لا يحتاج المتتبع لتاريخ الفكر الإسلامي وتاريخ الصراعات بين القوى والنخب الاجتماعية والسياسية، إلى عناء كبير في اكتشاف التداخل والتشابك بين السياسي والديني في الخطاب الأيديولوجي والممارسة العملية. وعلى الرغم من عدم وجود نصوص قطعية الدلالة في القرآن يمكن أن تكوِّن مرجعية نظرية لصياغة مفهوم الدولة، وشكل الحكم والأسس التي يستمد منها الحاكم شرعيته، إلا أن الأطراف السياسية المتصارعة جعلت جلّ همها الاستثمار في الديني، بحثا عن تثبيت الشرعية في مواجهة خصومها، ما أدى إلى تداخل شائك على امتداد التاريخ الإسلامي بين الإسلام، بوصفه رسالة روحية وأخلاقية، والإسلام الأيديولوجي، بكل ما تمثله الأيديولوجيا من انتهازية وانتقائية.
ولعل الحدث المفصلي المؤسِّس في هذا السياق، الذي يكاد يكشف كل ما تلاه من آليات استثمار الدين في خدمة السياسة والصراع على السلطة، هو فكرة رفع القرآن على أسنة الرماح، التي اهتدى إليها عمرو بن العاص للخروج من مأزق الهزيمة الحتمية لمشروع معاوية بن أبي سفيان، حين أوشك جيش علي بن أبي طالب أن يحسم الصراع بينه وبين معاوية عسكريا في معركة صفين الشهيرة.
وانطلاقا من هذا الحدث بالذات فقد اتخذ الصراع البشري بين القوى الاجتماعية والسياسية في التاريخ الإسلامي بعدا جديدا، فأصبح صراعا على النص، واستنادا إلى سلطته الدينية لخوض معارك الخلاف السياسي والاجتماعي والفكري، وقد أصبح في الوقت نفسه أول صياغة أيديولوجية سيميوطيقية، لما سيعرف في ما بعد عند جماعات الإسلام السياسي الحديثة باسم «الحاكمية». والعجيب أن «الإمام علي في رده على الخوارج [الذين قالوا بمبدأ لا حكم إلا لله] قد صاغ مبدأ مشروعية تعدد القراءة، حين قال قولته الشهيرة: القرآن، بين دفتي المصحف، لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال» ( نصر حامد أبو زيد، النص السلطة الحقيقة).
الإسلام بين المقدس والتاريخي
لعل الخروج من هذا المأزق المتمثل بالتداخل بين الدين والسياسة في التاريخ الإسلامي، هذا التداخل الذي ما يزال يشكل بؤرة صراعاتنا وإشكالياتنا الراهنة، ينبغي أن ينطلق من رؤية موضوعية تقوم على التمييز بين الإسلام، بوصفه رسالة روحية وإنسانية ثابتة تخاطب البشر جميعا على امتداد أزمانهم وأمكنتهم، والإسلام كما مارسه الصحابة إبان وفاة النبي، ومن جاء بعدهم من المسلمين محكومين بأفق عصرهم التاريخية والمعرفية.
فالرسالة الروحية للإسلام رسالة خالدة ثابتة لا يعتريها التقادم أو التغير أو التبديل، لأنها مبنية على القيم المطلقة المتجذرة في الضمير الإنساني، الذي ميز الله به البشر عن باقي مخلوقاته، ما جعلهم مستحقين لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض. وليست الكتب والرسالات السماوية المتكررة للإنسان، إلا تذكيرا له من أجل إعادة إحياء الجانب الروحي والأخلاقي الذي يمثل النفخة الإلهية في آدم، ويؤكد أصله الإلهي المقدس.
وبينما نجد القرآن يحشد جميع قدراته البلاغية والحجاجية والسردية، داعيا الإنسان للإعراض عن الباطل والشر، والسير على طريق الحق والخير، والتفكر وإعمال العقل في الكون وفي نفسه، لا نجده يشير – فضلا عن أن يفصل – إلى شكل الحكم، أو آليات بناء الدولة ونظامها. وإذا أردنا أن نستخدم مصطلحات المناهج النقدية الحديثة في دراسة النصوص، نستطيع أن نقول إن المسكوت عنه في النص القرآني إنما هو نص ذو دلالة لا يمكن تجاوزها، إنه رسالة تترك للإنسان أن ينظم شؤونه منطلقا من متطلباته وظروفه التاريخية.
وفي اللحظة التي توقف فيها الوحي، ورحل النبي إلى جوار ربه، كان على المسلمين أن يقوموا بمسؤولياتهم التاريخية: فالرسالة الروحية اكتملت والمشروع العربي الإنساني الذي نذر له النبي حياته بدأ يصطدم بالبنية الصلبة للحياة العربية قبل الإسلام بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا شك أن هذا المشروع «هو مشروع ضد طائفية القبيلة، وضد عصبية العرق والدم، ولو كان عربيا. إنه مشروع عربي ثقافي حضاري، وبقدر إدراك هذه الحقيقة كان المشروع يتقدم، وبقدر إغفالها كان المشروع يتعثر. وحين رفعت قريش في حوار السقيفة [الحوار الذي دار بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة عند وفاة النبي] مبدأ الخلافة في قريش ورفضت رفضا تاما تداول السلطة – منا أمير ومنكم أمير – كما رفضت المشاركة فيها – منا الوزراء ومنكم الأمراء – سُجلت العثرة الأولى في تاريخ المشروع، وتلا ذلك حروب الردة النابعة من عدم الرغبة في الخضوع لسلطة قريش بكل ما يرتبط بذلك في ذهن العربي من ذل وعار» ( نصر حامد أبو زيد، النص والسلطة والحقيقة). ولم يكن الصراع بين علي ومعاوية في ما بعد بمنأى عن شبهة «القبليّة»، لكنه هذه المرة داخل قريش نفسها بين البيت الأموي والبيت الهاشمي مغلفا بالبحث عن الشرعية الدينية والمرجعية الإسلامية في النصوص القرآنية.
منذ هذه الأحداث الفارقة في التاريخ الإسلامي بدأ الفارق يظهر ويتبدى جليا بين الرسالة الروحية والحضارية والإنسانية للإسلام، والإسلام التاريخي الذي صيّرته إليها الأحداث ومصالح القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فتناولت النص القرآني بالتفسير والتأويل والانتقاء والتعميم، مستخدمة كل ما توفر لها من آليات القراءة وأدوات المعرفة. وكان أن تراكمت الأفكار، وتشعبت الرؤى والأدوات والمعارف، حتى تأسست في منظومات كبرى بدأت صياغتها في القرن الثاني للهجرة، الذي يسمى اصطلاحا «عصر التدوين»، ويعد قرنا تأسيسيا للفكر الإسلامي على مختلف علومه ومجالاته المعرفية، كعلم النحو وعلم أصول الفقه وعلم التوحيد (علم الكلام). ومن هنا فإن هذا الفكر الإسلامي إنما هو نتاج فهم بشري تراكم وتكاثر حول رسالة الإسلام متمثلة بالقرآن، دعت إليه ضغوط الواقع ومتطلباته وتحكمت به مصالح القوى المتصارعة داخل السياقات التي وجدت نفسها تدافع عنها، فأضحى لكل واحدة من هذه القوى نهجها الفكري وأدواتها المعرفية الخاصة.
واستنادا إلى هذه المقدمات يبدو التمييز بين المقدس والتاريخي في تاريخ الفكر الإسلامي، بين الإسلام بوصفه دينا وهوية روحية وثقافية، والإسلام في تموضعاته التاريخية التي أنتجت الفكر الإسلامي، تعبيرا عن موضوعية الفكر، ومقدمة لحريته وخروجا به من دائرة التكفير المغلقة إلى سعة التفكير وحيويته.
الفكر الإسلامي ومثالية الدعوة لاسترجاع الخلافة
إن مفهوم «الحاكمية» الذي تبنته الحركات الإسلامية بوصفه «أبيستيما» مركزيا لطرح رؤيتها للحكم الإسلامي، ابتداء من كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، يشكل الحلقة الأخيرة من حلقات محاصرة العقل في الثقافة العربية الإسلامية، وإهدار الفاعلية الإنسانية لصالح سلطة النص، وإذا كان الخطاب الديني «يستهدف بمفهوم الحاكمية القضاء على تحكم البشر واستعبادهم لبعضهم بعضا، فإن هذا المفهوم ينتهي على المستوى التطبيقي إلى تحكيم بشر من نوع خاص يزعمون لأنفسهم احتكار حق الفهم والشرح والتفسير والتأويل، وأنهم هم وحدهم الناقلون عن الله، وإذا كانت حاكمية البشر يمكن مقاومتها والنضال ضدها وتغييرها بأساليب النضال الإنسانية المختلفة، واستبدال أنظمة أكثر عدالة بها، فإن النضال ضد حاكمية الفقهاء يوصم بالكفر والإلحاد والزندقة بوصفه تجديفا وهرطقة ضد حكم الله، ويصبح المفهوم سلاحا خطيرا يفقد البشر أي قدرة على تغيير واقعهم أو تعديله، لأنه ينقل الصراع من معركة بين البشر والبشر إلى معركة بين البشر والله». ( نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني).
وإلى جانب إهدار البعد العقلي الفاعل للإنسان، يقوم الخطاب الديني بإهدار البعد التاريخي حينما يلح على إقامة الدولة الدينية واستعادة الخلافة، انطلاقا من «نوستالجيا» مثالية تبريرية تجعل الماضي الإسلامي مجسدا قيم الصلاح والحكمة والسداد، وتتعامى عن تناقضاته وإشكالياته وصراعاته، التي لم تكن إلا جزءا من بنية الواقع الإنساني والسياسي السائد في تلك الحقبة من تاريخ العالم. فإذا فككنا النظام السياسي الذي استقرت عليه الدولة الإسلامية قرابة ألف عام ونيف، منذ نشأتها حتى نهايتها التي أعلنها مصطفى كمال أتاتورك بإنهاء الخلافة وإقامة الدولة الحديثة، فإننا لن نجد سوى نظام ملكي وراثي قائم على حكم الفرد، أخذه بقوة الشوكة والتحالفات والدسائس والمؤامرات، ثم وضع تحت ردائه نفرا من ممثلي السلطة الدينية والثقافية، يدورون في فلكه ويبررون أفعاله وتوجهاته، ويمنحون الشرعية الدينية والفكرية لحكمه. ولم يكن هذا النمط من الحكم حدثا فريدا واستثنائيا في التاريخ، بقدر ما كان النمط السائد الذي بُني عليه شكل الدولة عند جميع الأمم في العالم القديم، هذا النمط الذي كان يحلو للفقهاء تسميته بـ» المُلك العضوض» تمييزا له عن صفحة الخلافة الراشدة «الناصعة» التي اتسمت باعتماد نواة الشورى في إدارة الدولة، واختيار الخليفة بناء على مواصفاته لا على الوراثة العائلية، لكن هذه المحاولة في اجتراح نظام سياسي فريد في ذلك الوقت، لم تصمد أمام ضغوط الواقع وأفق العصر الثقافية والسياسية، ما يبرر الطريقة المأساوية التي انتهت بها حياة ثلاثة من الخلفاء الراشدين بالاغتيال السياسي.
وانطلاقا من مغالطة أَمْثَلَة الماضي ووضعه بعيدا عن القراءة داخل السياق التاريخي، فإن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، ما يلبث أن يوقعنا في مغالطة استعادة الخلافة وإقامة الحكم الإسلامي، متناسيا صيرورة الحياة الإنسانية وتغير الأفق المعرفي والسياسي الذي أنتج صيغا ومفاهيم جديدة ولَّدتها التجربة الإنسانية، كالديمقراطية والعلمانية وتداول السلطة وتعددية الأحزاب وفصل السلطات.
ومن هنا فإن إهدار دور التجربة الإنسانية، وفاعلية العقل في نقد الواقع وتصويبه، وضعنا اليوم أمام استبدادين لا مخرج لنا من اختيار أحدهما: الاستبداد العسكري، أو الاستبداد الديني، وهما في نهاية المطاف استبداد واحد، يتزيَّا أحدهما بشعارات القومية ومقاومة الاحتلال والإمبريالية، ويتزيَّا الآخر بشعارات إعلاء كلمة الدين واستعادة الأمجاد الغابرة للأمة.
ومن نافلة القول أخيرا، فإنه لا مخرج لهذه الأمة كي تجد نفسها في عداد الأمم الفاعلة على خريطة العالم اليوم، فتعود إلى التاريخ بعد أن غادرته من بابه الكبير، إلا باللجوء إلى رؤية معرفية تتفهم حقيقة التغير والتبدل في الواقع الإنساني والمعرفي، وتدرك أن الحركة والتغير سنة كونية لا مناص منها، ومن ثَمَّ فلا بد من ملاحظة هذه السنة الكونية في بناء أي نظام سياسي معاصر، وإن كان يستند إلى قيم روحية وثقافية إسلامية.
كاتب سوري