بعد سبع شداد تلقيت الطبعة الثانية من المجموعة «ساعة زوال» للقاص العماني محمود الرحبي، كانت المجموعة قد ضلت طريقها إليّ، حتى عثر عليها صديق رأى الإهداء فما كان منه إلا أن فاجأني بها ، فانكببت على قراءة القصص السبع عشرة، وفي نيتي التعرف على الكاتب الذي لم أقرأ له في السابق. مع إن عطاءه في القصة القصيرة غني وثري، وكان قد بدا مسيرته الأدبية بمجموعة أولى: «اللون البني» 1998 أتبعها بـ«بَرَكة النسيان» 2006 و«لا تمزح معي» 2008 و«أرجوحة فوق زمنين» 2011 و«مرعى النجوم» 2015 و«لم يكن ضاحكا» 2017 و«صرخة مونش» 2019 و«ثلاث قصص جبلية» 2020. أما «ساعة زوال» فكان صدورها عام 2012 (فضاءات ـ عمان).
ولا حرج في الاعتراف بما فوجئنا به؛ فهو كاتب يكتب القصة القصيرة منذ زمن، ولم نقرأ له، ولم نكتب عنه مقالة، ولا دراسة، ولا بحثا، مع متابعتنا القصة القصيرة، والرواية، متابعة لا تسمح بمثل هذا العزوف عن كاتب في منزلة محمود الرحبي، وبمكانته الفنية في الكتابة، فهو (يدلل) هذا الفن ويرعاه بأناة، وبصبر وجلد، لا ينفدان، فيحبك الحدث، ويصقل الشخصية، ويوظف الراوي، ويرسم الأجواء المحيطة بما ذكر، بأسلوب رشيق يذكرنا بالنابهين من كتاب القصة.
سيل الحكايات
ففي القصة الأولى «ساعة زوال» التي هي عنوان الكتاب أيضًا، يجد القارئ نفسه إزاء سيل من الحكايات القصيرة التي تتداخل في سلسلة تقود لكسر توقعاته. فالراوي وهو الشخصية الرئيسة في القصة، تتعطل به سيارته في آخرة الليل قريبا من طلوع الفجر، وقد يئس من استجابة مستعملي الطريق فقرر المبيت داخل السيارة، إلا أنه في ما يشبه الحلم سمع نقرا على زجاج السيارة ليقع بصره على رجل مسنٍ أشفق عليه وقد شاهده على تلك الحال، فسأله فورا: لماذا تنام في سيارتك وبيوتنا قريبة. وينتهي الحوار بقبول الراوي ضيافة الرجل وتناول الطعام والشاي معه، على الرغم مما يتصف به من غرابة الأطوار؛ فما أكثر ما يخاطبه بعبارة «إني أحتاجك في أمر».
يتأمل الراوي البيت الذي قدم صاحبه توا من البحرين، وقد تجاوز العمر اللائق بالزواج، ومع ذلك لم يتزوج لأنه لا يجد، وهو في هذا العمر، من تقبل به عريسا. ويفكر الراوي بالهرب، إذ ربما يتبادر لذهنه أن الرجل لوطي، فالعبارة الملبسة التي يرددها، بدون إيحاء بذلك الأمر جعلت الراوي يفكر: «هل يريدني فراشا تحت جسده، أم غطاءً فوق ظهره، وهو يعيش وحيدا». وسرعان ما عدل الراوي ومضيفه عن هذا، وهيمن على القصة نسق آخر خرجا فيه عن تسلسل الحكاية، والرجل المسن هذا يتحدث عن الأولاد، وأنهم شر لا بد منه. ولكي يثبت لضيفه صدق ذلك يروي له حكاية قد تبدو منفصلة، ولا علاقة لها بساعة زوال، وهي حكاية الصياد الذي فقد ابنه الوحيد، وجنّ حين خطفته منه ذئبة البحر. ويعلق السارد على الحكاية «قصة مؤلمة وعجيبة» ولا يقيم الرجل الشيخ وزنا لهذا التعقيب إذ قصارى ما يهدف إليه هو تأكيده على أننا نحب الأطفال، على الرغم مما يترتب على تربيتهم وفقدهم من متاعب.
وتبدو هذه الحكاية غير مقحمة على القصة الرئيسية في ساعة زوال، فالمؤلف محمود الرحبي يعزو هذا النسق من التداخل بين الإطار الخارجي وحكاية الصياد، لما فيه من شبه بالحكايات الشعبية، التي تمتلئ بها ذاكرة القارئ. وهذا الرجل الذي لا يستطيع الزواج بعد أن فاته قطار العمر، يريد من ضيفه أن يكون شاهدا على عقد زواجه، وهذا إيذان ببدء حكاية جديدة. فالراوي الذي فوجئ بطلب غريب منه يقول ردا على الطلب «منذ أن دخلت بيتك وأنت تفاجئني بأمور غريبة، والآن تريدني أن أرافقك للسجن؟».
يجد القارئ نفسه فجأة أمام حكاية جديدة وهي حكاية العروس، فقد تعرف على أحد الأشخاص بعد عودته من البحرين، وعندما تذاكرا بموضوع الزواج أشار عليه هذا ـ وكان مديرا للسجن في البلدة ـ بالزواج من إحدى النزيلات، كان قد غرر بها شاب فحملت منه، وتخلى عنها فسجنت لهذا السبب. وزاد على ذلك فقدم له عنوان أبيها الذي لم تطعه نفسه على غسل العار بدم ابنته. وسرعان ما أبدى موافقته لعله بزواجها يطوي صفحة الماضي . أما الراوي فإنه يزف العروسين بسيارته التي زينها بالزهور والأشرطة الملونة. وعند اقتراب السيارة من منزل العريس لاحظ أن الفتاة تلقي بشيء يلمع تحت أشعة الشمس. وعند عودته بعد إزالة الأشرطة والأزهار وجد مفتاحا علقت فيه ميدالية عليها رقم الهاتف المحمول لصاحب المفتاح. وهذه (اللقطة) كانت الحافز الذي ترتبت عليه التحولات في الحكاية، فقد كشف السارد عن حقيقة مدير السجن الذي كان قد غرر بالفتاة، وأنه أشار على الرجل المسن بالزواج منها مداراة لفعلته تلك، وربما اعتادها مع كثير من النزيلات.
يقدم الرحبي نموذجا لفن القصة الذي هو فن الكذب، فالراوي الذي برع في حكاية الأمير وقمر الكتاب، وفي حكاية الصياد، وحسناء القصر، وعروس السجن، بلا ريب برع في حكاية الوعل، والنخلة التي تنسج على منوال القصص الخرافية، مخاطبا الذاكرة الشعبية، واضعا القارئ في دائرة المتعة والدهشة وهذا حسبه.
الحسناء والقصر
بين هذه السلسلة من الوقائع ثمة حكاية أخرى يسردها الرجل للراوي، وهي حكاية الحسناء التي تعيش مع أمها في قصر تحيط به حراسة مشددة. فقد وقع أحد الشبان في غرام الفتاة وتحايل هو وصاحبه على الحراس، ليدخلا القصر، ويتقدما لخطبة الأم التي ترفض بالطبع، لكنها في النهاية تبارك زواج ابنتها، التي لم ير الناس فتاة في مثل جمالها الفاتن من الشاب. وهذا الضرب من السرد القصصي يضفي على ساعة زوال تشويقا، وتمددا في الزمن وتنوعا في الأحداث والشخصيات وشرائح الوصف للأمكنة، مما يضيق به فن القصة القصرة التي تقوم أساسا على مبدأ التكثيف، بيد أن الرحبي تحايل على هذا الاستطراد، إذ جعل الحكاية بما فيها من حكايات فرعية تذكرنا بسرديات «ألف ليلة وليلة»؛ رؤيا، أو كالرؤيا المنامية، يمتزج فيها الغريب بالعجيب. فعندما استيقظ في الصباح وجد ريقه جافا وحلقه يابسا من شدة الظمأ، فطرق أقرب الأبواب لتكون المفاجأة « ادخل يا بني ادخل، إني أحتاجك في أمر» فكأنه بهذا يقول: بعض ما نراه في المنام لا يختلف كثيرا ولا قليلا عن الواقع، وهذه الحكاية، وإن كانت من نسج الخيال، فإنها بما فيها من تفاصيل، وغرائب، قطعة من الواقع الذي نحياه. واقع يتداول الناس فيه حكايات كحكاية الصياد، وحسناء القصر، وعروس السجن. وهي مع واقعيتها تبدو لنا أشبه بالعجائب. وهذه العجائب تضيف للقصة ما يقربها من السردية العربية في «ألف ليلة وليلة» وما يشبهها في التراث السردي.
غريب وعجيب
وفي «حكاية الأمير وقمر الكتاب» يشدنا ما يرويه الراوي عن الأمير الذي يكاد يموت عشقا بفتاة يجدها بعد البحث، صورة في كتاب يعلوه الغبار، تم إخفاؤه في كهف أرشده إليه أرنب هارب. وعندما تتأكد صاحبة الصورة من أنه غير شرير تسمح له بتصفح الكتاب، بادئا بصورة الملك والملكة، ثم الأميرة، فالمربية، فزوجة الملك الشريرة، ثم الساحر، وفي الأثناء تخرج الأميرة التي يعشقها الأمير من الكتاب، ذلك لأنها تأكدت من معدنه الطيب، ومن أن شعبه يحبه ويؤيده. فالنهاية في القصة موعظة مباشرة، وهذه الطريقة سمة لافتة في المحكيات الشعبية التي تمتلئ بها ذاكرتنا. غير أن هذه الموعظة المتخيلة، تمتُّ لواقعنا بصلة قوية، وتحض الناس بوضوح على التوقف عن تمجيد الطغاة المستبدين، الذي لا تحبُّهم الشعوب. ومثل هذه القصة قصة ليلة في السجن، وقصة عسل، وهذا لقبٌ عرف به الشاب القروي، الذي جاء إلى مسقط ليعمل في مجمع لمواد البناء حارسا، ومعه ثلاث قوارير من العسل. وهذا الشاب ذو طبيعة قروية يتجلى أثرها في خشيته من المصاعد الكهربائية. فهو يفضل صعود الدرج إلى سطح المبنى على استخدام المصعد، الذي لا يرى فيه إلا حجرة قميئة ترتفع بمن فيها من الناس كالديدان.
وشعارُه أن من يريد الارتقاء إلى الأعالي عليه أن يتعب ويلهث. وقد كتب على نفسه صعود الدرج وهبوطه مرارا في اليوم. ومع ذلك لا يفتأ يتغني: «كل من حبيبو معو وانا حبيبي راح». وكغيره لا يفتأ يتسلى برواية الحكايات. كالحكاية التي وقعت له عندما كان في طريقه لجني العسل، وفي حوزته بندقية صيد، فبرز له فجأة وعل من بين الصخور، فصوب بندقيته نحوه، وتذكر في تلك اللحظة أن مخزن البندقية يخلو من الذخيرة، فما كان منه إلا أن ألقم البندقية نواة تمرة، وأطلقها على الوعل الذي ولى هاربا من أثر الإصابة، ويروي أنه في ما كان يتلمس طريقه لجني العسل، رأى نخلة تركض بين التلاع، وعندما حدَّق في الذي يراه تأكد من أن الوعل العجوز نبتت في بطنه النخلة من تلك النواة، وها هو يحملها على ظهره بعد أن ارتفعت في الفضاء.
في هذه القصة يقدم الرحبي نموذجا لفن القصة الذي هو فن الكذب، فالراوي الذي برع في حكاية الأمير وقمر الكتاب، وفي حكاية الصياد، وحسناء القصر، وعروس السجن، بلا ريب برع في حكاية الوعل، والنخلة التي تنسج على منوال القصص الخرافية، مخاطبا الذاكرة الشعبية، واضعا القارئ في دائرة المتعة والدهشة وهذا حسبه.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن