في شهر أيار/مايو الماضي أصدرت دار نوفيلّيكس السويدية أربع روايات قصيرة (نوفيلا)، استندت مواضيعها إلى أربعة أعمال أدبية كلاسيكية شهيرة. لا جديد في هذا الخبر، حتى الآن، لكن الخبر يصبح جديداً ومثيراً حين نعلم أن مؤلف الروايات الأربع هو «شات جي بي تي»، وأن صورة الغلاف وإخراج متن الكتاب من تصميم برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي أيضاً. وبعد صدور النسخ الورقية من الروايات الأربع، طلبت نوفيلّيكس من شريكتها دار بوبليت، المتخصصة في إنتاج الكتب الإلكترونية ونشرها وتسويقها، إنتاج نسخ إلكترونية من الروايات الأربع، باستخدام برنامج الذكاء الاصطناعي كونفرتيو. وأخيراً، صدرت النسخ الصوتية باستخدام الذكاء الاصطناعي أيضاً.
قبل ذلك بشهرين تقريباً صدر عن دار نيكولاس فرينهولم كتاب الأطفال «تراكتور تريسّي» من تأليف الذكاء الاصطناعي بالكامل. صدور كتاب الأطفال هذا ألهم دار نوفيلّيكس وأثار فضولها، فطرحت على نفسها السؤال التالي: «ما الذي سيحدث إذا طلبنا، كدار نشر، من الذكاء الاصطناعي أن يكتب نصوصاً متقدمة أكثر من نصوص كتب الأطفال؟» بطلب من المديرة التنفيذية لدار نوفيلّيكس لينا هامّارغرين، تولّت المتدربة في الدار إيزابيل دراي قيادة مشروع إصدار الروايات الأربع. وبعد أسبوعين، استلمت الدار الروايات الأربع موضبة ضمن علبة احتوت على الكتب الأربعة، سمّاها «المؤلف» شات جي بي تي: «رباعية الذكاء الاصطناعي: الشجاعة والمقاومة في عالم متغيّر».
أثارت هذه التجربة ردود فعل متباينة لدى المعنيين، وألقت حجراً ثقيلاً في مياه صناعة التأليف والنشر التي ظلت مستقرّة وشبه راكدة لفترة طويلة ولم تشهد تحدياً جدياً كهذا التحدي الذي سيؤدي، كما يبدو، إلى تغييرات جذرية في تقاليد العمل وفي طبيعة المهن والمهارات المطلوبة في صناعة النشر، بالإضافة إلى خلخلة العلاقات القائمة بين الناشرين من جهة والمؤلفين والمترجمين والمدققين والمحررين من جهة أخرى. لم تتأخر دار النشر ليند آند كومباني عن خوض التجربة، لكنها فضلت استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي في الترجمة الأدبية على نطاق واسع فشرعت بالفعل في ترجمة 130 كتاباً دفعة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، حسبما صرح به الناشر كريستوفر ليند، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي في مرحلته الحالية ملائم لترجمة الروايات البوليسية، وليس الشعر والأعمال الأدبية. مشروع دار ليند آند كومباني هذا أثار حفيظة عدد من جمعيات المترجمين، الذين ناشدوا زملاءهم عدم الاستجابة لإعلان ليند آند كومباني عن حاجتها إلى مترجمين ومحررين ليعملوا مدققين ومراجعين للنصوص التي سيترجمها الذكاء الاصطناعي. أما المؤلف جاكوب سفيركر فقد أسّس دار نشر جديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي لاختيار النصوص المعروضة على الدار، ثم تحرير النصوص المنتقاة. وحسب سفيركر، مؤسّس دار أورمستونغا، سيعمل نموذج الذكاء الاصطناعي على تحليل النصوص بناء على عدد من المعايير، بما في ذلك الثراء اللغوي والتعقيد النحوي، ثمّ تصنيف النصّ ضمن فئة محدّدة. ويعتقد سفيركر أن الذكاء الاصطناعي سيمكّن الناشرين من تحديد المخطوطات عالية الجودة وتحريرها بسرعة وكفاءة.
وهو يعتقد أيضاً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الناشرين في الوصول إلى جمهور أوسع من خلال التوصية بالكتب ذات الصلة باهتمامات كل فرد. من جهتها، تستخدم دار ريدز بوكس تقنية الذكاء الاصطناعي لإنتاج كتب الأطفال والشباب. ويعتقد الناشر ومؤسس الدار جون ستراندبرغ أن لدى الذكاء الاصطناعي القدرة على إحداث ثورة في صناعة النشر. وقد شرعت ريدز بوكس باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترجمة كتب الأطفال والناشئة إلى لغات متعددة بسرعة وكفاءة، من دون تدخل بشري ثم تحويلها إلى كتب صوتية، بالإضافة إلى إنشاء الرسوم لتلك الكتب، ما يتيح للدار القدرة على إنتاج الكتب بشكل أسرع وأقلّ كلفة من أسلوب النشر التقليدي.
برزت قضية التعويضات المادية العادلة التي سيتقاضاها مدققو النصوص ومحرروها ونماذج العقود بينهم وبين دور النشر. وما يزال هذا النقاش جارياً، خاصة في قسم الترجمة في اتحاد الكتّاب السويديين، ومن المتوقع أن يترتب على نتائجه نمط جديد من العلاقات المهنية والمادية بين الأطراف المعنية.
أحد أكثر المواضيع التي نوقشت هذا العام في أوساط صناعة النشر هو الترجمة الآلية للنصوص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثير ذلك في الترجمة الأدبية. وقد ساهم في هذا النقاش المؤلفون والناشرون والمترجمون. وتمحور النقاش حول مسائل أساسية، أهمها وجوب وضع إشارة تحدّد ما إذا كان الكتاب قد تُرجم من قبل مترجم محترف، أم بواسطة الترجمة الآلية؟ ونوقشت أيضاً مسألة حقوق الملكية الفكرية التي تبين أنها مسألة شائكة وتحتاج إلى تشريعات قانونية جديدة تحدد المالك المستحق للنص الذي ترجمه الذكاء الاصطناعي، ودقّقه مراجع محترف وحرّره محرّر مختصّ، بناء على طلب ناشر محدّد.
إضافة إلى ما تقدم، برزت قضية التعويضات المادية العادلة التي سيتقاضاها مدققو النصوص ومحرروها ونماذج العقود بينهم وبين دور النشر. وما يزال هذا النقاش جارياً، خاصة في قسم الترجمة في اتحاد الكتّاب السويديين، ومن المتوقع أن يترتب على نتائجه نمط جديد من العلاقات المهنية والمادية بين الأطراف المعنية. في حديث للقناة الأولى في الإذاعة السويدية حول استخدام بعض دور النشر للذكاء الاصطناعي في ترجمة الأعمال الأدبية، اعتبرت غريت روتبول رئيسة اتحاد الكتّاب السويديين، هذا الأمر بمثابة تطور غريب، وقالت إن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يكون بديلاً عن الإحساس الإنساني باللغة. وأبدت روتبول قلقها حول الجودة والإبداع والإحساس اللغوي والقدرة على التعبير عن صوت المؤلف في النصوص التي ستقوم روبوتات الذكاء الاصطناعي بترجمتها. وتعبيراً عن الاهتمام المتزايد بمسألة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع التأليف والنشر، خُصّص موضوع الغلاف في العدد الثاني لعام 2023 من مجلة «المؤلف» التي يصدرها اتحاد الكتّاب السويديين، لمسألة الذكاء الاصطناعي، تحت عنوان «الآلة الكاتبة»، والمقصود هنا هو آلة الذكاء الاصطناعي التي تكتب النصوص بنفسها، وحسب الطلب. ذُكرت عبارة «الذكاء الاصطناعي» مراراً وتكراراً في هذا المقال، وفي ذلك إشارة مؤكدة إلى أنه الطرف الرئيس والأهم في هذا الموضوع. لكننا لم نسأله حتى الآن عن رأيه ووجهة نظره في المسألة، لذلك، طرحت السؤال التالي على كل من «شات جي بي تي» و»بارد» الذي أطلقته غوغل مؤخراً: «ما هي فوائد الذكاء الاصطناعي وعيوبه في صناعة النشر؟» أسهب «شات جي بي تي» قليلاً في الجواب، ولخّص الفوائد في سبع نقاط والعيوب في سبع نقاط. أما بارد فقد أوجز وركّز الفوائد في ثلاث نقاط والعيوب في مثلها، ثم ختم بخلاصة بدت لديّ منطقية، لذلك اخترت إجابة بارد التي أتت كما يلي:
«أحدث الذكاء الاصطناعي (AI) تحولاً سريعاً في صناعة النشر، متضمناً فوائد وعيوبا محتملة لكلٍّ من الناشرين والمؤلفين على حدّ سواء. مزايا استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر:
*أتمتة المهام: يستطيع الذكاء الاصطناعي أتمتة العديد من المهام المضنية التي تستهلك الوقت، والتي لا بدّ من إنجازها في عملية النشر، مثل التحرير والتدقيق اللغوي والتأكد من الوقائع. ويمكن لعملية الأتمتة أن تزيل عن كاهل المحرر والناشر تلك الأعباء، ليتفرغوا بدلاً من ذلك للتركيز على أعمال أخرى أكثر إبداعاً وأهمية من ناحية استراتيجية.
*تخصيص المحتوى: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتخصيص المحتوى بما يلائم قرّاءً محددين، بناءً على اهتماماتهم وعادات القراءة لديهم، وعوامل أخرى. وهذا قد يساعد الناشرين على تقديم محتوى أشدّ صلة وجاذبية لجمهورهم.
*تحديد الاتجاهات السائدة: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الاتجاهات السائدة (الترند) في قطاع النشر، مثل فئات الكتب الأكثر مبيعاً، والموضوعات الشائعة، والمؤلفين الذين يلقون رواجاً. وربما استطاع الناشرون اتخاذ قرارات مدروسة بشأن استراتيجيات النشر الخاصة بكل منهم.
عيوب استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر:
* الافتقار إلى الإبداع: لا يستطيع الذكاء الاصطناعي مضاهاة إبداع المحررين والناشرين ولمساتهم الإنسانية. وربما أدى ذلك إلى إنتاج محتوى غير ذي صلة ويفتقر إلى الشخصية.
* التحيّز: يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تكون متحيزة بناءً على تحيّز البيانات التي دُرّب عليها. وقد يؤدي ذلك إلى التمييز ضد مجموعات معينة من الناس أو ضدّ وجهات نظر محددة.
*فقدان الوظائف: ربما أدى الذكاء الاصطناعي إلى فقدان الوظائف في صناعة النشر، حيث تتولى الآلات إنجاز المهام المؤتمتة. وقد يكون لذلك تأثير غير عادل على العاملين ذوي الأجور المنخفضة، مثل المحررين والمدققين.
بشكل عام، ما يزال تأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة النشر قيد المناقشة. ومع ذلك، لا شك في أن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على إحداث ثورة في صناعة النشر، كما يمكنه تخريبها. ومن المهم للناشرين والمؤلفين أن يكونوا على دراية بالمزايا والعيوب المحتملة للذكاء الاصطناعي، حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات مستنيرة حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا».
ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أن ما يجري من حراك في أوساط صناعة النشر في السويد، ما هو إلا مؤشر بسيط إلى ما يحدث من تطورات سريعة ومتلاحقة في عالم النشر الواسع في أرجاء العالم كافة. ولا شكّ في أن الناشرين العرب قد بدؤوا بالفعل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو أنهم في مرحلة الاستعداد لذلك، على الأقل.
– الصورة المرفقة بهذا المقال أنجزها برنامج توليد صور الذكاء الاصطناعي Fotor
ناشر ومترجم سوري