق المرجع الدلالي والابستمولوجي المؤدي الي الله؟ )ص 106).يتموقع الوضع الديني اليوم بين سكر المعني ، الذي تجسده صيغ الايديولوجيات ثم غياب وفقدان لهذا المعني وهو خيبة أمـل الفلسفـة الحالية (ص 118).أما فانسينزو فيتيلو، فقد أكد أن انهيار المنظومة الشيوعية، والتي كانت تقوم علي اغتيال حقيقي وفعلي وللانسان ولحقوقه الطبيعية مع أن خطابها أظهر دائما عكس ذلك من خلال شعارات قيم التضامن الانساني ، اضافة الي نمو الحركات الأصولية الدينية كل ذلك يؤكد (وجاهة حكم نيتشه بصدد موت الله (ص 127). وبالفعل فان الصحراء تكبر أي صحراء التاريخ التي خلقتها القيم.مفهوم الصحراء قديم جدا، وقد سعي فانسينزو الي متابعة تجلياته عبر تاريخ التيولوجيا مع ابراهيم وموسي، ثم تأويلات المسيحية مع المسيح والقديس بولس والقديس أغسطين وهيجل وبنيامين وكانط ونيتشه … .ترمز الصحراء بشكل من الأشكال الي حضور الله وتواصله مع الانسان، وبالتالي: (أصبح من الممكن رؤية وجه الله نفسه) (ص 149).أطروحة موريزيو فراريس والتي جاءت تحت عنوان: معني الوجود كأثر متحقق للوجود ، حاول من خلالها البحث في النزعة الانسانية داخل الدين، خاصة وأن المسيحية ذاتها قامت علي هذا التصور.العقل والضرورة الأنثروبولوجية ونهاية التعالي، يجعل من دعوة الدين في حدود العقل البسيط اسما آخر للمسيحية. أي ما يعطي (معني الدنيوية، ويمثل الانتقال من الايمان الكنسي الي الايمان الديني الخالص دنو حكم الله. كلما تقدمنا نحو الدنيوية اقتربنا أكثر من حكم الله هنا تصل ديانة القلب الي الالحاد) (ص 162) الله ليس ضروريا هنا. ويصير الايمان الديني قضية عقل. يجب اذن أن تقلب العلاقة ويوضع الانسان في المركز.كيف يتأتي اللامتناهي للمتناهي؟ وما هي حيثيات تحول الصورة الي المفهوم؟ وهل بامكاننا تحديد الطبيعة التركيبية للتجريبي والمتعالي؟ وكيف يمكننا اثبات ذاتية أو موضوعية حضور الله؟انطلاقا من متون ديكارت وهيغل وهايدجر وماليبرانش وكانط، سعي فيراريس الي ايجاد نسق موضوعي فكري لهذا الايمان العقلاني.آخر مداخلة، كانت للفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير والذي أشار هو كذلك الي غياب ممثل عن الديانة الاسلامية في هذه الندوة وكذا غياب المرأة في حين: (تعتبر النساء ـ والأمهات بالأخص ـ أول من يجب أن تعطي له الكلمة في موضوع الدين في عالمنا ) (ص 183). كما لاحظ بأن أغلب تصورات لقاء كابري، تنطلق من الموقف الذي جاء به عصر الأنوار أي حقل الثقافة الأوروبية بامتياز، لذلك من الضروري توسيع الاشكالية لتشمل باقي الديانات الأخري حتي تأخذ محاولة المقاربة بعدا عالميا وطابعا كونيا، بعيدا عن كل اختزال دوغمائي.يتغير مفهوم الالحاد حسب غادامير، ويأخذ ألوانا أخري غير الالحاد الدوغماطيقي. ولا شك أن سلوك اللامبالاة كما يمارس يوميا عند شباب البلدان الصناعية، قد حل محل الالحاد الماركسي. وفي المقابل، فان نظام التصنيع تحول الي ديانة الاقتصاد العالمي.خلاصـــةأحس في قيرورة نفسي، أنني لم أتمكن رغم وقوفي علي الاشارات الكبري، من احاطة عميقة ومتكاملة بأطروحات هذا العمل أو ندوة كابري بشكل آخر. نظرا للعمق والموسوعية، والأفق المفهومي الكبير الذي طبع مداخلات الفلاسفة، وخاصة رائدهم جاك دريدا، وهي بالمناسبة أطولها جميعا وأكثرها قدرة في اعتقادي علي خلخلة مفهوم الدين واعطائه مختلف الدلالات التاريخية والابيستمولوجية واللسانية والفلسفية والسيكولوجية.لقد تجاوزتني كثير من لحظات هذا العمل الفذ، ولم أستطع اعادة صياغته للقارئ الذي لم تتح له بعد فرصة الاطلاع عليه، انه بشكل من الأشكال وثيقة مهمة في كل نقاش حول الدين. نظرا من جهة، للقيمة الفكرية والمعرفية للمشاركين، وموقعهم داخل المؤسسات والهيئات الثقافية سواء في بلدانهم أو خارجها. ثم تنوع المداخلات وتعدد سياقاتها ومقارباتها، انطلاقا من الاختلاف الثقافي والجغرافي للمتدخلين.قراءة واحدة لا تستوفي شروط القيام بأدني تأويل لمضمون من هذا الحجم. ولا شك أن عنصر الترجمة يلعب هنا كذلك عاملا أساسيا في صعوبة الفهم والتعليق خاصة لخطاب يمكن أن ينسجه فكر رجل كـ دريدا أو غادامير … الا أن بداهة الخلاصات يمكن أن تخلق مسافة للتفكير والتأمل:1 ـ هناك عودة كبيرة وطغيان للشعور الديني، يتداخل في ذلك ما هو تاريخي بما هو سياسي وثقافي.2 ـ من الضروري مقاربة اشكالية الدين، والتفكير فيها برؤية محايثة، تتجاوز كل تقابل بين الدين والعلم، وتسعي الي التحرر من النقد الأنواري. فالظاهرة تتحمل أبعد من ذلك وتفترض عمقا في المقاربة.3 ـ يتقاسم الدين الأسطوري والسوسيوثقافي وكذا التاريخي، مما يحتم تحاور مجموعة من الحقول المعرفية.4 ـ التقابلات الكلاسيكية بين دين/عقل، دين/علم، دين/فلسفة، دين/ايديولوجيا…. لم تعد ممكنة لاستيفاء شروط مقاربة تتوخي حدا أدني من القيمة الفكرية.5 ـ يجب اذن اعادة التفكير في هذا الذي ـ علي حد قول دريدا مرة أخري: (يحدث الآن مع الدين أو ما اعتدنا علي تسميته كذلك؟ ما الذي يجري هنا، علي مرآنا ومسامعنا، وبهذه الصورة السيئة، حاملا هذا الاسم الضارب بجذوره في القدم؟ ما هذا الذي يشهد العالم انبثاقه فجأة أو عودته مجددا تحت هذا الاسم؟) (ص 47).ہ باحث مغربي يقيم في مراكش.ہہ لدين في عالمنا: ترجمة محمد الهلالي وحسن العمراني. دار توبقال للنشر، الطبعة الأولي 2004.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية