الذكرى الرابعة للناقد التشكيلي مختار العطار

حجم الخط
0

نبش جذور الحداثة الغربية وأسس لتربتها في التشكيل المصري القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: قبل أربعة أعوام رحل عن عالمنا الناقد ‘مختار العطار’ عن عمر يناهز الخامسة والسبعين بعد رحلة طويلة من المتابعة الدؤوبة للفن التشكيلي في مدارسه الغربية والعربية وعدد ضخم من الكتب النقدية والافلام التسجيلية عن حياة وأعمال كبار الفنانين التشكيليين.

اهتم العطار بالروافد التحديثية التي أثرت الفن المصري الحديث وكان يعتبر قضية التحديث قديمة قدم الزمان، ويرى الحضارة كوجه من وجوه مقوماتها المادية والمعنوية لذلك كان داعية للتكيف مع أساليب تحديث الحياة والوعي بضرورة مواجهة المتطلبات الجديدة ويقول إن العصر هو جماع الأفكار والمبادىء السائدة وليس مجرد وجود زمن يقاس بأعوامه وشهوره ودقائقه وثوانيه وعلى الخلفية الفكرية التي هي العصر تجيء مطالبة الناس بأن يكونوا مبدعين أي معاصرين، والحداثة ترتبط بالإبداع أي ابتكار سلوك يتكيف مع البيئة الجديدة، والفن جزء من أنماط السلوك الإنساني الذي تتغير أشكاله بتغير العصور.

ويرى العطار أن تطور الأسلوب كأساس ومقياس للحداثة يناهض فكرة الالتزام بالواقع وما يجري فيه من أحداث خشية أن يسقط الفن في مصيدة الدعاية. ويؤكد العطار في مقال بعنوان الالتزام والحداثة أن الرؤية الحضارية تشمل الشكل والمضمون معا من حيث إنهما وجهان لعملة واحدة ويرى أن قصر الحداثة على ‘تطور الأسلوب ينشط المناقشة حول قضية ‘الفن للفن’ التي بدأت في القرن التاسع عشر ولم تنته حتى الآن. وينقل العطار عن جان برتيلمي مقولة أعاد انتاجها عن غوستاف فلوبير يصف فيها رواية البؤساء لهوغو بانحطاط متعمد في الأسلوب وذلك بسبب توجهها الى من سماهم ‘حشرات الكاثوليكية الاشتراكية’. ويقول فلوبير حول ذلك: إن اخلاقية الفن تنحصر في الجمال ذاته فهو ليست له موضوعات جميلة وأخرى قبيحة ما دام الاسلوب وحده طريقة مطلقة لرؤية الأشياء. ويرى العطار أن إغفال الموضوع وعدم الالتزام بقضايا الحياة والاقتصار على الابتكارات الشكلية والاسلوبية ومهارة الصنعة بلا هدف هذا الإغفال فتح الباب لغير الفنانين وتعذر التفريق بين الصادق والمدعي وينقل في المقال ذاته عن الناقد ‘فرانسوا مولينار’ قوله: إذا كان كل شخص هو بطرس فإن بطرس لا وجود له، اي أننا إذا اعتبرنا أي نشاط إبداعي بلا موضوع فنا فلا وجود للفن إذاً ويعقب العطار على ذلك بقوله: الحداثة من حيث الاسلوب لا تستهدف ذاتها إنما تستهدف ‘التعبير عن مضمون سواء كان ذاتيا كما لدى التأثيريين أو موضوعيا كما في لوحات سيزان.

وحول الفن والمنفعة كتب العطار واحدة من أهم دراساته حيث يرصد فيها تطور النسيج الروحي البشري وانتقالاته بين الحياة المادية والروحية ويبدأ من الإنسان الأول الذي كشط الزيادات من فروع الشجر وقطع الزلط ليستخدمهما كسلاح يضرب به الأعداء ويصطاد الفراش فاكتشف العلاقة بين الشكل والوظيفة. ويقول مختار العطار إن علاقة الإنسان بالفن التطبيقي لتيسير سبل الحياة المادية وبالفن الجميل للسمو بالحياة الروحية والنفسية. وينقل عن كولنجوود أن الصفة السحرية لصيقة بالعمل الفني الأصيل إذ أن هناك نظرة ثالثة يرصدها العطار ويراها بعيدة عن النفع المادي والهدف السحري هي ‘الإدراك الاستطيقي’ للموضوعات أي التأمل لمجرد التمتع ومصطلح ‘استطيقا’ يعني الانسجام ويضيف ان الإدراك الاستطيقي أو الإدراك الفني لا يقتصر على الأعمال الفنية وحدها بل ينسحب على الطبيعة أيضا.

وظل العطار يؤمن بفكرة القيمة الأخلاقية في الفن في ظل التجليات المختلفة للحداثة وكان يرى أن بعض الحركات الفنية التي تبنت أفكارا فردية متطرفة ولاقت استجابة واسعة في ظروف عالمية مهيأة للتمرد إلا أن عجز الفن عن تزويد البشر بالقيم الأخلاقية التي تكبح جماح المشاعر العدوانية والدموية صعد بجماعات الشباب الى العديد من الانتفاضات التي ثارت على الإدراك المستحدث منذ طليعة القرن يشمل ذلك سيزان وبيكاسو وبراك وبوتشيون وكاندينسكي الذين ثاروا على المسلمات السابقة التي تقولب التفكير وتحرمه من ايجاد علاقات جديدة.

ويدلل العطار على ذلك بعدد ممن تبنوا ثورة الحداثة في القرن العشرين عبر حركة ‘الدادا’ التي يصفها بأنها هبت كالعاصفة ما بين عامي 1916 و1923 لتؤجج الروح الخلاقة وتطرح العديد من الاشكال الفنية الجديدة حيث بدأت في مدينة زيورخ بسويسرا في منتصف فبراير وما لبثت ان ذاعت في معظم العواصم الكبرى مثل نيويورك برلين برشلونة هانوفر باريس روما كولونيا وغيرها.

ويركز العطار على هذه المدرسة لأنه يرى تأثيرها الجذري المستمر إلى يومنا هذا في كل الأشكال المستحدثة للتشكيل في العالم رغم أنه يصف الحركة بأنها لم تكن ‘حركة’ بالمعنى التقليدي، فهي ليس لها شخصية موحدة محددة المعالم لكنها ـ حسب العطار ـ ذات شكل أخلاقي مبادر وخلاق أسفر عن أساليب تعبيرية غير متوقعة اختلفت باختلاف البلدان والشعوب ايجابية تارة وسلبية أخرى.

وبشكل ما فإن مختار العطار كان يؤمن بأن الحداثة ليست صفة دائمة للشيء فالحديث اليوم قديم غدا ـ حسب تعبيره ـ ويضيف ايضا: ليس كل جديد في الفن يعني الحداثة لأنه لا يلبي بالضرورة احتياجا فكريا أو روحيا أو ماديا كما أنها ليست مفاضلة بين مدرسة فنية وأخرى كأن نقول: التجريدية حديثة والواقعية قديمة مادمنا نستهدف الإنسان وليس السلعة. ويضيف العطار أن الهدف دائما هو الارتقاء الثقافي الى مستوى مدركات العصر وهو ما ينبغي للحداثة أن تفعله أي تبتكر من الاساليب ما يساعد الإنسان على التكيف مع الظروف المستحدثة وهو ما يراه انجازا لمعظم المدارس الفنية الحديثة مثل التكعيبية والمستقبلية والتجريدية حيث جاءت ملبية للاحتياج الفكري والوجداني للإنسان حين تغير تذوقه للحياة وإدراكه لها.

ومع ذلك يرصد العطار مفارقات مختلفة على صعيد آخر حيث يتساءل تحت عنوان ‘متى تكون الحداثة مدمرة؟ ويجيب قائلا: قد يتسم الاسلوب الفني بالحداثة في مجتمع معين ويكون هو نفسه ‘بدعة’ بلا جدوى في مجتمع آخر مختلف الثقافة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ومعتقدات ولغة وتراث. ويعلل العطار ذلك بالقول: إن هذه الأبعاد تفرض ضوابط ومعايير لما يتطلبه المجتمع من حداثة تساعد على نموه وتطوره حتى يتكيف مع البيئة الحضارية الجديدة لذلك يرتبط الإبداع الفني بالتراث المحلي وإلا أصبح عقيما. ويتساءل على هذا الصعيد: ما جدوى أن ينشغل واحد من قبائل ‘الإيبو’ أو ‘اليوروبا’ في أواسط غرب أفريقيا بالبحوث الرياضية البحتة بينما لا يأمن قومه على أنفسهم من الضواري والأفاعي والحشرات فضلا عن افتقارهم الى لغة مكتوبة وينقل العطار عن ‘ريجنالد فولدي’ قوله: توجد على أرضنا مجتمعات في مستوى العصر الغسفني عيش تكنولوجيا زراعة العصر الحجري بينما مجتمعات أخرى تستخدم الحاسبات الإلكترونية لهبوط سفن الفضاء على الأجرام السماوية وهو الأمر الذي يخلق تناقضا فكريا يزداد سرعة ومأساوية.

ويعقب العطار على ذلك بتأكيد فكرته في أن ما يعتبر حداثة في فنون مجتمع صناعي متقدم لا يعتبر كذلك في فنون المجتمعات النامية نظرا لاختلاف نوعية الثقافة ويقول مردفا: ما نراه من نزعة بعض فناني العالم الثالث إلى تقليد فنون الغرب بدعوى الحداثة قد يلعب دورا عكسيا لأنه لا يلبي الاحتياجات المحلية والفكرية بل يشيع ‘الاكتئاب الاجتماعي’ الذي تحدث عنه ‘ريجنالدي فولدي’. وحول حدود الحداثة ظل مختار العطار على قناعته بأن كل العالم المتقدم والمتخلف يمر بمرحلة انتقال كبرى لم يسبق لها مثيل، فحشد المعارف الجديد يفوق كثيرا درجة التغير الثقافي الذي يواكبه ـ حسب العطار ـ ولم تتحول ـ بعد ـ المدركات الجديدة الى سلوك عام وتصبح من تقاليد الحياة اليومية وينوه إلى أن الطابع الانتقالي هو سمة الجنس البشري منذ دب على هذا الكوكب فهو في حركة تقدم مستمرة لا تتوقف تبطىء أحيانا فتتخذ طابع الاستقرار. وينقل عن شارل بودلير قوله ‘إن جميع أشكال الجمال تتضمن عنصرا دائما وعنصرا انتقاليا عنصرا مطلقا وآخر خاصا. ويعقب على ذلك قائلا: أنه إذا كانت الحداثة في الفن ‘أسلوبا وشكلا ونوعا جديدا من الجمال’ فهي ليست مطلقة إنما تختلف باختلاف الأمم وباختلاف الزمان والمكان والثقافة والتراث.

وقد ولد مختار العطار في الثالث من سبتمبر عام 1922 في مدينة طنطا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر.

وظل حتى رحيله يشغل موقع نائب رئيس الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي وكان قد التحق عام 1939 بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول ‘جامعة القاهرة حاليا’ بقسم اللغة الانكليزية وفي العام التالي انتقل الى مدرسة الفنون الجميلة العليا ليتخصص في فن التصوير الزيتي حيث تتلمذ على يدي الفنان الرائد يوسف كامل وتخرج عام 1947 كما شارك خلال دراسته في نشاط اتحاد الطلبة محررا في أول مجلة للفنون الجميلة ثم التحق عقب تخرجه بمعهد التربية للمعلمين وحصل على الدبلوم عام 1949 حيث عمل مدرسا بالتعليم العام كما عمل في نفس الوقت محررا ورساما وسكرتيرا للتحرير بمجلة ‘القصة’ نصف الشهرية حيث بدأ نشر قصصه القصيرة والتحق عام 1960 بالدراسات العليا في علم النفس بكلية التربية وحصل على الدبلوم.

كما عمل مختار العطار بالتليفزيون منذ عام1961 حيث أعد برامج ‘فنون عالمية’ وحياة فنان ثم البرنامج الاسبوعي ‘الفن والحياة’ طوال سبع سنوات متواصلة.

كذلك أعد وأخرج سبعة وعشرين فيلما تسجيليا للتليفزيون عن حياة وأعمال اهم الفنانين المصريين ومن بينهم الراحلون: راغب عياد جمال السجيني سعيد الصدر سيف وائلي محمد حسن عبدالعزيز درويش أحمد عثمان شعبان زكي سعد الخادم عبدالفتان عيد حسني البناني فؤاد كامل حامد ندا وهي ـ تقريبا ـ الأفلام الوحيدة التي تصورهم أحياء بين عامي 1963 حتى 1966. وقد أعد مختار العطار لإذاعة الشرق الأوسط خلال عامي 1970- 1971 برنامجا يوميا بعنوان ‘فنون تشكيلية’ وكان قد بدأ منذ نفس الفترة نشر مقالاته ودراساته النقدية في المجلات والصحف المصرية.

كما عمل في الفترة من 1976 حتى 1980 بدولة الكويت حيث واصل الكتابة للتليفزيون والإذاعة ومجلة الكويت عن الفنون الجميلة.

وقد أصدرت له مؤسسة روزاليوسف كتاب ‘ساحر الأواني سعيد الصدر’ عام 1979 ضمن سلسلة الكتاب الذهبي وقد ظل العطار يعمل ناقدا فنيا بمجلة المصور الاسبوعية التي تصدر عن دار الهلال وقد ألقى منذ 1984 العديد من المحاضرات حول تاريخ وفلسفة الفنون الجميلة في الكليات والمحافل الفنية وأسهم بالعديد من البحوث والدراسات في اللقاءات والمؤتمرات الدولية.

كما أصدر عام 1988 كتابه ليالي القاهرة عن حياة واعمال الرسام رشدي اسكندر بالإضافة الى كتابه المهم ‘الفن والحداثة بين الأمس واليوم الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1992، وهو الكتاب الذي اعتمدنا عليه في قراءة التوجهات النظرية لمختار العطار حيث يتضمن عددا من الموضوعات المهمة والمثيرة مثل: الالتزام والحداثة واللا محاكاة التلفيقية والفن والمنفعة الدادية واللا فن الباوهاوس تغير الواقع المرئي حدود الحداثة التقدم العلمي والحداثة تجريدية كاندينسكي الى آخر هذه الموضوعات التي أثرت في توجهات وتشكيل الناقد الراحل مختار العطار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية