الذاكرة الخصبة: أول فيلم لميشيل خليفي يذكر بأوضاع المرأة الفلسطينية التي لا تتقدم رغم انقضاء ثلاثين عاماً

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ من هيام حسان: في الوقت الذي يستعد السينمائي الفلسطيني ميشيل خليفي لعرض فيلمه الأخير ‘زنديق’ للمرة الأولى في بريطانيا، من خلال مهرجان الأفلام الفلسطينية المقرر أن يبدأ في غضون أسابيع قليلة، لم تجد جامعة الدراسات الشرقية والافريقية (سواس) مؤخراً ما يمنع من عرض فيلمه الأول الذي أخرجه في العام 1980، في أكبر قاعاتها حيث أتيحت الفرصة لجمهور عربي وغير عربي للتعرف على باكورة خليفي السينمائية من جديد.

وصادف عرض فيلم ‘الذاكرة الخصبة’ الذي يعرض لحياة امرأتين فلسطينيتين، احتفالات عامة بيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار/ مارس، وأسهم بذلك في تسليط الضوء على تجربة المرأة الفلسطينية وأوضاعها التي لم تتحسن، حسب شهادة المخرج نفسه، وذلك رغم انقضاء ثلاثة عقود على الفيلم الذي يرصده النقاد أيضاً كأول فيلم سينمائي فلسطيني يخرج للنور من أراضي الـ48. وشاهد الجمهور بل أعاد بعضهم مشاهدة وقائع الفيلم الذي لا يمكن وصفه بالوثائقي ولا بالروائي على مدار 99 دقيقة هي مدة الفيلم الذي عرض لحياة الأديبة الفلسطينية سحر خليفة (من نابلس) وسيدة فلسطينية أخرى من يافا اسمها رومية فرح، كشف خليفي خلال وقت المناقشة أنها خالته التي توفيت قبل سنوات وجسدت نموذجاً للمرأة الفلسطينية في كفاحها من أجل حياة كريمة في ظل الاحتلال الاسرائيلي الذي سلبها أرضها وسبل العيش الكريم. وفيما قدم المخرج المرحومة رومية كنموذج للمرأة الفلسطينية التي يمكن أن تتكرر معاناتها في صور وصيغ مشابهة لنساء أخريات من جيلها والأجيال الأخرى، جسدت شخصية الروائية سحر خليفة نموذجاً أكثر خصوصية، يسلط الضوء على الجانب الاجتماعي لمعاناة المرأة الفلسطينية لاسيما اذا كانت مثلها مطلقة ومتحررة واستقلالية. وبدت سحر خليفة في ظهورها السينمائي في غاية الكرم والانفتاح في حديثها عن معاناتها وخصوصية وضعها في المجتمع الفلسطيني المحافظ، الذي يتعامل مع ظروفها الاجتماعية كسيدة مطلقة وغير مقيمة مع أسرتها الممتدة. ومع ذلك، فقد لفت خليفي الى بعض الموضوعات التي لم تكن محل ترحيب من طرفها للحديث عنها في الفيلم، وعزا ذلك الى جانب تقليدي محافظ في المرأة الشرقية، لا يمكنها التخلص منه مهما بلغت درجة تمردها. أما رومية فرح فقد تم ترتيب مواقف وجلسات شبه ارتجالية لحثها على التحدث والكشف عن مواقفها وظروفها ومعاناتها، خاصةً في قضية مصيرية تتعلق بأرضها الموروثة عن عائلتها، التي كانت ترفض التفريط فيها بالبيع أو الاستبدال ضمن عروض الحكومة الاسرائيلية عليها وعلى الآخرين لتسوية النزاع على ما يسمى بأموال الغائبين زوراً وبهتاناً.

كما برزت من خلال الفيلم أيضاً شخصيات نسائية أخرى تعيش أوضاعها ومعاناتها الخاصة التي تظهر لماماً في الفيلم. ويمزج الفيلم بحق بين النهج التوثيقي متجلياً بشخوصه ووقائعه الحقيقية، والنهج الروائي متجسداً بتدبير المواقف واللقطات لتحقيق رسالة الفيلم واسباغ مسحة سينمائية عليه، ولكن من الصعب وصفه بأي من النهجين دون الآخر.

وفي نهاية العرض، أجاب خليفي على أسئلة الحضور وتعليقاتهم وكشف عن رغبته في العودة الى مواقع وشخوص الفيلم في وقتٍ قريب، من أجل رصد التغييرات التي طرأت على حياته، رغم أن بعضها معروف وبات واقعاً معاشاً ومكشوفاً بسبب التقدم في وسائل الاتصال والانفتاح على تفاصيل القضية الفلسطينية، مشيراً الى أن الواقع لم يكن هكذا في وقت صناعة الفيلم، حيث كان الاهتمام منصرفاً الى العديد من المسؤوليات والأهداف، ومنها مثلاً توثيق لقطات من التراث والفلكلور من خلال الأعمال الابداعية التي عرضتها سحر خليفة في الفيلم وأداء الفرقة الجامعية له. كما لفت خليفة الى صعوبات وتحديات فرضها اللون الخاص بالفيلم، الذي جمع بين ‘الوثائقي’ و’الروائي’، مع حرص على ألا يفسد أحدهما الآخر، وألا يقلل من أهميته. وأشار الى صراع أزلي تجلى في الفيلم بين السياسة والشعور بالمسؤولية عن رصد الرسالة السياسية من وجهة النظر الفلسطينية، وبين الفن والابداع، في الوقت نفسه الذي كان يسود انطباع قوي في العالم عن الفلسطيني الارهابي، مستذكراً محاولاته للتركيز على الجانب الانساني في حياة شخصيات الفيلم على حساب الخطاب السياسي، الأمر الذي أثار امتعاض الاسرائيليين وقتها لادراكهم أهمية مثل هذا الخط الابداعي في اعادة انتاج الصورة الفلسطينية. وفي تفاصيل اخراج الفيلم وصناعته في وقت لم يكن فيه أي نماذج سابقة من أراضي فلسطين الداخل، استذكر خليفي أن الفكرة استندت الى أربع شخصيات، ولكنها انتهت باثنتين فقط لأنه توافرت بهما ما يكفي من مقومات الزخم الفني والفرصة للايغال في أعماق النموذجين اللذين تقدمهما، وهو أمر أفضل من توزع وقت الفيلم على أربع شخصيات من دون التعمق فيهما الى حد كاف. كما ذكر بأن فكرة الفيلم المبدئية كانت محاولته العثور على اجابة حول ما اذا كان هناك بالفعل عنف شرعي؟ وما اذا كان بالامكان شرح أسباب العنف الصادر عن الجانب الفلسطيني، وهو ما يصفه خليفي بأنه عنف طارئ على كل حال وليس أصيلاً ومرصوداً بكثافة كما في السينما الأمريكية. ويشير خليفي الى أن العمل السينمائي على كل صعوباته وتحدياته في ثمانينيات القرن الماضي ما يزال أسهل من واقع ومتطلبات العمل في هذه الأيام. وقال انه شخصياً يواجه هذا التحدي كل يوم من خلال عمله أستاذا جامعيا في معهد السينما والمسرح. وقال: في ظل الانترنت والتقنيات الحديثة والكاميرات والأجهزة المتقدمة أجد أنه بات تحدياً كبيراً بالنسبة لي لأن أقدم شيئاً جديداً لتلاميذي في هذا المجال. وتابع: التحدي الأكبر أن الواقع بات يتفوق على السينما في طرح الأسئلة والبحث عن الحقيقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية