أ. د. علي الهيل تراكمات الذرائع الأمريكية والحلفاء الأوروبيين التقليديين في حلف (الناتو) باستثناء تركيا / إردوغان – كتراكمات أزماتهم المالية – يبدو أنها قد بلغت أوجها لإدخال الخليج العربي في حرب ثالثة باستعمال حقيقة أو فبركة المحاولة الإيرانية الفاشلة لاغتيال (عادل الجبير) السفير السعودي علماني الإتجاه أمريكي الهوى وتفجير السفارة السعودية. وما الجديد؟ فما من حرب خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها إلا وطبخت لها أسبابا (وفقا لرِسِبي أو لوصفة معدة سلفا في الغالب) على الأرجح غير صحيحة، مدعومة بأيديولوجيا الإمبريالية والإحتكار والهيمنة وما أشبه الليلة بالبارحة. الحرب العالمية الأولى سببتها سلسلة من الأحداث بين النمسا ـ هنغاريا من جانب وصربيا من جانب آخر. أولاً؛ النمسا-هنغاريا ضمت جزءاً من الأراضي الصربية، ثم قام القائد الوطني الصربي باغتيال (أرْكْدْيوك فرانز فيرْدينانْدْ) باعتباره كان في نظره تهديدا لصربيا. وفي النهاية شكلت الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الأوروبية تحالفا فـــيما بينهم وبدأت الحرب وما تبعتها وترتبت عليها من ويلات ومصائب وكوارث وقضى ملايين من الأوروبيين (أكثر من ربع مليون في بريطانيا وحدها) والأمريكيين ومن جنسيات أخرى ومن ضمنها عرباً ومسلمين.
وأما الحرب العالمية الثانية سببها عدم رضى ألمانيا وإيطاليا واليابان عن حلفاء الحرب العالمية الأولى. فاتفاقيات الحرب العالمية الأولى مع الحلفاء عاملت الألمان بقسوة وخلقت رفضا لهم في داخل ألمانيا. كما أن إتفاقيات الحلفاء لم تنصفهم مما أعطى (هتلر) الضوء الأخضر للتمادي في غيه التوسعي وكان الحلفاء حريصين في البداية على إرضائه، قبل أن يقوموا بلجمه بعد أن تجاوز حدوده معهم. وأما دور إيطاليا ضد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية فكان صادرا عن فكرة مشابهة وهي إسيتاؤُها من أن الحلفاء لم يقوموا بمكافأتها بشكل كافٍ على جهودها خلال الحرب العالمية الأولى. وأما اليابانيون فقد كانت غايتهم بناء إمبراطورية والحصول على مصادر ثروات عظيمة وقد استنتجوا أن بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية قد فعلتا الكثير لصالحهما ولذلك قام اليابانيون بغزو (منشوريا والصين) وهو أمر آخر حصل وبقي لفترة طويلة من غير أن يُعملَ شيءٌ إزاءه، وخلفت هذه الحرب الكونية أكثر من ستين مليون قتيلا في أوروبا، وأعدادا أكبر من المصابين، خاصة من بين اليابانيين على إثر إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية ـ هاري تْرومان القنبلتين الذريتين على مدينتي (هيروشيما ونازاكي) عام 1945، إنتقاما من هجوم اليابان الجوي على البحارة الأمريكيين في خليج الخنازير Pearl Harbor أو ما أُطلق عليه بعملية هاواي.
و إذا ما أضفنا إلى ذلك الحرب على فيتنام ولاوُس والكوريتين (شبه الجزيرة الكورية) وغيرها مرورا بحرب (الفوكلاند) البريطانية على الأرجنتين بغــــطاء أمريكي والحرب السوفيتية على أفغانستان (والتي صبت كثير من مخرجاتها في المصلحة الأمريكية ودول الناتو) والحرب العراقية الإيرانية (و هذه أيضاً خدمت نتائجها إسرائيل والغرب) والحرب على أفغانستان والعراق (وعندما تدقق تلاحظ أن الحروب الشرق أوسطية الأخيرة دبرتها الإيباك لجهة متطلبات الأمن الإسرائيلي المزعومة) وانتهاءً بما يُدق الآن من طبول حرب محتملة ضد إيران كلها بالكاد تم إختلاق أسبابها بشكل أو بآخر، مع إقرارنا بوجود عوامل موضوعية محدودة وراء تلك الحروب. الذاكرة العربية – مع أن الصورة النمطية أو الذهنية عنها أنها كثيرة النسيان ـ لا أعتقد أنه غاب عنها أن سبب غزو العراق لم يكن بحجة إمتلاك العراق- صدام حسين السلاح النووي كما تكشَّف فيما بعد، وإنما لأن (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة – الإيباك) أملت على الجمهوري المسيحي الأصولي ( المسيحية الأصولية هي وجه من وجوه الصهيونية) جورج بوش ـ الإبن وألّبت الغرب كله وجندته للإطاحة بنظام (صدام حسين) لأنه لأسباب غير صحيحة قال ذات مرة في (زلة فرويْدية): ‘والله غِيرْ إنْخلِّي النار تاكل نِصْ إسرائيل’، ولأنه لأسباب غير صحيحة كذلك أطلق صواريخ على (تلْ ابيب) خلال حرب الخليج الأولى مما جعله أول زعيم عربي يجرؤُ على فعل ذلك.
لقد أخبرنا (جون ميرشيمار وسْتفن وُلتْ) في كتابهما ‘ اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية’ وخاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط وبالعالمين العربي والإسلامي، أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بطبيعة الحال حلفاؤها لا تجرؤ أن تُدخل خيطاً في إبرة من غير ضوءٍ أخضر من الإيباك بالتنسيق مع ردهاتها أو لوبياتها في أوروبا وإلى حد ما في العالم. وعليه؛ فإن الإيباك – مستعيرين نظرية ميرشيمار ووُلت ـ قد أصدر أوامره لشن حرب ثالثة في الخليج وهذه المرة ضد إيران. وسواء كانت إفتراضات الأمريكيين دقيقة حول الدور الإيراني في مؤامرة إغتيال السفير السعودي وتفجير السفارة في واشنطن- دي سي أو مجرد إختلاق ذريعة – كما يبدو – للخروج من أكبر أزمة مالية تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاؤها الأوروبيون منذ 1928 الإنهيار الإقتصادي والمالي الكبير، وللتغطية على هزيمتها العسكرية وحلفائها في العراق وأفغانستان، والتي يقول كثير من المحللين الماليين أمريكيين وأوروبيين أن هاتين الحربين وإطالة امدهما أفضتا بين عوامل أخرى إلى الأزمات الحالية. ويشكك كثيرون في التأييد السعودي الرسمي المعلن لادعاءات الأمريكيين، ويذهبون إلى أنها لا تعدو أن تكون مجرد مجاملة سياسية الهدف منها عدم إحراج حليفتهم الإستراتيجية. ونتذكر ونحن نشهد تفاقم وتيرة هذا الملف ما قاله مرة المفكر العربي الخليجي البحريني المعروف (الدكتور على محمد فخرو): ‘إن الولايات المتحدة الأمريكية تدفعنا في الخليج العربي دفعا في إتجاه الحرب مع إيران’. صحيح أن لإيران مطامع تاريخية في الخليج العربي، فهي ما تزال تحتل جزر (طنب الصغرى والكبرى وأبا موسى) بإمارتي (رأس الخيمة والشارقة) في دولة الإمارات العربية المتحدة، وصحيح أن ثمة جيوبا في إيران حكومة أو معارضة أو دوائر إسلامية / شيعية تحرض على الفتنة الطائفية في بعض دول الخليج، بَيْدَ أن إيران تبقى بحكم عوامل التاريخ والجغرافيا جارا لدول الخليج العربي. ولذلك، لا بد من العمل أحاديا كما تفعل دولة قطر مثلاً أو تكتليا من خلال (مجلس التعاون) على إيجاد نقاط إلتقاء مشتركة وهي موجودة والعقلاء والحكماء في إيران موجودون رغم الغثاء الطافي على السطح الإيراني غير أنها تُغيبُ أحيانا نتيجة لتقاطع المصالح مع دول الغرب. وذلك وحده كفيل بتخفيف الإحتقان وهو خير بديل بل البديل الوحيد لحرب غربية-إسرائيلية ضد إيران والتي ستكتوي بها حتما دول الخليج العربي التي شهدت في العقود الثلاثة الأخيرة نهضة شاملة غير مسبوقة حتى حسب المعايير العالمية.’ أكاديمي وكاتب قطري