الذكري الـ30 لاغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط
نضال حمدالذكري الـ30 لاغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط في 16 آذار (مارس) 1977 استشهد الزعيم اللبناني الاكثر شعبية، كمال جنبلاط، مع مرافقيه فوزي شديد وحافظ الغصيني علي طريق بعقلين ـ ديردوريت في كمين مسلّح. باغتياله تزلزلت الارض اللبنانية من اقصي الجنوب الي اقصي الشمال، مرورا بالجبل ووصولاً الي البقاع. فاغتيال رجل بحجم ووزن كمال جنبلاط كان لا يمكن ان يمر بدون عواقب وخيمة، ولا يمكن ان يسجل ضد مجهول، لذا كان لا بد من كشف هوية المجرمين ومحاسبتهم. وقد قيل الكثير في وداع ورثاء الزعيم الذي وقف شامخاً كجبل العرب طوال حياته، يتبني القضايا القومية ويقف ضد الرجعية والطائفية الانعزالية والفساد والفاسدين، فتحالف مع الزعيم عبد الحميد كرامي في كتلة التحرر الوطني، هذه الكتلة التي قادها جنبلاط بعد رحيل كرامي، فاستطاعت ارغام الرئيس بشارة الخوري علي الاستقالة بدون اراقة الدماء. وكان بدون شك احد ابرز صانعي تاريخ لبنان عبر عقدين من الزمن. كما كان جنبلاط موسوعة ونابغة من النوابغ، يحترم الصداقة بالرغم من الاختلاف في الرأي والموقف. يحترم وعوده ومواقفه. لقد كان كمالا في كل شيء تقريباً، اسم علي مسمي.ولد كمال جنبلاط في 6 كانون الاول (ديسمبر) سنة 1917 في قرية المختارة في جبل لبنان، وقد اغتيل والده فؤاد جنبلاط الذي كان يعمل قائم مقام قضاء الشوف، في وادي عينبال، وكان كمال جنبلاط لا يزال طفلا، فتولت والدته السيدة نظيرة جنبلاط، شؤون تربيته وتعليمه. درس في لبنان وفي فرنسا، ثم تخرج محامياً كما درس الاقتصاد. ولكنه لم يعمل طويلا في المحاماة اذ بعد وفاة ابن عمه حكمت جنبلاط، بويع بالزعامة وانتخب في البرلمان اللبناني سنة 1943، وفي الحكومة التي شكلت سنة 1946 عين وزيرا للاقتصاد، لاحق وحارب الفساد والرشوة بقبضة صارمة. فيما بعد انتقل من الموالاة الي المعارضة وذلك لوقوفه مع المضطهدين والفقراء. وبالرغم من انه من عائلة اقطاعية وثرية جداً الا انه كان علي مستوي عال من الاخلاق ويتمسك بالمثل العليا ويتحسس بالقيم الاجتماعية ويريد المساواة للجميع، ويشعر بمعاناة الفقراء والطبقة العاملة، الفقيرة والمعدمة. وكانت الثورية ميزة هامة من ميزات الزعيم جنبلاط، وقد طبعت مسيرته اذ انه كان يقفز حيث كان يمشي الجميع علي حد تعبير الرئيس شفيق الوزان.كان احد ابرز المفكرين الداعمين للفكر القومي العربي. لكنه بنفس الوقت اكد علي استقلال لبنان الكامل وعروبته. وخاض معركة الدفاع عن عروبة لبنان مبكراً سنة 1958، بعد انتهاء حرب سنة 1958 ضد الرئيس كميل شمعون حليف الامريكان وحلف بغداد وضع جنبلاط كتابين عن تلك الفترة هما: حقيقة الثورة اللبنانية و في مجري السياسة اللبنانية ومما جاء فيهما: يتضح للقارئ ان الطائفية السياسية في لبنان هي وليد الجهل، وجهل الزعماء التقليديين اصحاب النفوذ بالدرجة الاولي وان الكفاءة اذا وجدت في حكام لبنان مع النزاهة والامانة الوطنية وقيام نظام للخدمة المدنية مستقل عن الاهواء، كفيل بحل مشكلة الطائفية في القطر العربي اللبناني .كما اعلن كمال جنبلاط ان الطريق الوحيد لخلاص لبنان: علي اخواننا الانعزاليين في لبنان والجامدين من الفريقين ان يدركوا بان خلاص لبنان هو في مجاراة تيار التطور نحو مدنية الانظمة ومدنية الدولة. لا في التعثر فيما خلفه نظام 1864 من رواسب طائفية . واضاف: ان الوقوف في وجه عجلة التطور سيسحقنا ويقضي علي لبنان الحر، الديمقراطي، الموحد . واصدر بعد ذلك بيانا دعا فيه لتأليف: حكومة ونظام حكم علي اساس وطني عربي حر صريح، لا علي اساس طائفي في جوهره وهدفه، ودعا الي اتخاذ بعض التدابير في النهج العام وفي التشريع، لصهر اللبنانيين وتوحيدهم والقضاء علي سياسة التمييز، والتحيز، والفوارق الاجتماعية العميقة السائدة بين المواطنين.قدم جنبلاط مشروعا وطنيا للخروج من الصراع والقتال وتبنته احزاب الحركة الوطنية التي اسسها كمال جنبلاط وكان رئيسها ويسمي ذلك المشروع البرنامج المرحلي للاصلاح السياسي في لبنان . وقد هدف مشروع الحركة الوطنية الذي اشرف عليه جنبلاط مع نخبة من الوطنيين اللبنانيين الي كشف مساوئ الطائفية في لبنان وبقعها السوداء الملموسة. وجاء في الصفحة 36 من كتاب جنبلاط وبيروت الصادر سنة 1978، علي لسان ادمون رباط فكان حقا اول زعيم سياسي قد عرض بالاشتراك مع رفقاء نضاله من الاحزاب والقوي الوطنية التقدمية، وسائل عملية ترمي الي ازالة الطائفية السياسية فوراً، وبالتالي الي ازالتها من المجتمع والاحوال الشخصية تدريجيا، وبالنهاية الي تحقيق ديمقراطية سياسية صحيحة . وبقي جنبلاط يدافع عن مشروعه الوطني القومي حتي اغتياله يوم السادس عشر من آذار (مارس) 1977 في جبل لبنان.كمال جنبلاط اسم كبير وعظيم، خالد وباقٍ اقوي من النسيان.. شخصية فذة عرفها العدو قبل الصديق، وعرفتها التجارب بالذات في لبنان، هذا البلد الصغير، القابع في مستنقعات الخلافات المذهبية والغارق بوحل السياسة الطائفية. ويسجل لكمال بيك مئات المواقف الفذة، منها علي صعيد المثال لا الحصر: يوم كان وزيرا للاقتصاد في حكومة رياض الصلح، فرض علي الحكومة تخفيض سعر الطحين مما سبب عجزاً في الميزانية، قال له علي اثره رياض الصلح ان سياستك الاقتصادية اوقعت الخزينة في عجز لا يقل عن 16 مليون ليرة لبنانية ، واجابه جنبلاط ان هذه الملايين كلها لا تساوي كلمة آخ يطلقها جائع! . ويوم اعدم انطون سعادة همس في اذن رفيقه محمد امين دوغان انها ابشع جريمة ارتكبت بحق الديمقراطية في لبنان، لقد قتلوه . وفي مكان آخر قال لدوغان ان كمال جنبلاط بكي يوم استقال جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 وقال ويل لهذه الامة في غيابك يا جمال. هذا وقال الزعيم جمال عبد الناصر عن كمال جنبلاط انا احترم كمال جنبلاط لانني اعرف جيدا ماذا يريد، لكنه اشبه بالدواء المر، ولكنه لمصلحة المريض اللبناني . وقد جاء ذلك في الصفحتين 39 و40 من كتاب جنبلاط وبيروت الصادر سنة 1978. كان الزعيم كمال جنبلاط احد اهم اعمدة الحكمة والبنيان والاستقرار والتعايش بين الطوائف اللبنانية واحزابها السياسية.. سياسي وقت الحوار والتفاوض، ومحارب بالرغم من غانديته (نسبة لتأثره بالزعيم غاندي والفلسفة الهندية) في حربٍ فرضت عليه وعلي ملايين البشر.. فيلسوف، مفكر، شاعر واديب، كاتب وعاشق، عشق الفلسفة، فزار الهند وبلاد آسيا الاخري، تأثر بالفلسفة الهندية وعاش مع بعض فلاسفتها وحكمائها. احب السفر والترحال والمعرفة، تعلم فوصل الي درجات عالية من المعرفة والوعي والعلم. اسس الحزب التقدمي الاشتراكي بنية اقامة حزب غير طائفي، تقدمي بالفعل، واشتراكي يحفظ الحقوق والمساواة بين الجميع. فكان معه اعضاء من جميع الطوائف اللبنانية. كافح لاجل القضية اللبنانية، ومن اجل لبنان عربي منفتح وحر وسعيد، لبنان ينتمي للشرق العربي، لا للعالم الغربي الاستعماري، لبنان لكل اللبنانيين لا لطائفة معينة فقط لا غير، طائفة وصفها كمال بيك نفسه بانها لا تريد ان يسكن معها الاغيار اي ان اي لبناني آخر من غير الطائفة غريب ولا يحق له السكن معها. وكان جنبلاط يتحدث عن المارونية السياسية المتأثرة بالصهيونية والفاشية، مارونية كميل شمعون وبيير الجميل، التي دمرت فيما بعد لبنان الكبير. وذكر في الصفحة 83 من كتابه هذه وصيتي الصادر في حزيران ـ يونيو 1978 عن مؤسسة الوطن العربي للنشر بان ثمة كثير من الموارنة ـ بل واكثر من ثلثهم ـ وطنيون حقيقيون، صارمون، صادقون، شجعان وشرفاء، واصدقاء ممتازون . لكن رغم كلام جنبلاط عن هؤلاء فقد استطاعت مجموعة القراصنة السياسيين الموارنة السيطرة علي الطائفة المارونية، والتحالف مع الصهاينة والامريكان والرجعيات العربية، واشعال الحرب الاهلية التي استمرت 15 عاما فاحرقت الوطن الصغير، هذا الوطن الذي ولد من رحم سورية. هذا وورد عن تقسيم سورية، في الصفحة 67 من نفس الكتاب لكمال جنبلاط ما يلي : ويقول الاب المؤرخ لامنس في محاضرة القاها في العام 1919 عشية اعلان الجنرال غور انشاء لبنان الكبير: حذار من تقســــيم سورية فانها كقميص المسيح، نسجت من خيط كتاني واحد فاذا ما قطعت تلفت وضاعت .. نقول للزعيم كمال جنبلاط ان المؤامرات لا زالت تحاك حتي يومنا هذا ضد سورية ومـــــن اجل اضعافها وانهاء اي حلم بوحدتها كخطوة صحيحة باتجاه وحــــدة البلدان العربية. فسورية فقدت الكثير من اراضيها الطبيعية، لواء الاسكندرون، هضبة الجولان.. الخ. وهناك عرب ولبنانيون يقفون ضد سورية ومع امريكا. ونقول للزعيم جنبلاط كذلك ان هناك عرباً سلموا العراق للاحتلال، وآخرين يحرسون الاحتلال الصهيوني في فلسطين ويخدمونه ضد امتهم.لقد ناضل المعلم كمال جنبلاط في سبيل القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين نضالاً مشرفاً. وكان مؤمنا حتي رحيله المأساوي بأيد حاقدة عابثة ولعينة، بعروبة فلسطين وضرورة تحريرها من الغزاة الصهاينة الغاصبين. وضع كل طاقاته وجل اوقاته في خدمة القضية الفلسطينية وشعب فلسطين. عرفته المخيمات الفلسطينية في لبنان حليفا ونصيرا للمظلومين. بينما كان يشغل منصب وزير الداخلية حاول اعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بعض الحقوق، خاصة ان القوانين اللبنانية لا تنصف الفلسطيني ولا تعطيه حقوقا محترمة تصون كرامته وآدميته. ووقف مع الفقراء والمظلومين والمزارعين والمعذبين في الارض، وقفة رجل شجاع. وقد استلم عدة مرات مناصب وزارية في الحكومات اللبنانية.كان جنبلاط ذا بعد سياسي ورؤية مستنيرة، يعرف العدو من الصديق، وقد قال عن الولايات المتحدة الامريكية في الصفحة 76 من كتابه (هذه وصيتي) الامريكيون ليسوا اهل مبادئ كما هو معروف، ومصلحتهم تتصدر وتتقدم كل شيء آخر . هذا الكلام يجب ان يكون نبراساً للزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي وضع نفسه وحزبه وجل طائفته في حلف مع الامريكان اعداء مشروع كمال جنبلاط الوطني والقومي، الذي دفع حياته لأجله، واستشهد وهو يدافع عنه. كلمات كمال بيك لا زالت ساخنة بالرغم من مرور سنوات طويلة علي اغتياله وصدور وصيته في كتاب مطبوع. بالاضافة لذلك، لكمال جنبلاط الصوفي الزاهد، الباحث والمنقب، المحلل المتعمق في التاريخ والفلسفة، المفكر والسياسي مجموعة هامة من الكتب والمؤلفات المختلفة منها: لبنان وحرب التسوية، نحو اشتراكية اكثر انسانية، السلام، العمال والفنانون، حقيقة الثورة اللبـــــنانية، الديمقراطية الجديدة، فيما يتعدي الحرف، في السياسة اللبنانية، ثورة في عالم الانسان، في الممارسة السياسيـــــة، ادب الحياة، هذه وصيتي، حقيقة الفكرة القومية السورية، نكون او لا نكون، ربع قرن من النضال، البوذية، العلاج بعشب القمح، وغيرها من الكتب الادبية والشعرية. ومن اشعار كمال جنبلاط المتأثر باشعار شيخ المعرة وفيلسوفها، ابي العلاء المعري، والتي جاءت في ديوان له بعنوان وجه الحبيب ، نقتطف هذه الابيات:غدًا سيمرُّ هذا الجسد فلا يبقي منه اثر حتي للبعث حتي للنشور. يبدو ان كمال جنبلاط كان اشبه باشجار السنديان التي تحدث عنها اندريه مالرو في كتاب له عن شارل ديغول، والتي تقطع فلا ينبت غيرها ويصبح سامقا وباسقا وراف الظل مثلها الا في مدي زمان. فقد كان جنبلاط تلك السنديانة التي ضربت جذورها عميقا في الارض. اذ لم نر بعد كمال بيك من استطاع شغل مكانته في لبنان والوطن العربي.كاتب من فلسطين يقيم في النرويج8