الذكرى الاربعون لحرب رمضان

حجم الخط
2

هذه المادة تنشر قبل اسبوع تقريبا من ذكرى مرور أربعين عاما على حرب العاشر من رمضان/ اكتوبر 1973، وبين مشهد الأمس بانتصاره على النفس وتجاوز مرارة الهزيمة، ومشهد اليوم بما فيه من حراك وارتباك، يحتاج التوقف عنده، لذا آثرت هذه المرة أن أمر على محطات أتوقف عندها لأرى ما فيها من أمل وألم، ومن خلط الأكاذيب بالحقائق، وحجب الحق بأحلام اليقظة.
أولا: محطتنا الأولى وهي محطة قطار انعزالي مندفع بسرعته القصوى بعد 30 يونيو ضد العرب والعروبة عموما، وضد الفلسطينيين والسوريين خصوصا، وحسبنا أنه غادرنا بلا عودة بتأثير الحراك الثوري الطارد، واستفزني ‘فيديو’ أرسله صديق يصرخ فيه أحد مؤسسي حزب الدستور مطالبا بإعدام السوريين والفلسطينيين، وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه ضرب من الجنون، والغريب أنه يصدر عن ‘ثورجي’ ولا أقول ثوريا، ومن المعلوم أن بث الكراهية بين المصريين وأشقائهم العرب، لا يستفيد منه إلا عدوهم التاريخي، وتمثله الدولة الصهيونية وقوى الغزو وهي تعود تباعا لاحتلال المنطقة.
أذكر أنني كتبت في هذه الصحيفة أكثر من مرة ضد الحملات الموسمية التي كانت تُشن على العرب. وقلت في إحداها من يرد أن يكون عربيا فليكن فلسطينيا أولا، فالجرح النازف ليس فلسطينيا فقط؛ إنه جرح نازف في أجساد كل عربي؛ أيا كانت جنسيته وشخصيته؛ مصرية.. سورية.. تونسية.. عراقية؛ إلى آخر قائمة دول العرب الطويلة، والفلسطينيون لا تنقصهم الهموم والمكائد، ولا ما هم فيه؛ من تضييق وحصار وتجويع وإغلاق معابر، وما كان ليدوم لولا عودة الروح الانعزالية بتأثيرها المدمر.
ذلك ‘الثورجي’ الانعزالي اقترح لجانا شعبية للأمن تجوب الشوارع والحواري، ولا تسمح بوجود غريب. فابن الشرقية يعيدونه إلى محافظته، وهكذا مع باقي أبناء المحافظات الأخرى. وإذا ما وجدوا سوريا أو فلسطينيا فليعدموه، وكرر كلمة ‘إعدام’ أكثر من مرة راسما بيديه طريقة الذبح، هل هذا يحسب على الثوار؛ الداعين لنبذ العنف، والمتمسكين بالسلمية. والملفت للنظر أنه من أبناء محافظة الدقهلية؛ المعروفة بوعيها وبنسب التعليم العالية فيها، وكان عضوا بمجلس الشعب المنحل، وعضوا بلجنة علاقاته الداخلية، ويمتهن التجارة، ويبدو أنه وجد في تجارة الدم وبث الكراهية والقتل رواجا ومكسبا يفوق أي تجار أخرى!!
ثانيا: المحطة الثانية هي محطة الاعتماد على القوى الخارجية، وهذا أضحى وباء حير العقل السياسي العربي، وترك أثره على قوى مدنية من اليمين والوسط، واليسار، وعلى قوى طائفية ومذهبية وعشائرية. ولذلك تحول سفراء لدول غربية إلى مندوبين ساميين على غرار ما كان قائما أيام الاحتلال من بدايات القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. وتتقمص السفيرة آن روبنسون هذا الدور. فالآراء والمشروعات والتعليمات والحلول يجب أن تكون أمريكية، والمصالح الصهيونية هي الأولى بالرعاية، وهذا أدى إلى صدام القوى الوطنية والثورية معها، وتطيعها أحزاب مدنية صغيرة وأغلب أحزاب الإسلام السياسي.
ويبدو أن الإسلام السياسي ما زال قابلا بـ’نصيحة’ التنظيم الدولي للإخوان، وهي تعطي قيمة مبالغ فيها للتأييد الغربي والدعم الأمريكي، تحت زعم أن ذلك يضمن له الاستقرار لسنوات طويلة قادمة، وهذه النصيحة كانت أساس اتفاق المحافظة على المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة، وعليه استقرت القناعة الأمريكية بأن ذلك التأييد والدعم ساعد على احتواء الشارع، وتمكين الإخوان من الوصول إلى الحكم، واستجابت جماعة الإخوان بدورها فقدمت أوراق الاعتماد المطلوبة؛ منها الالتزام باتفاقية السلام مع تل أبيب، وضمان أمن الدولة الصهيونية واستقرارها، والضغط على حماس كي لا تطلق صاروخا في اتجاه فلسطين المحتلة.
ومارست جماعات الضغط الإخوانية في الولايات المتحدة ضغطا مؤثرا على البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، وروجت لدور العلاقات مع واشنطن في تأهيل الحكم الإخواني كي يعمر طويلا، لمدة عشر سنوات على الأقل ، وهذا جعل السقوط السريع حدثا مدويا بين الأطراف ‘الناصحة’ والقوى المترقبة وأصابتها بصدمة من الصعب تجاوزها بسهولة.
ثالثا: المحطة الثالثة هي محطة ‘ثورة الفوتو شوب’، وقد تدخل الأدب السياسي المعاصر باعتبارها نوعا من فانتازيا ‘ما بعد الثورات الملونة’، وقد كانت ضرورية للقوة الأمريكية المنتصرة لرسم خرائط هيمنتها ونفوذها الجديد في وسط أوربا وشرقها، وألقت بكل ثقلها لتثبيته، وأزيلت دول كانت قائمة، وقُسمت كيانات متطورة مثل الاتحاد اليوغوسلافي. وكلنا يتذكر ما جرى للصرب وكرواتيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود.
‘الثورات الملونة’ أعادت هيكلة الدول المستهدفة إجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأيديولوجيا، ووضعت حدا فاصلا وقطيعة بين ما كان في دول ونظم قامت بعد الحرب العالمية الثانية، وإرهاصات الثورات الملونة بدأت على أرض بولندا؛ بتأثير ابنها بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني، وزعيم ‘حركة تضامن’ في ميناء جدانسك ليخ فاونسا، الذي أضحى رئيسا لبولندا فيما بعد، ثم اندلعت في أوكرانيا وشطرت تشيكوسلوفاكيا إلى دولة للتشيك وأخرى للسلوفاك، وصولا إلى جورجيا الجمهورية السوفييتية السابقة.
والثورات الملونة حركها المهاجرون في أمريكا ودول الغرب، أما ‘ثورة الفوتو شوب’ المزعومة اختص بها مخرجون ومصورون سينمائيون وإعلاميون وصحافيون، وهي من فكاهات هذا الزمن؛ فما أسهلها ثورة تفجرها جحافل وهمية، وصور متحركة؛ ليس فيها حياة أو نبض. وبدت معالجة فكاهية؛ استهدفت إبعاد الأنظار عن فهم الظواهر الجديدة غير المألوفة، مع أن العرب أصحابها وروادها ولحمتها، وما زال العالم منبهرا بها؛ من بدايتها في تونس حتى تألقها في مصر.
رابعا: المحطة الرابعة محطة ‘القدس العربي’ وعبد الباري عطوان وكتيبة الفدائيين التي عملت معه، وهي محطة اختلط فيها العام بالخاص، وتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي؛ وكنت قد فوجئت مثل غيري بمقال الأخ والصديق ‘أبو خالد’ كما يناديه الصحافي الكبير بكر عويضة (أبو أنس). قرأت مقالته أو بمعنى أصح رسالته أكثر من مرة، وفيها ما كان يحتاج لتفسير، ولولا ظروفي الصحية لذهبت إليه أو اتجهت نحو الصحيفة للتعرف على الأمر، واتضح أن القرار كان مفاجئا له أيضا تماما، وهذا ما أوضحه الشاعر الصديق أمجد ناصر رفيقه في رحلة ‘القدس العربي’، الطويلة، واعتقد أنني أول من وصف فريقها بالفدائيين، وكنت أحرص حتى سنوات قليلة عن الكتابة عنها في ذكرى تأسيسها السنوية، كأقل تقدير معنوي يشد من أزر هذا الفريق النبيل.
وأنا أسمح لنفسي اليوم أن أقول عبد الباري بلا ألقاب أو صفات، فهو بالنسبة لي الأخ والصديق والزميل والإنسان؛ أعرفه منذ 1977، ولا يتسع الحيز ولا تسمح الظروف بالحديث عن هذه السنوات، مع بداية وصوله إلى لندن مراسلا لصحيفة ‘المدينة’ السعودية، حتى انتقل للعمل في مطبوعات وصحف ‘الشركة السعودية للأبحاث والتسويق’، وطوال هذه السنوات الطويلة اتفقنا كثيرا واختلفنا قليلا، وأذكر هنا صوته، الذي ما زال يرن في أذني، وكان ذلك في النصف الثاني من عام 1988 بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعام.
تحدث إلى من تونس وكان خارجا لتوه من مكتب الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) وأخبرني بمشروع الصحيفة، مستطردا أريدك كاتبا فيها، وقال إن ذلك كان عهدا بينه وبين نفسه، وذكر السبب فشكرته، وتواعدنا على استكمال الحديث بعد عودته إلى لندن، وبدأت ‘القدس العربي’ كطبعة خارجية لصحيفة ‘القدس’ المقدسية، المملوكة لأسرة أبو الزلف، والهدف كان إصدار صحيفة فلسطينية متحررة من ضغوط السياسة وتقلباتها في المنطقة، ووقع الاختيار على عبد الباري رئيسا للتحرير وأولاد أبو الزلف للإدارة وشؤون المآل وسرعان ما واجهت أول أزماتها الإدارية، وتغلبت عليها، وانتقلت ملكيتها له وبعض زملائه. واستمرت متوافقة مع الخط الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى 1993، وهو عام توقيع اتفاق أوسلو، واختلفت مع نهج أوسلو، ونحت منحى أكثر راديكالية.
وهناك سبب لم يتطرق إليه كثيرون هو أن نجاح ‘القدس العربي’ وهو تخطيها حدود الشأن الفلسطيني المحلي، وتحولها لمنبر عربي جامع، وتجاوزها للصحف الفلسطينية التقليدية، وكانت أقرب إلى النشرات الحزبية، إلا أن ‘القدس العربي’ بانفتاحها هذا وسعت من دوائر تأثيرها وحجم جمهورها وزيادة قرائها، وأصبحت صحيفة مفضلة لدى كثير من القراء العرب على اتساع العالم، وكان تأثيرها بالغا على المصريين، وكسرت ‘القدس العربي’ حاجزا قام بين كثير منهم وبين صحف عربية عديدة، وكما كانت ‘القدس العربي’ تواجه المتاعب والمشاكل كان لي نصيب متواضع منها، لكنها من نوع آخر، فكان هناك من يتجنب الحديث معي أو إلقاء التحية، والبعض يتعمد استفزازي على الملأ ويقول بصوت عال إنه يعمل عند عبد الباري عطوان، فكنت أرد فورا بالإيجاب، فما المانع من العمل مع أو عند عبد الباري عطوان، كله عندي سيان وهذا أشرف من العمل مع المطبعين والانعزاليين ومداحي الملوك وعبيد السلاطين.
وأخيرا ترجل الفارس من على جواده، بعد أن جعل من ‘القدس العربي’ حالة، ومعنى ‘الحالة’ كما شرحها لي الأستاذ الجامعي والثائر الصديق يحيى القزاز، فهو أول من اشترى خيمة ونصبها أمام دار القضاء العالي في وسط القاهرة احتجاجا على حكم مبارك، وكان وحده ومنظره مستغربا إن لم يكن مستهجنا، وما هي إلا سنوات معدودة حتى امتلأت ساحات مصر وميادينها بخيام الاعتصامات والتظاهر، و’القدس العربي’ تشبه ‘خيمة القزاز’.. كحالة بدت بسيطة وعابرة وسرعان ما تجزرت وتعمقت، وصارت أيقونة ميادين الثورة.
تحملتني ‘القدس العربي’ بما تسببت لها من متاعب مع حكم حسني مبارك، ولم يضق صدرها، في وقت ضاق بي آخرون، ورئيس تحريرها استمر وفيا للعشرة وبقي كريما في المعشر، ربما أكون قد أثقلت عليه وعلى فدائي ‘القدس العربي’، لكنهم سيبقون في شموخ الأشجار، التي لا تموت إلا واقفة، فليعذرني عبد الباري، وكان واجبا علي أن أذهب إليه للاطمئنان عليه لكن ظرفي الصحي لم يسمح، ونفس الواجب تجاه رئيسة التحرير العزيزة سناء العالول، التي أتمنى لها التوفيق في مهمتها الصعبة، ولولا ضيق المساحة لأرسلت لكل فرد من أسرة التحرير والإدارة رسالة خاصة باسمه تشد الأزر وتقوي العزيمة، وتجدد العهد.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية