الذاكرة‭ ‬ورمزية‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬

إبراهيم‭ ‬الكراوي
حجم الخط
0

■‭  ‬حاولت‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬تمثل‭ ‬ومقاربة‭ ‬معادلة‭ ‬الذاتي‭ ‬والفردي‭ ‬وعلائقهما‭ ‬بالماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استحضار‭ ‬الذاكرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مخزونا‭ ‬ذاتيا‭ ‬وجماعيا،‭ ‬وفضاء‭ ‬لتأمل‭ ‬ومساءلة‭ ‬الواقع‭. ‬إن‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬الروائي‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬تتنازعها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الثنائيات‭: ‬الذاتي‭ ‬والموضوعي،‭ ‬المكاني‭ ‬والزماني‭ ‬المقدس‭ ‬والمدنس،‭ ‬وأخيرا‭ ‬الفرد‭ ‬والسلطة‭. ‬ولعل‭ ‬المتون‭ ‬التي‭ ‬سنمثل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تعكس‭ ‬تمركزا‭ ‬سرديا‭ ‬للبطل‭ ‬باعتباره‭ ‬علامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬تمثيل‭ ‬الذاكرة‭ ‬بأبعادها‭ ‬التي‭ ‬ذكرنا‭ ‬سالفا‭.‬

وهكذا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬هنا‭ ‬الوردة‮»‬‭ ‬لأمجد‭ ‬ناصر‭ ‬البطل‭ ‬يونس‭ ‬الخطاط‭ ‬يعكس‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية،‭ ‬في‭ ‬جدلية‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علامات‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬ذاتها‭ ‬وتمثلاتها‭ ‬الرمزية‭. ‬فيونس‭ ‬الخطاط‭ ‬يعتبر‭ ‬بؤرة‭ ‬الخطاب‭ ‬السردي،‭ ‬وحافزا‭ ‬لنمو‭ ‬الحكي‭. ‬إن‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تدشين‭ ‬لفعل‭ ‬التواصل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تمثل‭ ‬جمالي‭ ‬لعملية‭ ‬التلقي‭ ‬ووعي‭ ‬يكشف‭ ‬لعبة‭ ‬السرد‭ ‬وخفاياها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التبئيير‭ ‬الداخلي‭ ‬على‭ ‬العلامة‭ ‬الشخصية‭ ‬البؤرية‭ ‬يونس‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬يونس‭ ‬الخطاط‭ ‬أنه‭ ‬سيموت‭ ‬بعد‭ ‬أيام،‭ ‬أو‭ ‬يتجمد‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬الآن‭… ‬يموت‭ ‬يتجمد،‭ ‬يتلاشى‭.. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬سنعرفه‭ ‬لاحقا،‭ ‬بعدما‭ ‬أفسدت‭ ‬أنا‭ ‬الراوي‭ /‬الروائي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ذرى‭ ‬حبكتي‭ ‬السردية‭ ‬وأسرارها‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬جيدا‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التشويق‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬الموت‭ ‬هنا‭ ‬سيتمثل‭ ‬باعتباره‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬محدد،‭ ‬على‭ ‬ذاكرة‭ ‬تستمر‭. ‬ففي‭ ‬رواية‭ ”‬المغاربة‭” ‬لعبد‭ ‬الكريم‭ ‬جويطي‭ ‬تنبعث‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬السارد‭ ‬‮«‬أرى‭ ‬بأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬تتلاعب‭ ‬بالماضي،‭ ‬وتصنع‭ ‬شيئا‭ ‬غريبا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حافز‭ ‬للوجود‭ ‬والاستمرار،‭ ‬فذاكرة‭ ‬الخطاط‭ ‬بطل‭ ”‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬باعتباره‭ ‬سليل‭ ‬أسرة‭ ‬مثقفة‭ ‬فعلاقة‭ ‬جده‭ ‬قوية‭ ‬بالسلطة‭ ‬وكان‭ ‬يمتهن‭ ‬فن‭ ‬الخط‭ ‬عكس‭ ‬حفيده‭ ‬الثوري‭ ‬المتمرد‭ ‬على‭ ‬السلطة‭. ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تتمركز‭ ‬سرديات‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ”‬المغاربة‭” ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة‭. ‬هكذا‭ ‬يؤكد‭ ‬المؤشر‭ ‬الخطابي‭ ”‬انتهى‭” ‬الذي‭ ‬يدشن‭ ‬بداية‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬لرمزية‭ ‬الموت،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمى‭ ‬البطل‭ ‬اللغافي‭. ‬فالموت‭ ‬هنا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسنوات‭ ‬الرصاص‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬السلطة‭ ‬محو‭ ‬آثارها،‭ ‬إن‭ ‬الذاكرة‭ ‬حسب‭ ‬العنوان‭ ‬نفسه‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ”‬لسرديات‭ ‬الأمة‭” ‬إذا‭ ‬استعرنا‭ ‬عنوان‭ ‬كتاب‭ ‬إدريس‭ ‬الخضراوي‭. ‬لكن‭ ‬ربط‭ ‬خطاب‭ ‬البداية‭ ‬بخطاب‭ ‬النهاية‭ ‬ونمو‭ ‬سيرورة‭ ‬السرد،‭ ‬سيكشف‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬التمثل‭ ‬الفرداني‭ ‬إلى‭ ‬التمثل‭ ‬الجمعي،‭ ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬رمزية‭ ‬الذاكرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نسقا‭ ‬متحولا‭. ‬فيونس‭ ‬الخطاط‭ ‬بالفعل‭ ‬علامة‭ ‬مشحونة‭ ‬برمزية‭ ‬الموت‭. ‬والموت‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬السارد‭ ‬موت‭ ‬مضاعف‭ ‬وليس‭ ‬نهاية‭ ‬لجسد‭ ‬يوقع‭ ‬توقف‭ ‬الزمن‭ ‬والمأساة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الفرد‭. ‬إنه‭ ‬موت‭ ‬رمزي‭ ‬أشد‭ ‬وقعا‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬لأنه‭ ‬يرتبط‭ ‬بالانفصال‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬ـ‭ ‬رمز‭ ‬الأمة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬اللفظ‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬ثقافية‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬البطل‭ ”‬محمد‭ ‬اللغافي‭” ‬في‭ ”‬المغاربة‭” ‬يواجه‭ ‬ذاكرة‭ ‬مثقلة‭ ‬برمزية‭ ‬الموت‭ ‬ومآسي‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬السلطة‭ ‬بمختلف‭ ‬تجلياتيها،‭ ‬فيونس‭ ‬الخطاط‭ ‬في‭ ”‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬اكتمال‭ ‬مهمة‭ ‬اغتيال‭ ‬الحفيد‭ ‬الذي‭ ‬كلفه‭ ‬بها‭ ‬التنظيم‭ ‬مضطرا‭ ‬للهروب‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬والانفصال‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬الثقافية‭ ‬وذاكرة‭ ‬العشق‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬رلى،‭ ‬وهو‭ ‬انفصال‭ ‬غير‭ ‬طبيعي،‭ ‬لنقل‭ ‬إنه‭ ‬بتر‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يوازي‭ ‬اختفاء‭ ‬مفاجئا‭ ‬ليونس‭ ‬وعدم‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬إيصال‭ ‬الرسالة‭. ‬

هناك‭ ‬سمة‭ ‬خاصة‭ ‬لحضور‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬‮«‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬ وهي‭ ‬أنها‭ ‬ذاكرة‭ ‬المثقف،‭ ‬الشاعر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بانخراطه‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الواقع‭ ‬وصياغة‭ ‬أسئلته

إن‭ ‬حضور‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬يرمز‭ ‬لها‭ ‬بيونس‭ ‬الخطاط‭ ‬يشتغل‭ ‬كتضعيف‭ ‬للمعنى‭ ‬بتعبير‭ ‬ريفاتير،‭ ‬فهي‭ ‬ذاكرة‭ ‬تنتج‭ ‬أنساقا‭ ‬تكرس‭ ‬بلاغة‭ ‬السرد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انحراف‭ ‬معنى‭ ‬الموت‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬مساره‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ليصبح‭ ‬موتا‭ ‬رمزيا‭ ‬مزدوجا‭ ‬مضاعفا،‭ ‬يكرس‭ ‬ألم‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬وفقدان‭ ‬الهوية،‭ ‬كما‭ ‬نلفي‭ ‬ذلك‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬البطلين‭ ‬اللغافي‭ ‬والخطاط‭:‬

‮«‬خرج‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬يونس‭ ‬له‭ ‬ملامحه‭ ‬وانفصل‭ ‬عنه،‭ ‬رغم‭ ‬العتمة،‭ ‬وهو‭ ‬يطلع‭ ‬منه،‭ ‬وينسلخ‭ ‬عنه،‭ ‬بلا‭ ‬صوت،‭ ‬بلا‭ ‬ألم‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬فالموت‭ ‬يبقى‭ ‬رمزيا‭ ‬يؤشر‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬خطابي‭ ‬البداية‭ ‬والنهاية‭: (‬العتمة،‭ ‬يتجمد‭ ‬في‭ ‬الهيئة‭… ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬موت‭ ‬قوية‭ ‬جدا،‭ ‬ولا‭ ‬تشبه‭ ‬التجمد‭).  ‬إن‭ ‬مصير‭ ‬يونس‭ ‬هو‭ ‬الهجرة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬الأم،‭ ‬عائلته،‭ ‬عشيقته‭ ‬رلى‭ ‬والانفصال‭ ‬التاريخي‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭. ‬إنه‭ ‬باختصار‭ ‬وبدلالة‭ ‬الرواية‭ ‬انفصال‭ ‬اضطراري‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬والثقافة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬وإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ينجح‭ ‬يونس‭ ‬في‭ ”‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تدشين‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬ومشروع‭ ‬جديد،‭ ‬عكس‭ ‬شخوص‭ ‬الخزان‭ ‬الثلاثة‭ (‬أبو‭ ‬قيس،‭ ‬أسعد‭ ‬ومروان‭) ‬في‭ ”‬رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‭” ‬لغسان‭ ‬كنفاني‭ ‬تتوقف‭ ‬الحياة‭ ‬عند‭ ‬الحدود‭ ‬ويتردد‭ ‬السؤال‭ ‬الوجودي‭ ‬كرجع‭ ‬الصدى‭ ”‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تدقوا‭ ‬جدران‭ ‬الخزان‭”‬،‭ ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬أبعاد‭ ‬وأهداف‭ ‬الشخوص‭ ‬فإنها‭ ‬كلها‭ ‬تعيش‭ ‬أزمة‭ ‬اضطهاد‭ ‬ومعاناة‭.‬

هناك‭ ‬سمة‭ ‬خاصة‭ ‬لحضور‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬‮«‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬وهي‭ ‬أنها‭ ‬ذاكرة‭ ‬المثقف،‭ ‬الشاعر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بانخراطه‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الواقع‭ ‬وصياغة‭ ‬أسئلته‭. ‬فيونس‭ ‬سليل‭ ‬أسرة‭ ‬مثقفة‭ ‬وهو‭ ‬شاعر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬اختياره‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬التنظيم‭ ‬للقيام‭ ‬بعملية‭ ‬اغتيال‭ ‬الحفيد،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مرونته‭ ‬وطبيعة‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيته،‭ ‬فذاكرته‭ ‬التي‭ ‬يتنازعها‭ ‬الذاتي‭ ‬والموضوعي‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬خولت‭ ‬له‭ ‬تمثيل‭ ‬دور‭ ‬البطولة‭ ‬وتنفيذ‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لرواية‭ ”‬المغاربة‭” ‬فالذاكرة‭ ‬التي‭ ‬يؤشر‭ ‬إليها‭ ‬العنوان‭ ‬ذاكرة‭ ‬البطل‭ ‬والأمة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التاريخ‭ ‬الدموي‭ ‬والسلطة‭ ‬وأنساق‭ ‬التفكير‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬التي‭ ‬تكرس‭ ‬التخلف‭ ‬والاستغلال،‭ ‬فمحمد‭ ‬اللغافي‭ ‬البطل‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬تستوعب‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭. ‬لكن‭ ‬سؤال‭ ‬الماضي‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مبرر‭ ‬لمقاربة‭ ‬الحاضر‭ ‬الهوية‭ ‬واستمرارية‭ ‬ممارسات‭ ‬السلطة،‭ ‬وانغماسها‭ ‬في‭ ‬الترف،‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬كل‭ ‬بطل‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬التصدي‭ ‬لها‭. ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬أن‭ ‬حضور‭ ‬يونس‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬يتجلى‭ ‬باعتباره‭ ‬ذاتا‭ ‬تمتلئ‭ ‬سيكولوجيا‭ ‬وصورة‭ ‬عن‭ ‬المثقف‭ ‬ودوره‭ ‬ومصيره‭ ‬بعد‭ ‬الرحيل‭ ‬وعلاقته‭ ‬المتوترة‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سنعاينه‭ ‬مع‭ ‬محمد‭ ‬اللغافي‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬المنظور‭ ‬والتمثل‭ ‬الخطابي‭ ‬الروائي‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬رواية‭ ”‬المغاربة‭” ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬إدانة‭ ‬الواقع‭ ‬والذاكرة‭ ‬وأنساقها‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتصوف،‭ ‬وثقافة‭ ‬الأولياء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قضاء‭ ‬المآرب‭ ‬الشخصية‭ ‬واستغلال‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهي‭ ‬تستحضر‭ ‬إطار‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمعتقدات‭ ‬وآثارها‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬الفرد‭ ”‬الأمة‭” ‬اليوم‭: ‬‮«‬وخصص‭ ‬يوم‭ ‬الأحد‭ ‬لشفاء‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عللهم‭ ‬البدنية‭ ‬والروحية‭… ‬سمى‭ ‬ما‭ ‬يهبه‭ ‬الزوار‭ ‬فتوحا‭. ‬يقبض‭ ‬باستحياء‭ ‬ويدس‭ ‬ما‭ ‬قبضه‭ ‬تحت‭ ‬الهيدورة‭ ‬التي‭ ‬يقتعدها،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬موت‭ ‬عديدين،‭ ‬لأنه‭ ‬أمرهم‭ ‬بالإقلاع‭ ‬عن‭ ‬الدواء،‭ ‬وبرر‭ ‬ذلك‭ ‬بأنه‭ ‬اختار‭ ‬لهم‭ ‬شفاء‭ ‬الآخرة،‭ ‬وفاقم‭ ‬أمراض‭ ‬آخرين‭ ‬واتهمهم‭ ‬بفساد‭ ‬الطوية‭ ‬ووهن‭ ‬التوكل‭ ‬وتسبب‭ ‬في‭ ‬بتر‭ ‬رجل‭ ‬أحد‭ ‬أتباعه،‭ ‬وقال‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬الله‭ ‬إذا‭ ‬أحب‭ ‬عبدا‭ ‬ابتلاه،‭ ‬فإن‭ ‬المتشوفين‭ ‬للشفاء‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬كانوا‭ ‬يتزايدون‮»‬‭. ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬السارد‭ ‬إذن‭ ‬بإدانة‭ ‬الذاكرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسلطة‭ ‬التي‭ ‬يعري‭ ‬اللغافي‭ ‬مختلف‭ ‬ممارستها،‭ ‬بل‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬تشريح‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬ببعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭. ‬

أما‭ ‬في‭ ”‬أولاد‭ ‬الغيتو‭” ‬لإلياس‭ ‬خوري‭ ‬فتتماهى‭ ‬الكتابة‭ ‬الروائية‭ ‬بالذاكرة‭ ‬وتتمثلها‭ ‬ذاكرة‭ ‬المؤلف‭ ‬الضمني‭ ‬وذاكرة‭ ‬سارد‭ ‬الدفاتر‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬الكاتب،‭ ‬والتي‭ ‬يتحول‭ ‬صاحبها‭ ‬إلى‭ ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬ذاتها،‭ ‬وهي‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬ذاكرة‭ ‬التراث‭ ‬السردي‭ – ‬وضاح‭ ‬اليمن،‭ ‬قصة‭ ‬باب‭ ‬الشمس‭ ‬للكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬ـ‭ ‬وذاكرة‭ ‬المكان‭ ‬اللد،‭ ‬الذي‭ ‬يستعيد‭ ‬مأساة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والحصار‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له،‭ ‬والذي‭ ‬يمثل‭ ‬ذاكرة‭ ‬المكان‭ ‬وترميزا‭ ‬لمعاناة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مع‭ ‬المكان‭ ‬والتاريخ،‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمثل‭ ‬النكبة‭ ‬ومجزرة‭ ‬صبرا‭ ‬وشاتيلا‭. ‬والملاحظ‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬بطلي‭ ‬الروايتين‭ ‬السابقتين‭ ‬يونس‭ ‬الخطاط‭ ‬واللغافي،‭ ‬أن‭ ‬آدم‭ ‬حنون‭ ‬بطل‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬الواقع‭ ‬تكشف‭ ‬ذاكرته‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬هوية‭ ‬يعيشها‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فلكي‭ ‬يقتحم‭ ‬عالم‭ ‬النساء‭ ‬يدعي‭ ‬أنه‭ ‬إسرائيلي‭ ‬ولكن‭ ‬ذاكرته‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬كيانه‭ ‬وتجعله‭ ‬يعيش‭ ‬موتا‭ ‬مضاعفا،‭ ‬كما‭ ‬شهدنا‭ ‬مع‭ ‬اللغافي‭ ‬بسبب‭ ‬عمى‭ ‬الواقع،‭ ‬ومع‭ ‬الخطاط‭ ‬بسبب‭ ‬ممارسات‭ ‬السلطة،‭ ‬ولذا‭ ‬فهو‭ ‬ينتحر‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الشاعر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬حسب‭ ‬سارد‭ ‬الغيتو،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬الموت‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬يهاجر‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬مشروع‭ ‬جديد‭ ‬ولكن‭ ‬يهرب‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭. ‬فذاكرته‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللد‭ ‬ومجازر‭ ‬صبرا‭ ‬وشاتيلا‭ ‬النكبة‭ ‬كلها‭ ‬تشكل‭ ‬ذاكرة‭ ‬مثقلة‭ ‬موتا‭ ‬مضاعفا‭ ‬يعيشه‭ ‬بفعل‭ ‬ازدواج‭ ‬الهوية‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭. ‬إنها‭ ‬ذاكرة‭ ‬موشومة‭ ‬بالموت‭ ‬الرمزي‭ ‬منذ‭ ‬الولادة‭ :‬‮»‬حين‭ ‬رويت‭ ‬لي‭ ‬حكاية‭ ‬التقاط‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬كنته‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون،‭ ‬فكيف‭ ‬تريدني‭ ‬أن‭ ‬أتذكر؟‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تتذكر‭ ‬ابن‭ ‬من‭ ‬تكون‭ ‬تصبح‭ ‬الذاكرة‭ ‬خدعة،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬اتركني‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬أعيش‭ ‬حياتي،‭ ‬لماذا‭ ‬لحقت‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬وماذا‭ ‬تريد‭ ‬مني؟‮»‬‭.‬

إن‭ ‬بطل‭ ‬الغيتو‭ ‬يمسي‭ ‬أسير‭ ‬صندوق‭ ‬قصة‭ ‬وضاح،‭ ‬الذي‭ ‬تستحضره‭ ‬الرواية،‭ ‬أي‭ ‬صندوق‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذاكرة‭ ‬الغيتو‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬مأساة‭ ‬الحصار‭ ‬في‭ ‬مستطيل،‭ ‬وهي‭ ‬مأساة‭ ‬العذاب‭ ‬والمجازر‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬أرضه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يتحول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬وضاح‭ ‬اليمن‭ ‬وصندوق‭ ‬جدران‭ ‬الخزان‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ”‬رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‭” ‬لغسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وصندوق‭ ‬المستطيل‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬أولاد‭ ‬الغيتو،‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لذاكرة‭ ‬الموت‭ ‬المضاعف‭ ‬الموشوم‭ ‬بالدم،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬لذاكرة‭ ‬الخطاط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمطاردة،‭ ‬والقمع‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللغافي،‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬معاناة‭ ‬سنوات‭ ‬الرصاص‭ ‬وتسلط‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬معاناة‭ ‬آدم‭ ‬حنون‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬خطط‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬آدم‭ ‬حنون‭ ‬نفسه،‭ ‬تأبى‭ ‬بأن‭ ‬تُمحى‭ ‬وتنجو‭ ‬دفاتره‭ ‬أي‭ ‬ذاكرته‭ ‬من‭ ‬الدمار،‭ ‬كما‭ ‬أوصى‭ ‬بذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬المؤلف‭. ‬إنها‭ ‬ذاكرة‭ ‬تحيا‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬والشيء‭ ‬نفسه‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسلطة‭ ‬التي‭ ‬أرادت‭ ‬دفن‭ ‬الجماجم‭ ‬في‭ ”‬المغاربة‭” ‬ومحو‭ ‬الذاكرة‭ ‬تأبى‭ ‬الذاكرة‭ ‬أن‭ ‬تمحي‭ ‬أما‭ ‬يونس‭ ‬الخطاط‭ ‬فينجو‭ ‬من‭ ‬الاغتيال،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬محو‭ ‬ذاكرة‭ ‬مشروع‭ ‬الحداثة‭. ‬والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬يتمثل‭ ‬الذاكرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬لعبة‭ ‬سردية‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭ ‬خطابات‭ ‬وأساليب‭ ‬سردية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬أسلوب‭ ‬الواقعية‭ ‬الحداثية،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يتأسس‭ ‬فيه‭ ‬التجديد‭ ‬في‭ ”‬هنا‭ ‬الوردة‭” ‬على‭ ‬التعدد‭ ‬الخطابي‭ ‬والحوارية‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬الفضاء‭ ‬الروائي‭ ‬إلى‭ ‬سرد‭ ‬يعتمد‭ ‬الحبكة‭ ‬ونمو‭ ‬السرد‭ ‬وفق‭ ‬مبدأ‭ ‬انفتاح‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية