قراءة في نص ‘رائحة المكان’ لعبد الإله بلقزيز:
شرف الدين ماجدولينلعل من أكثر المآزق المعاصرة للنثر عدم قدرته على تخطي الهيمنة المتواترة للرواية على الأجناس التعبيرية، وما ولده هذا الحضور الطاغي من رسوخ لقيم باتت جزءا من إدراكنا لطبيعة الفن.
من حيث هو اختراق ألمعي لعوالم الأمكنة والهويات، وإحساس بتاريخية الذوات، وانتمائه إلى مجال متخم بتفاصيل الحس، وتعقيدات الرؤى، وتناقضات الوجود الإنساني، ضمن سيرورة من الوقائع والأفعال، المفعمة توترا ودرامية، وسخرية من المصائر الفردية والجماعية المبهمة. إنها القيم التي حولت الوقار النثري إلى مجرد سمة تصويرية في العوالم المتباينة للسرد، وجردته من هوية الشكل التعبيري الخالص. من هنا نستطيع أن ندرك كيف أن النثر يفقد هويته بمجرد ما يفارق المرجعيات المعاصرة للرواية، ويتحول – على الأقل في السياق العربي – إلى نص مفتوح، أو إلى شكل من الأشكال الهجينة المازجة بين الأنواع، أو إلى مجرد محاكاة لفنون تراثية من قبيل: ‘الرسائل’ و’ التراجم’ و’ السير الملحمية’ و’ المقامات’. لكن إذا حاولنا أن نخلص النثر من تاريخيته تلك، التي تقيس جماليته بوعي الاستمرارية، فإننا حينئذ يمكن أن نتمثله بوصفه تكثيفا للنهايات الروائية، وتجسيدا للحكمة الإنسانية المجردة عن مسارات الفعل الدرامي المتحول.
في هذا السياق تحديدا يتجلى كتاب ‘رائحة المكان’ للأديب والمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، من حيث هو صيغة مجازية من صيغ ‘الخلاصات’ التي تتشوف إلى استجلاء حكم وتأملات غير روائية، بالاستناد إلى مسار روائي، شيء شبيه بما يطالعنا في ‘أصداء السيرة الذاتية’ لنجيب محفوظ، و’ الستارة’ لميلان كونديرا، إذ تتحول الشذرات النصية إلى تركيب أفقي لملامح الوعي الفردي بالماضي وبالتجربة الذاتية وبمعابر الرؤية للعالم، على إيقاع الجدل مع الضمير الجمعي للكتابة، كما نجده في تخاييل تستعين على تطويق سراب الذاكرة بسبائك نثرية تلحم أصداء النسيان والتذكر، في الآن ذاته تعيد فيه النظر مجددا في أسئلة الحياة واليقين والحرية والفناء، من مثل ما تشف عنه نصوص ‘أوائل زيارات الدهشة’ لمحمد عفيفي مطر، و’ مذكرات مضادة’ لأندري مالرو، و’ في حضرة الغياب’ لمحمود درويش، حيث يغدو النثر استقطارا للنهايات الروائية، وإضمارا للوعات الحنين المتفاقم، وتعرية لمهاوي الروح المستوطنة للجذور، وكشفا لروائح الأمكنة المسربلة للأقدار، وإيقاظا لشهوة الحياة المؤبدة. والحق أنه بغير هذا التناول الذي يرى إلى نص ‘رائحة المكان’ من أفق الوعي بروائيته المضمرة، أو المحجوبة، فإن البناء الظاهر لا يمكن إلا أن يفضي إلى مقايسة زائفة مع نثر بائد، قد يتمثل في رسائل ابن زيدون وابن العميد والحريري والمعري، وخاصة في رسائل الجاحظ ذات النزعة الكلامية (رسالة التربيع والتدوير)، وابن حزم ذات النفحة الوجدانية (طوق الحمامة) حيث تنظر ‘رائحة المكان’ في صيغتها الخطابية الظاهرة إلى قواعد الترسل، في تقسيم القول إلى أبواب، وإيثار البديع، وتوقيع المعنى المجرد في لفظ مطرب، مع ما يرافق الفخافة النثرية من تنويع شعري، ومزاوجة بين النظر المجرد والتمثيل الخبري. لكنها مقايسة مع رجحانها الظاهر لا تفضي إلى تمثل مضمون القصد الجمالي والفكري من نثر يؤول في مخبره الخفي إلى مناظرة المحصلات الروائية، لنتذكر تلك الخاتمة المدوخة التي تنتهي بها فصول رواية ‘الحرب والسلام’ لتولستوي، أو’ الغريب’ لألبير كامي، ولنستحضر الاختراقات الفكرية المشبعة بفكر ‘هايدغر’ و’ فرويد’ و’ ماركس’ في الفصول الأخيرة من روايتي أراغون ‘فلاح في باريس’ و’ الشيوعيون’. لكن لنعد إلى الأصل: أليس النثر أجدى في ترميم ذاكرة تلوح كسراب خادع ومراوغ؟ فللرواية ذريعة التخييل، بينما للنثر الفراغ المبدد بتطريز الإشراقات. يحوي النص النثري لعبد الإله بلقزيز، ثلاثة عشر بابا، فضلا عن استهلال شعري موجه إلى محمود درويش، في مناجاة لصوته الخفي المحلق على أكوان النص. تسترسل الأبواب في انتظام يرصف الصور والمجازات، ويستنطق الحكم والأسئلة، عبر الدوائر النصية الناسجة لمسار الذات العميقة في ثنايا الأمكنة، وتدفقات الوقت، وتقلبات المصائر، من ‘باب البيان’ إلى ‘باب الغيوم’، يلاحق الكاتب أبواب ‘الكلام’، و’ الصدى’، و’ الشعر’، و’ القراءة’، و’ الكتابة’، و’ الشك’،… وغيرها، في بناء مقطعي يحكمه التجاور، والاستقلال الظاهر، ويتخلله جدل خفي بين مفاصل الصورة الكلية المشكلة لتقاسيم الذات بين مراتع النشأة والتكوين.
يحكي نص ‘رائحة المكان’، سيرة كاتب توزعه عشق مدينتين ‘مراكش’ و’ فاس’، وطوحت به مفارقات الغضاضة والنضج في زمنيهما. من ضريح ‘أبي العباس السبتي’ إلى ‘جامع الفنا’، تُرسم ملامح الطفل المولع بسيرة سيف بن ذي يزن والشعراء الجاهليين والعباسيين، المأخوذ بالعوالم المبهرة لضريح الولي الذي أضحى عنوانا للحي الملتفع بعتاقة الزاوية، وصخب السوق، ودعوات الفقراء والمريدين، وملكوت ‘الجدة’ التي تختصر كل الأحضان، في محيط الفتى المسحور بمرتعه الأثيل، قبل أن تنتشله ‘فاس’ و’ ظهر المهراز’ برحابتها النقيضة، ورموزها الحمراء، وحرقة أسئلتها، وصخب إضراباتها، والنهم المتفاقم لخطابات يسارها الهادر، لتتوحد بالتدريج، ظلال البيت والجامعة والمقاهي والساحات، بالأصداء المنغرسة في خلايا الذهن للرزء الحسي المعنوي، تجاه تلك العوالم المنتهية، وتتخايل عبر المقاطع النثرية المسترسلة أحاسيس الحنين والفقد لصوت شاعر منسي وأدته الخطابة والسياسة والاشتغال بالبرهان. هي في الأصل حكاية لا تختلف عن تلك التي تتضمنها السير والتخاييل الروائية المختلفة، لكنها لا تكاد تطفو على السطح، وإنما تبدو مجرد تعلة لكسر السيطرة الروائية، والإيغال في النثرية، ومن ثم تناط البطولة باللغة بدلا من الذات، ويصير المجاز هو الفاعل، والجناس والسجع هو الحدث المركزي، بينما تتوارى التفاصيل، وينعدم الحوار، ويتقلص السرد إلى حدوده الدنيا. بجمل قصيرة، وتعابير حادة، والتماعات تبرق كنيازك سحرية ما إن تدرك أوجها حتى تنطفئ، تتراسل الأحاسيس المتناقضة، والتفاصيل المترعة بيانا، لتعبر عن الحميمية، والوحدانية، والحنين، والحلم، والخيبة، وجحيم الكآبة والشك. وتتحول الوقفات التأملية، والوصف المجرد، وموازنات القول، إلى لحمة التخييل النثري، وتتخايل السيرة في المحصلة بوصفها سرابا مخادعا، ومجرَّدَ مثير ٍ لنوازع البرهنة والتبيين.
ولعل هذا الاختيار الخطابي هو ما جعل منطق النص ينحاز، على نحو ظاهر، إلى صيغ التمثيل التي تقرن المغزى المنغلق بالكنه الحسي المبهر، وحيث أن السيرة وزعت على أبواب مفهومية وغرضية وكيانية، فقد كان رصد التماثل بين أحوال الذات وصفات المفهوم المجرد، مقرونا باستحضار مثال منير، لن يكون عبر محطات المبنى البياني إلا مثال الأنثى المخترق لكل المجازات والصور، فالشعر أنثى والمدينة، واللغة، والفكرة، والقراءة، والكتابة، والليل، والنهار، والصداقة، والوفاء، والخيانة معان ٍ أنثوية.
يقول في مقطع دال من باب الشعر: ‘أول ما يشدك إلى المرأة ـ بعد العينين – شعرها، وأول ما ينبهك إلى ثقافة ـ بعد لسانها – شعرها. الأبيات كالخصلات تتدلى من جذع القصيدة وهي تتمايل في مشيتها. وفي كل قصيدة كعب عال يوقع صوت إيقاعه في النفس فتنتشي له طالعة. ولكل امرأة صدر وعجز وقافية، وعليك أن تزنها حتى تعرف على أي بحر من البحور هي. القصيدة امرأة ساحرة، والمرأة قصيدة نافرة، وأنت بين السيدتين فاغر فاك، تتلظى بشواظ مشيتين تتبادلان الدلال في ليلة مقمرة'(ص 56). لنترك الصور جانبا ونتأمل الموازنة في صلب الروائية المحجوبة، حيث ترد الصورة في جزء من السيرة يرسم جذور الذاكرة المنحوتة بالشعر والمنذورة له، الشيء الأكيد أن هذه الصورة تثبت ملمح الرزء المعنوي لشعرية مجهضة، والثابت كذلك أنها تتخايل في السياق السيري من حيث هي عنصر تكويني في وظيفة الاستهواء السردي، بحيث تمثل كمقطع في مشهد حواري غيب فيه المقابل الدرامي، وسرعان ما تتجلى السخرية المضمرة في أطواء المماهاة بين الصدور والأعجاز والكعاب العالية، بوصفها مكونا جوهريا لصورة الأنثى المهيمنة على النص، والموجهة لامتداده الاستعاري. ولن يمكن تمثل نموذج الصورة الحالية في لماحيتها وهزلها وعمقها التخييلي إلا عبر وضعها في سياق المشابهات المتواترة التي ترى إلى المجرد والمفهوم من حيث هو معلول لعلة أنثوية هي السبب أو الحافز، أو المضمون، أو النتاج، فالسيرة تحفل بنماذج النساء، بل إن البطلة المركزية بعد اللغة هي ‘الجدة’، هذا فضلا عن عشرات الأطياف المؤنثة الساكنة لذاكرة الطفل واليافع، في خطة لا تعدم القدرة على الارتداد في كل مرة إلى قاعدة سردية.
هكذا تتلاحق الصور: ‘للبرية يومها الطويل ولي الليل امرأة أرنو إليها’ (ص33)، بينما ‘النهار امرأة تضيق بك إن أطلت المكوث’ (ص35)، وما بين الليل والنهار ينبهق الزمن المحايد الذي ليس شيئا آخر إلا ما نشحنه من معان ٍ في الدقائق والساعات، هو القوة في مواجهة الإرادة التي يضحى معها ‘الزمن الجميل… امرأة لا تضيق بها الذكرى ولا يغشاها نسيان’ (ص 38)، وحيث إن النسيان ليس إلا انكسار الذاكرة أمام جبروت الوقت، فإن مجابهته تتجلى باعتبارها وفاء للسحر الخالد، وعليه فلن يكون للذاكرة الهادية للسرد غير صفات امرأة تسكن المدن المخلدة في تلافيف الروح، وتتغلغل إلى النسوغ، فتتحول ‘مراكش’ و’ فاس’، وساحتا ‘جامع الفنا’ و’ هوشي منه’، إلى طيفي امرأتين تتنازعان الفؤاد العليل: ‘ماذا لو أحب المدينتين معا؟ أمر له ما بعده: ما الفرق بين المرأة والمدينة؟ إن أحب الاثنتين، من يضمن أن لا يحب امرأتين؟'(ص 110)، ولا يخبو الالتباس ولا الحيرة فيما بين النقيضين إلا بوعي موقعيهما من التشبيه والاستعارة. وبعد المدينتين المتنابذتين والليل النهار، ثمة القراءة والكتابة، اللتان تكتسبان دلالتيهما من الأحوال والصفات النسائية أيضا، حيث: ‘في مرآة القراءة تتأمل الكتابة محاسنها، ترتب زينتها على مهل، تخفي التجاعيد عند الضرورة وتفرج عن مفاتنها إن وجدت أو بالأصباغ تصطنع الحياء. سيدتان فارعتان تتنافسان على لهف المعجبين وتتعايشان في القلب'(ص 132). وهو المعنى عينه الذي ينقل النقيضين الأخلاقيين ‘الوفاء’ و’ الخيانة’ من عتبة السلوك المحمول على فاعل، إلى المعنى الملتبس بمرجع ثابت، حيث تدرك القيمة عبر تشخصها الأنثوي: ‘الوفاء امرأة لا تنسى أول الغزل في عينيها، ومرآة لا تغير ملامح وجهك'(ص 176)، والخيانة ‘امرأة ترميك في منتصف الطريق كي تجدد شهوتها في الإغراء…'(178). ألم نقل إن النثر احتيال على سراب الذاكرة بتطريز الإشراقات؟
والظاهر أن سعي الكاتب إلى توليد الصور ووصل الأصول السردية الحية، ممثلة بالجدة والمدينة واللغة، بالفروع الممتدة في تفاصيل الأبواب المخصصة للمفاهيم والأغراض والكيانات، ثم ربطها داخليا عبر جدلية التصادي التخييلي، لم يكن ليصرف المبنى النثري عن مساجلة مرجعه الروائي، على نحو مستمر؛ هكذا تخصص المقاطع الأولى في الأبواب للتأمل وابتداع التعريفات المفضية إلى التقاط صور مضت وباتت تلح على مواجهتها واستبطان دلالاتها، بينما يبتدع السارد في كل مرة وجها جديدا وأقنعة مغايرة، وهي الوسيلة الجمالية التي مكنت الكاتب ليس فقط من سرد حكايته الشخصية، وتقليب صفحاتها الهاربة، ولكن أيضا من تحويلها إلى سند درامي مؤثر لبناء فكري، ومن ثم فلن يكون لتلاحق الأحداث والوقائع والمواقف منذ بدايات الشغب الطفولي في ‘العباسية’ مرورا بسنوات التكوين وإدمان الأدب والفكر، وانتهاء بتفاصيل المغامرة الجامعية، وما صاحبها من تحول في وعي المناضل المنحاز لأطروحات اليسار وأدبيات ماركس وماركوز وغرامشي وموسيقى فيروز ومارسيل والشيخ إمام، إلا صدى السؤال الدائم والاغتراب المسترسل الشاحذ لطاقة اللغة لاستعادة ذاكرتها المؤثلة، وانجاز أسطورتها الذاتية، وتطويق لوعات الفقد والحنين.***لقد كتب عبد الإله بلقزيز نصه النثري برغبة الإفضاء ومجابهة النسيان، وبهاجس التأريخ لأسئلة شخصية تفارق منطلقها الفردي لتعانق الأفق الإنساني، لكنه كتبها أيضا كمرثية لصوت الشاعر فيه، وليؤكد مرة أخرى أن اللغة هي الأم، وأن المكان هو ما يصون أحلام الذاكرة، وأن الحكمة هي ما تعلمنا إياه الجدات، وأن الفتنة هي هبة النساء للكون، وأن البيان هو كل ذلك حين تخلده كلمات ذات طعم ولون ورائحة.