الذهاب الثقافي إلى الامبريالية

التربية الأمريكية تقوم على بغضِ كلِّ ما هو شيوعي، وتضع ماركس في خانة «المطلوب القبض عليهم» بوصفه داعيا للتغيير، ومعادياً للفردانية والسوق الحرة، والتفكير الحر والرأسمال الحر، كما أن التربية اليسارية بنسختها الشيوعية قائمة على كراهية الإمبريالية بوصفها «المرحلة الأعلى للرأسمالية» كما يقول لينين، أو بوصفها رمزا للقبح والاستغلال والاستعباد الطبقي والجنسوي، وهذا ما يجعل الخطاب الفكري والأيديولوجي التداولي بين التربيتين خاضعا لمعايير تلك الكراهية وتوصيفاتها، ولكلِّ ما يتأسس عليها من مواقف وصراعات وقراءات وأفكار.
التوصيف اللينيني للإمبريالية ورد عام 1916 في سياق حديثه عن الصراع الأيديولوجي والطبقي، وفي ظروف كانت هيمنة الاستعمار والرأسمال البريطاني والفرنسي قوية وعدوانية، فيها من الغرور والتعالي الشيء الكثير، مثلما فيها من حيازة الثروات والانتصارات الواسعة، على مستوى الحروب، لاسيما الحرب العالمية الأولى، وحرب السيطرة على مستعمرات واسعة في افريقيا وآسيا، أو على مستوى فرضية إبراز قوة النموذج السياسي والإنتاجي الصناعي، الذي فرض شكله وأداءه على العالم.
الصراع بين الإمبريالية والاشتراكية، ظل صراعا له حمولات طبقية ورمزية، فضلا عن حمولته الأيديولوجية والاستعراضية، والذي توسّع ليتحوّل إلى صراع مركزيات يختلط فيها الرومانس مع العنف، والجمال مع القبح، والسيريالية مع الواقعية، ما جعلها تنعكس كثيرا على نظريات الأدب والفنون، وعلى مواقف أدباء وفلاسفة وفنانين كانوا مأخوذين بالسحر الماركسي، لكنهم يعيشون بالمقابل شغف العلاقات الإمبريالية، بكل ما تفترضه من مواقف ونمطِ حياةٍ وسلوكيات من الصعب مقارنتها في البيئة الاشتراكية الأكثر حذرا وانضباطا..

الاغتراب بوصفه مصطلحا ماركسيا ظلّ أدبيا أكثر من كونه فلسفيا، وتعبيرا عن وعي عميق للمشكلة الوجودية للمثقف العربي، ولطبيعة مواقفه من أزمته السياسية والاجتماعية

المثقف العربي كان ضحية مغشوشة لهذا الصراع، ذهب في لعبة الولاء والتمثيل، إلى حدّ قبول وتقديس فكرة الأضحوية للبراديغم الإمبريالي أو الماركسي، وهذا ما جعل السجون العربية أكثر امتلاءً بسجناء الرأي الماركسي، وحتى الحكومات العربية وظفت آلاف الفقهاء، لكي يجتهدوا في تكفير الماركسية، وفي زندقة من يوالي فكرها الطبقي والثوري والمُلحد، كما يقولون، رغم أن الماركسية لا علاقة فلسفية لها بالإلحاد..

رومانسية الإمبريالية

نزع معطف ماركس الأيديولوجي لم يكن سهلا عند كثير من المثقفين، كما أن التخلّص من أيقونة لينين بدت لهم وكأنها محنة نفسية، لأنهم أدمنوا الحلاوة الثورية عند ماركس، ووهم الدولة وسحر الأيديولوجيا عند لينين، وهذا ما جعل استعادة فكرة هيغل، حول نهاية التاريخ، من خلال كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفوكوياما وكأنها اللعبة الإمبريالية القائمة على تحويل الأبطال إلى أشباح، وفي إعادة صياغة العقل الثقافي لكي يتنازل عن ذاكرته، وعن قاموسه الثوري، وعن قراءاته القديمة لعلم الجمال الماركسي ولأطروحات الواقعية الاشتراكية، والبنيوية التكوينية.
المثقف العربي كان الضحية الأكثر التباسا للفوز الإمبريالي، إذ فقد كثيرا من سقوفه الأيديولوجية، ومن أوهامه وأحلامه بالتغيير الثوري، ليجد نفسه أمام لعبة مفاهيمية مضطربة، تُحرضه على مراجعة سسيوثقافية تخصّ علاقته بالماركسية، وبالإمبريالية، ومدى استثماره لهما في تعزيز فاعلية العقل النقدي، أو في النظر إلى تداولية مفاهيم مثل الحرية والعدالة والدولة والطبقة والهوية والالتزام والأيديولوجيا وغيرها، والتي ظلت مفاهيم مشوشة وعائمة، وغير مستعملة بشكلٍ واقعي، لكنها صالحة في الإجابة عن أسئلة مفاهيمية تخصّ إشكالية الوعي الفائق، والوعي القلق، والصراع الطبقي، واغتراب المثقف عن الواقع، وعن طبيعة السلطة العربية وأنموذجها التقليدي الرجعي، أو الديني، أو العصابي.
الاغتراب بوصفه مصطلحا ماركسيا ظلّ أدبيا أكثر من كونه فلسفيا، وتعبيرا عن وعي عميق للمشكلة الوجودية للمثقف العربي، ولطبيعة مواقفه من أزمته السياسية والاجتماعية، وهذا ما جعل الوقوع في التدهور التداولي للمفاهيم والمصطلحات والأفكار، أكثر تمثيلا لوقائع «النحس» عند ذلك المثقف، على مستوى علاقته بفكرتي السلطة والحرية، أو على مستوى نظرته لصراع المركزيات الكبرى التي تجسدت في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ومعسكرها الإمبريالي، والاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي- مع جواز استخدام هذه المصطلحات.

مراثي المثقف المخذول

انهيار المعسكر السياسي للاتحاد السوفييتي كان انهيارا سيميائيا لأنماط من البطولة والتفكير، وخذلان لأحلام ثقافية تعششت في نفوس المثقفين العشاق والثوار والفقراء، في بحثهم اليوتوبي عن الحرية والعدالة والجمال، والمثقف العربي وجد نفسه وسط هذا الانهيار أكثر تمثلا لرهاب الخذلان، وكأن الفراغ ما بعد المرحلة السوفييتية هو الجحيم بعينه، لكن الخطر الغرائبي للهزيمة، كان في بحث ذلك المثقف عن «معاطف» جديدة، لا تشبه معطف غوغول، ولا معطف تروتسكي، ولا حتى معطف برودسكي المليء بالفضائح اللغوية والشعرية، بل بمعطف عارٍ، قد يشبه معطف مطرب البوب الأمريكي، صالح للتورية، وللشعبوية، ولتمثيل صورة الشاعر النزق والمتمرد والسكير والباحث عن ـأعداء يشبهون طواحين الهواء، أو أغنام دون كيشوت. هذا التحوّل لم يجد له معادلا كاملا في اللغة، بل ظل محصورا في الجغرافيا المتشظية، وفي التصدّع النظري الحادث بعد انهيار الأيديوجيات الكبرى، حيث سعى أغلب الشعراء العرب، والعراقيين بشكل خاص إلى تبديل قواعد «اللعبة الثورية»، عبر اختيار منافٍ إمبريالية في لندن وباريس وفي الولايات الأمريكية، بوصفها منافي تعويضية، ومنهم من باع هوية الثائر ليبادلها بهوية الصعلوك، وهوية المواطن بهوية المنفي، لكن ما يفضح هذا المثقف هو مناورته وبراغماتيته في استعمال لغته المخذولة، لغة اللاوعي المهزوم والضاج بالأوهام القديمة، والشعارات التي تشبه الأشباح، التي جعلت بعض المثقفين المنفيين والمهاجرين أكثر حدّة، وأكثر تعبيرا عن مزاج السخرية والمرارة والفشل والعنف.

البطل الأخير هو البطل الواهم، الذاهب إلى الإمبريالية الجديدة بلا أقنعة وبلا معاطف، وحتى بلا قاموس ثوري، إذ استدعي هذا الذهاب كثيرا من الأوهام وكثيرا من المرايا، لكي يمارس لعبته في «التحوّل البطولي» بدون رقابة

لعبة الماركسي الأخير

خيار النهايات الواهم، دفع البعض لاختيار توصيفات طهرانية، مقاضاةً رمزية للذين هربوا من المواجهة، أو بحثا عن «شكلٍ صاف» للوهم الأيديولوجي، ورغم أن العالم في نزعاته المابعدحداثية قد قوّض سرديات النظرية والثورة والعقلانية، ووضع الجميع أمام رهانات غير مألوفة، وخيارات من العسير القبول بمركزيتها القديمة، لذا حاول مثقفو الرثاء الحزبي أن يتوهموا الطهر بخيارات الثوري الأخير، والشيوعي الأخير والبطل الأخير، التي لا تعدو أن تكون نوعا من السخرية، إذ هم يشبهون الإنسان الأخير الذي اقترحه فوكاياما، والذي اكتشف متأخرا خيبته، وفشله في مواجهة عالم لم يعد يؤمن بقوة الأخلاق، ولا بحق الثورة وضرورتها، بقدر نزوعه إلى الشعبوية وإلى الحكومات التي تشبه إدارة الشركات، وأحسب أن رئيسا مثل دونالد ترامب يكفي لوضع مفهوم الإدارة والحاكمية والأنموذج الإمبريالي، أمام توصيفات تحتاج إلى شطارة ماركس الشاب بروحه الهيغيلية، وليس ماركس الشيخ الذي يُفكّر بالحرب العلنية ضد رأس المال.
البطل الأخير هو البطل الواهم، الذاهب إلى الإمبريالية الجديدة بلا أقنعة وبلا معاطف، وحتى بلا قاموس ثوري، إذ استدعي هذا الذهاب كثيرا من الأوهام وكثيرا من المرايا، لكي يمارس لعبته في «التحوّل البطولي» بدون رقابة، ولكي يرى وجهه المتعدد الصور، في فضاء المرايا التي تساكنه في المقهى والشارع والحانة، وفي المنزل والمكتب، أو عند لحظة تورطه في الكتابة الفاضحة عن سرِّ تحولاته الأكثر فضحاً ومرارة..

الخدعة الإمبريالية

جائحة كورونا كشفت العيوب البنيوية في النظام الإمبريالي، فلا رأس المال الضخم نفع، ولا النيوليبرالية وقفت بوجه الوباء، ولا مفاهيم السلطة والمؤسسة والعلموية أعطت للواقعية الإمبريالية قوة استثنائية للحماية، وللجهوزية في المواجهة، وفي تأصيل معنى «الغرب» بوصفه العالم الأول، إزاء تحديات يمكن بسهولة أن تجتاح العوالم الأخرى، في أسفل الأرض وفي شرقها، بل إن الدعاوى التي ألقت باللائمة على الصين ومنظمة الصحة العالمية أثارت الشبهات حول طاقة العقل الإمبريالي على التحمّل، وعلى مواجهة تبعات حروب عالمية جديدة، وحتى على الإجابة عن أسئلة تتعلق بالأنسنة والشراكة والصراعات الإقليمية والنفط والأسلحة، وكلّها مظاهر لم تتحول للأسف إلى قيم ثقافية، وإلى عتبات تصلح لكي تبرر الذهاب الآمن للإمبريالية بوصفه الطريق الأيديولوجي الوحيد الذي سلكه كثير من مثقفي الخيبات الثورية، والخارجين من سحر الأحزاب الشيوعية العربية..
اللحظة الكونية الآن جعلت الجميع أمام خدعة كبرى، ورثاثة قاسية، إذ لم يجد مثقفو الليبرالية، ومثقفو الماركسية، ومثقفو الأصوليات الدينية والقومية سوى اقتسام الهزيمة والغضب والعزلة، فالكلّ يقفون بخذلان أمام صدمة المراجعة والعجز، ليس تعويضا عن الحزن أو الخيبة، بل محاولة لإعادة فحص ذاكرة الخيارات، تلك التي لا تختلف كثيرا عن الأوهام والسرديات التي دفعت كثيرا من مثقفي اليسار للذهاب الثقافي إلى الإمبريالية..

٭ كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية