الذكري الثانية للنحات المصري عبد البديع عبد الحي تمر دون انتباه

حجم الخط
0

الذكري الثانية للنحات المصري عبد البديع عبد الحي تمر دون انتباه

وزارة الثقافة لم تفعل له شيئاً وأغفلت قيمته حياً وميتاً:الذكري الثانية للنحات المصري عبد البديع عبد الحي تمر دون انتباهالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: في هذه الأيام تمر الذكري الثانية للفنان الراحل عبد البديع عبدالحي أحد أكبر النحاتين في تاريخ الفن المصري الحديث، وذلك عن عمر يناهز التسعين عاما.ورغم الصيحات الباكية التي نعت الميتة المأساوية للفنان الراحل، وكذلك النداءات التي أطلقها مسؤولون وغير مسؤولين عن أهمية التكريم الذي يجب أن تكرسه وزارة الثقافة لمنجز عبد البديع، إلا أنه لم يتم اتخاذ أية خطوات في سبيل ذلك حتي هذه اللحظة.وكان الفنان عبد البديع عبدالحي قد رحل في حادث مأساوي مروع بمنطقة مصر القديمة، بعد أن اقتحم شقته اخوان مجرمان وطعناه أربع عشرة طعنة بعد منتصف الليل، ظنا منهما انهما سيجدان أموالا طائلة كان يُشاع في الحي الذي يقطنه الفنان أنه يملكها بسبب شهرته وذيوع صيته ونشر صوره وأحاديثه في الصحف والتلفزات والاذاعة، لكنهما ـ الاخوين القاتلين ـ لم يجدا سوي الحسرة، فركلا الجثة وبصقا عليها، وسرقا عددا من السلاسل والحلي الفضية والأدوات النحاسية التي كان محصولها مبلغ ثلاثة وستين جنيها.وبرحيل عبد البديع عبدالحي تكون قد اغلقت صفحة في حياة مثال كبير لا يقل أهمية عن جمال السجيني ومحمود مختار وغيرهما من كبار الفنانين، غير أن رحيل عبدالحي لن يكتب إلا الخلود لتماثيله ومنحوتاته الفريدة الموجودة الآن في بيته وفي كل أنحاء العالم.وقد ولد الفنان الراحل عبد البديع عبدالحي لأسرة فقيرة في مدينة ملوي جنوب محافظة المنيا التي تبعد عن القاهرة العاصمة حوالي 400 كم جنوبا وذلك في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1916 ولم يتجاوز تعليمه مرحلة الكُتٍّاب، وقد حاولت أمه أن تلحقه باحدي المدارس الفرنسية في ملوي لكنها خشيت عليه من جرائم الثأر فألحقته للعمل في مطبخ واحد من الأعيان منذ سن السابعة، وظل في هذا العمل سبعة عشر عاما حتي انتقل الي القاهرة.وينقل الناقد والفنان مكرم حنين في كتابه دراسة في إبداع خمسة مبدعين مصريين عن الصحافية فاطمة أنه تقدم في عام 1937 للخدمة العسكرية إلا أنه لم يُقبل بسبب ضعف نظره، ويذكر حنين ان عبد البديع قرأ اعلانا في عام 1942 عن وجود المتحف الحربي بالقلعة فتوجه بتماثيله اليه وهناك التقي بأمين المتحف الدكتور عبدالرحمن زكي استاذ العمارة الاسلامية الذي رحب بتماثيل عبد البديع وشجعه علي التواصل.وقد كان التحول الحقيقي في حياة عبد البديع هو مشاركته في مسابقة مختار التي كانت تقام تحت رعاية هدي شعراوي عام 1942 وقد كانت المسابقة هي أهم المعارف الفنية في مصر آنذاك وكانت تكريما من هدي شعراوي لمثّال مصر العظيم محمود مختار الذي رحل شابا في عام 1934 عن 43 عاما.وبعد أن قرأ عبد البديع الإعلان توجه علي الفور من ملوي الي العاصمة بعد أن أعد تمثاله لعبة السيجة وكان تمثالا طينيا حمله علي أحد المراكب وجاء الي القاهرة وقد نال التمثال اعجابا كبيرا. وأثناء رحلته صنع عبد البديع تمثالا للمراكبي الذي كان يقود المركب الي القاهرة، ولم يفز عبد البديع بجائزة مختار في ذلك العام إلا انه عند مشـــــاركته عام 1943 قدم تمثالا رخاميا تحت عنوان ست الحسن وهو التمثال الذي عرضه فيما بعد المهندس فؤاد حبشي ابن عم لويس عوض علي السيدة هدي شعراوي، وعندما اعجبت بالتمثال وعدته بالمساعدة وعرضت عليه العمل لديها بالقاهرة، وعندما قدمت هدي شعراوي التمثال الي سكرتير مسابقة مختار حصل علي الجائزة التي أثارت حفيظة الفنانين المشاركين فألغيت الجائزة، وعندما حاول والد الملكة فـــريدة شراء التمثال مقابــــل عشرين جنيها رفض الفنان وأهدي التمثال لهدي شعراوي التي كافأته بعد ذلك بخمسين جنيها. ويذكر مكرم حنين مجموعة من كبار رجال العصر مثل أحمد لطفي السيد وعلي علوبة وعلي باشا ابراهيم التقوا في صالون هدي شعراوي وكانوا يناقشون موضوع الطفولة المشردة وأطفال الشوارع المهملين في الضياع وتطرق الموضوع الي الموهوبين من الفقراء وكان عبد البديع أحد هؤلاء الموهوبين الذين عاشوا تحت رعاية هدي شعراوي التي رعت من قبل المثال الكبير محمود مختار، فأثني الحضور علي أعمال عبد البديع ودعته بعد ذلك هدي شعراوي للعمل في مصنعها للخزف بشبرا في الفترة من 1933 حتي 1936 وكانت قد سبقتها بدعوة للمثال محمود موسي بعشر سنوات.وقد قامت هدي شعراوي بعد ذلك بإلحاق عبد البديع بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة عن طريق البروفيسور كلوزيل أحد أساتذة النحت البارزين وهــو كما يذكر حنين، استاذ جمال السجيني وعــبد القادر رزق، وكان عمر عبد البديع آنذاك سبعة وعشرين عاما، ويذكر الفنان ناجي كامل أن بعض الأساتذة حاولوا صرف طاقات عبد البديع الي اهتمامات بعيدة عن اهتماماته الفطرية التي برع فيها مثل صناعة تماثيل رومانية وأوروبية حديثة، إلا أن هذه المحاولات لم تفلح، وقد انتزع عبد البديع في هذا الوقت حجرا بازلتيا من رصيف الكلية وحوله الي تمثال هو من أشهر تماثيله وهو لصبي نوبي.ويري عبد البديع ان الدراسة في القسم الحر أضافت له خبرات مذهلة في صياغة التماثيل ومراحل صبها وتكبيرها حيث كان يجهل كل هذه الخبرات المكتسبة. بعد ذلك أقام عبد البديع تمثاله الشهير طارق النحاس واشترك به للمرة الثانية بمسابقة مختار دون علم هدي شعراوي وكان يخشي من وجود شبهة مجاملة بسبب كونه أحد العاملين لديها، وقد حصل التمثال علي الجائزة الأولي.وينقل مكرم حنين عن عبد البديع أن هدي هانم شعراوي أوقفته عن أعمال المطبخ ففهم الأمر علي أنها تستغني عن خدماته فهم بالمغادرة لكنها في الحقيقة أبلغته ضرورة التفرغ للفن.وبعدها بدأ رحلة التعرف علي الواقع الفني فتعرف علي معظم فناني جيله، وكانت هي الفترة التي توجه فيها نحو صناعة التماثيل الصغيرة سواء في الطين أو الحجر أو البازلت أو في الغرانيت وقد برع في عمل التماثيل من الطين الأسواني ثم عمل نسخة من الجص ومنها ينقل التمثال الي الخامة الخالدة سواء الغرانيت أو البازلت أو الخشب وكان يجسد في هذه التماثيل قوة الاحساس بالطبيعة . في عام 1946 فاز الفنان عبد البديع عبدالحي عن تمثال المراكبي بالجائزة الاولي في مسابقة مختار.وينقل مكرم حنين عن الناقد الراحل صدقي الجناخنجي قوله في جريدة الجمهورية ان المثال الايطالي العالمي كانوفا كان طباخا أيضا وقد بدأ رحلته مع الفن عندما قدم علي مائدة الأمير قالب الزبد علي شكل أسد جميل فأعجب به الأمير وقرر إرسال كانوفا الي الاكاديمية للدراسة علي نفقته وقد أصبح فيما بعد من أشهر مثالي العالم.وقد ظل عبد البديع يعاني شظف العيش بعد أن ترك العمـــل لدي هدي شعراوي فعين صانع نماذج بكلية الفنـــون براتب ضــئيل ولم يكن قد أنشئ نظــــام التفـــرغ الذي تم إقراره عـام 1943 بعدها حصل علي التفرغ الذي أعانه علي سبل الحياة.وقد صنع عبد البديع تمثالا نصفيا خالدا للراحلة هدي شعراوي صاحبة الفضل عليه، وقد فاز التمثال بالجائزة الاولي في المسابقة التي اقامتها مدرسة الليسية الفرنسية عام 1948 وكان ذلك بعد رحيل أمه الحقيقية التي قامت علي رعاية هدي هانم شعراوي.وهو الأمر الذي دعا عبد البديع الي نقل مرسم الي الأقصر لمشاهدة التراث الفرعوني والتشبع به والبعد عن الأجواء الحزينة والمشحونة بالقاهرة.وقد تفرغ عبد البديع للفن أربع مرات علي نفقة الدولة ثم حصل علي معاش الرواد الذي قرره له وزير الثقافة فاروق حسني.وقد تزوج عبد البديع عام 1950 وأنجب ولدين أحدهما يعمل بوزارة الخارجية والثاني هو الأصغر شريف عبد البديع الذي اصبح الان نحاتا معروفا ومدرسا بكلية الفنون الجميلة والثالثة ابنته هدي التي تعمل بالمحاماة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية