الدّهر في الأدب

حجم الخط
0

د. زياد محمود مقدادي تشكّل المادة اللّغويّة للعمل الأدبيّ البناءَ الحقيقيَّ لذلك العمل، ويحرص الأدباء على تشكيل نصوصهم الأدبيّة تشكيلاً فنّيًّا يسهم في نضوجها، وبطريقة عفويّة تتصدّر بعض الكلمات أدب المبدع، فتظهر كظاهرة في فنّه تستدعي الدّراسة من نواحٍ فنّيّة ونفسيّة… .ولفظة الدّهر من الألفاظ التي تستدعي الوقوف من المختصين؛ لما لها من دور في كشف مظانِ النّفوس في الأعمال الأدبيّة.ويدل الدّهر في اللّغة على الوقت، فقد قيل بأنّه الأمدُ الممدود، وقيل بأنّه ألفُ سنةٍ. وجمعه أدهُرٌ، ودُهورٌ. وذكر ابن منظور أنّ العربّ تذمُّ الدّهر، وتسبُّه؛ وذلك لِما يُنزِلُ بهم من موتٍ أو هرمٍ فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمّوه، وأشار ابن منظور إلى أنّ الأزهري ذكر أنّ الدّهر ذو حالين: بؤسٍ ونُعمٍووردت كلمة الدّهر في القرآن الكريم مرتين، قال تعالى: ‘ وَقَالُوا مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ‘. (الجاثية: 24)، وقال تعالى: ‘هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا’. (الإنسان: 1). لقد جاءت كلمة الدّهر في الآية الأولى بمعنًى مجازي يدل على القوة والغلبة، فهو معنًى سلبيٌّ. أما الآية الثانية فقد وردت الكلمة عينها بالمعنى الحقيقي أي مدّة من الزّمن.والنّاظر في تين الآيتين يلاحظ العلاقة الوثيقة بين الإنسان والدّهر، وهذه العلاقة علاقة قهر وقوةٍ وسلطةٍ بيد الدّهر الذي يؤثر سلبًا على الإنسان مع مرور الزّمن.وحمل مفهوم الدّهر عند الفلاسفة معنًى غير المعنى اللّغوي، فقد بيّن مايرهوف أنّ (كَانت) عرّفه بأنّه الصورة المميزة لخبرتنا. ويبدأ قلق الإنسان من الموت منذ وجوده ويسيطر عليه منذُ ولادته، يقول زكريا إبراهيم: ‘قلقًا لا سبب له سوى الوجود نفسه، وهو مرضٌ ميتافيزيقيّ لا علاج له، إنّه لعنة التّناهي التي تحلّ بالإنسان منذ ولادته وكأنما كُتب عليه أنْ يموت لمجرد أنّه وُلِد’. إنّ وجود الإنسان هو السبب الرئيسي له، فشبح الموت يطارد الإنسان منذ ولادته.وأكثر الشّعراء العربُ من استخدام الدّهر ومترادفاته في الشّعر بدءًا من الشّعر الجاهلي وصولاً إلى الشّعر المعاصر.ويتّصف وجود الإنسان بصفة الزّمانيّة، فقد أصبح المرء يحسب وجوده بوحدات الزّمان. وامتلاك الزّمان ـ أي البقاء ـ هو أمل الإنسان عبر التّاريخ، لكنّ هذا الأمل ظلّ ناقصًا؛ لأنّ كلَّ عامٍ يمضي يعني نقصًا من عمر الإنسان الذي يسير نحو نهايته، ومن هنا تبرز مشكلة الزّمن الذي يمثّل فقدًا، واستشهد حسني يوسف في كتابه (الإنسان والزّمان في الشّعر الجاهلي) بقول حاتم الطائي على دنو الأجل:يسعى الفتى وحمام الموت يدركه وكلّ يــومٍ يدني للفتى الأجلَويؤكد باديس فوغالي: ‘أنّ الزّمن عند العرب القدماء ارتبط بالحياة اليوميّة، ولم يقترن مفهومه بالغيبيّات التي كانت سائدةً عند اليونان في فكرهم القديم’. ولعلّ ذلك يعود إلى إدراك الجاهليّ لحياته ومعانيه العمليّة. والحال نفسها عند الشعراء إذ ارتبطوا بالزّمن ارتباطً وثيقًا، فكثيرًا ما يجد الدّارسُ أنّهم يفصحون عن مشاعرهم تجاه الزّمن، وأثر الزّمن عليهم، ومدى خوفهم منه. ويرى الدّكتور عبد العزيز شحادة: ‘أنّه لا يمكن للمرء الكشف عن موقف الشّاعر من الزّمن دون استقراء أشعاره’.وتبرزُ أهميّة الفنّ في تحرير الإنسان من الزّمن؛ لأنّه يجعل الواقعة صورةً لها طابع الشّمول، والخلود، فالإنسان يواجه الزّمان وقد يُغلب أمامه أمّا فنُّ الإنسان فيخلد.ولا يمكن للنّاظر إلى تاريخ الحضارات وفنونها إلا التّسليم بقدرة الفنّ على الخلود وعدم الاستسلام للزمن، فالحضارة الفرعونية بأهرامها، واليونانية بمعابدها دليل على الثّبات وعدم الاستسلام للزمن، والشّعر الجاهلي وبقاؤه دليل خلود واستمرار وثبات رغم فتك الزّمن.لقد بدأ شعورُ الإنسانِ الجاهليّ بالفناء والزّوال، فوقف على الأطلال، يبكيها ويحاكيها، يقول الدّكتور باديس فوغالي: ‘ولأنّ الإحساسَ بالفناء شعورٌ أزليّ خامرَ الإنسانَ منذُ القدم، لذلك نلفي الشّاعر الجاهليّ قد عمد إلى الوقوف على الأطلال، والبكاء بحرقةٍ وألمٍ على الماضي الجميل، والذّكريات الضاجّة بحلاوةّ الصّبا في مرابع الطّفولة، ووهج الشّباب، استجابة لهذا الشّعور’.واقترنت صورة الموت بالزّمان وأيام العرب. وكانت الحروب ميدانًا للموت، فأدرك الجاهليّ أنّ للإنسان يومين: يوم يدرك فيه الحياة، ويوم يدرك فيه الموت، وقد أكد عبد الإله الصّائغ تلك الفكرة. ولا يكاد يخلو تفكير الإنسان في الزّمان من تفكيره بالموت والفناء، فهما قلقٌ دائم وملازم للزَمن، يسلطهما على الإنسانِ فيعملا فيه حتى يهلكانه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية