الذين قتلوا في العراق في ظل الديمقراطية المزعومة اكثر من الذين قتلهم صدام: في ضرورة الصفح والمصالحة

حجم الخط
0

الذين قتلوا في العراق في ظل الديمقراطية المزعومة اكثر من الذين قتلهم صدام: في ضرورة الصفح والمصالحة

زهير الخويلديالذين قتلوا في العراق في ظل الديمقراطية المزعومة اكثر من الذين قتلهم صدام: في ضرورة الصفح والمصالحة فالصفح ليس ولا ينبغي له أن يكون طبيعيا ولا معياريا ولا تطبيعيا. عليه أن يظل استثنائيا وخارقا في احتكاك مع المستحيل:كما لو كان يقطع المجري العادي للزمنية التاريخية… (1)كثر الحديث هذه الأيام عن الأمن ورغد العيش والحياة الكريمة وعن ضرورة الالتزام بقيم التسامح والمحافظة علي السلم بين الشعوب ونبذ الحرب والعنف ورغم كل هذه الدعاوي والتمنيات فإن مظاهر التوتر والتنازع لم تنقطع عن الظهور وان بوادر الأزمات المستديمة والميل الي الطغيان والتعسف قد ازدادت وتفاقمت من حيث النوع والكم وكأن القيم والمبادئ التي ألزمت البشرية نفسها باحترامها وصيانتها لم تكن كافية لمنع مثل هذه الأزمات من الاندلاع والتفجر وكأن الحياة اليوم في حاجة ماسة الي وضع أفكار توجيهية جديدة والي اعتماد لائحة عامة من الحقوق والواجبات تضع حدا لكل التجاوزات وتوقف الاحتقان والحرب الأهلية والتوتر المذهبي والتصادم بين الرموز الدينية. ومن بين الأفكار الجديدة طرح الفيلسوف جاك دريدا علي صعيد البحث القانوني مفاهيم الصفح والمصالحة،فماذا يعني مفهوم الصفح؟ من أين جاء به؟ ما هي المجالات التي ينطبق عليها؟ ما الذي يستدعي الصفح؟ هل يندرج ضمن النظام القانوني أم السياسي؟ من يدعوه ويطلبه ؟هل الدولة هي التي تمنح الصفح أم المواطن؟ لمن يقع منحه وتحت أي شروط؟ وفي مقابل ماذا يتم منحه؟ وماهي حدوده؟ وهل يجوز أن نتحدث عن حدود للصفح؟دواعي الحديث عن الصفح:تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من داء عضال هو الغزو من الخارج والاستبداد من الداخل ولم تجد للشفاء من هذا الداء دواء لأن الذين نذروا أنفسهم لمقارعة الاستبداد سقطوا في حبائل الاستنجاد بالأجنبي وتبرير الغزو وتسريع نسق الاستعمار وكل من انتهجوا منهج مقاومة الاستعمار انزلقوا في متاهة الأنظمة الشمولية واحتموا بقلاع التوريث والاستبداد رغم علمهم أن الاستبداد والاستعمار وجهان لعملة واحدة وأن الواحد منهما يؤدي الي الآخر،فالاستعمار يزرع بذرة الاستبداد والاستبداد ينتج قابلية الاستعمار.علاوة علي ذلك تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من التشرذم والفرقة بحيث تعالت الأصوات المنادية بتقسيم ماهو مقسم وتجزيء ماهو مجزأ وكثرت النعرات المنفلتة من عقال المكبوت وصارت الذاكرة تفرض سلطتها علي حركة التاريخ وانفلت حبل الاعتصام وتهدمت العروة الوثقي للأمة ورجع الموروث بطم طميمه وكأننا نعيش زمن الفتنة الكبري وطرحت من جديد في الفضاء العمومي مقولات التحكيم والوصية والصحيفة والبيعة والخلافة والإمامة وبدأ البعض يتحدث عن خروج الدابة والمسيح الدجال والمهدي المنتظر دون كلل ولا ملل مع إهمال شديد لكل مبادئ العقل ومعطيات الواقع ودون الاحتكام الي لغة المنطق والمنهج الموضوعي في تأويل الأحداث.غير أن الأمر الجلل والمعضلة الكبري هو احتدام الصراع واندلاع المعارك في الساحة الخاصة بالساكن الأصلي بشكل غير منقطع النظير بحيث بدا جسد الأمة ممزقا تتداعي عليه الأكلة من كل مكان وظهر وطن الكينونة مخترقا مداسا بالأقدام من فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال الي أفغانستان والشيشان والتشاد. وما يزيد الأمر تعقيدا هو تفجر الحرب الأهلية المدنية والعسكرية وازدياد الاقتتال بين الشيعة والسنة وبين الأكراد والعرب وبين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين والهنود دون أي إيمان بقيم المواطنة وحقوق الانسان ودون أدني احترام للمبادئ التي نادت بها الأديان والثقافات العريقة ولعل تفشي الضغينة والحقد والكره بين الفرق والمذاهب والملل والنحل هو الذي يؤدي الي الرغبة في الثأر والانتقام والقصاص وتبني ثقافة شعوبية مفلسة. إذا عدنا الي حال العراق ضربا للأمثال فقد أعدم الرئيس السابق صدام حسين المجيد رغم كونه حاول أن يبني العراق من خلال مشروع قومي ونجح الي حد ما في ذلك كما أن عدد الذين سقطوا ضحية الحرب الأهلية في ظل الديمقراطية المزروعة زورا وبهتانا هو أكبر من عدد الذين عاقبهم صدام زمن حكمه أضعافا مضاعفة وقد فاق نصف مليون قتيل من الشيعة والسنة علي السواء ومعظمهم ضحايا مدنيون لا ذنب لهم ولا جرم اقترفوه سوي أنهم مواطنون عراقيون. والمخيف حقا أنه ربما يمثل إعدام الرمز القومي صدام حسين المجيد نقطة اللاعودة في مشروع أي مصالحة وطنية في العراق وقومية في الوطن العربي والإسلامي بين الذين يحملون لواء المشروع الأمريكي ويدافعون علي خيارات العولمة النيوليبرالية وبين من يقاومونهم من منطلقات ومرجعيات مختلفة وربما يكون هذا الحدث الأرعن خصوصا وأنه وقع فجر عيد الأضحي بالنسبة للمسلمين السنة وفي أيام حرم وقبيل احتفال المسيحيين بعيد رأس السنة الميلادية بداية لفتنة كبري جديدة لا ندري الي ماذا ستؤدي وماذا سيعقبها.في الفضيحة والعارإن منطق التشفي والشماتة هو تعبير عن سيطرة القوي الارتكاسية علي القوي الفاعلة في الجسد الإنساني وترجمة لتغلب الأنفس الأمارة بالسوء علي الأنفس الطيبة التي تعود الي ربها راضية مرضية بعد أن قدمت ما يمكن تفعله في دنياها واقتنعت بمصيرها المحتوم فمحكمة التاريخ لا تطبق الحد علي الكائنات الضعيفة بل علي الأبطال الذين كان لهم ثقل في زمنهم وحاولوا أن يحركوا التاريخ ويحولوا وجهه،ينبغي أن نتذكر جيدا ماذا فعلت محكمة التاريخ بنابليون بونابرت هذا الذي رآه هيجل الفرد الذي بلغ لحظة المعرفة المطلقة وليس مجرد عقل فوق حصان وكذلك تروتسكي المؤسس الفعلي للجيش الأحمر الذي انتهي به الزمن مغتالا سياسيا في المنفي.من هذا المنطلق لا ينبغي أن نتسرع في الحكم علي أناس جعلتهم الأيام يمتلكون العين الثالثة وقررت أن تسوقهم الي حيث تريد دون مواربة ودون أن يختاروا لا لشيء إلا لأنهم انتصروا لقيم الحق والكرامة وقالوا لا ضد الغطرسة والجور والعجب كيف يكون صدام علي لسان أعدائه ظالما في عدله عادلا في ظلمه جامع لكل الطوائف منحازا الي طائفته السنية في نفس الوقت؟إن الأمر في حاجة ماسة الي تدقيق وتحقيق ولا ينبغي أن نتعجل في الانضمام الي معسكر المرحبين أو الي معسكر الغاضبين. إن التناهي البشري يبرز بشكل شاخص في تجربة البعث العراقية مع صدام حسين وان عدم إمكانية تلافي الأخطاء هو جزء من هذه التجربة التي تستحق بالفعل دراسة علمية مستفيضة وتوقف فكري كبير خصوصا وأنها عرفت ثلاث مراحل:- توجه ماركسي عربي أدي الي التصادم مع التيار الديني الشيعي.- توجه قومي عربي أدي الي التصادم مع التيار الماركسي ومع القومية الفارسية والتركية.- توجه عربي إسلامي أدي الي مساندة القضية الفلسطينية مساندة مطـــــلقة والتصادم مع الصــــهيونية والامبريالية الغربــــية وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.إن المزالق التي وقع فيها زمن حكمه هي الاستخدام المبلغ فيه أحيانا للقوة وعسكرة المجتمع وتوخيه أسلوب تصفية الخصوم وانغلاق المجتمع السياسي ودخوله في حرب مع إيران لخدمة أجندة غربية فكانت حــــــربا بين أصلعين علي مشط لا قيمة له ثم غزوه المكره للكويت وإيمــــانه بالوحدة عن طريق الضم القسري وليس من خلال الديمقراطية الاندماجية.بيد أن ما نثمنه في حكم صدام أنه خدم العرب وآمن بقضاياهم وكان الأب الحنون للفلسطينيين وخير نصير للأمة العربية من الناحية الثقافية التربوية وحتي من الناحية الاقتصادية والاجتماعية كما كان صمام أمان بالنسبة إليهم فقد بني الجامعات والمؤسسات الإعلامية في العديد من الدول العربية وبعث الخبرات والطاقات لتشرف علي التدريب والهيكلة في بناء العديد من المؤســـسات المدنية كما رفع رؤوسهم عاليا من خلال اعتزازه بهويته وماضيه وفق رؤية تقدمية.لكن رغم هذه الأخطاء فإن تجربة صدام في العراق تعتبر تجربة منطقية بحكم الموقع الجيوسياسي للبلد وتعدد الطوائف والملل وبحكم وجوده في الثغور الشرقية للعرب وغير أخلاقية وغير قانونية بحكم ما خلفه من تشرذم وتناحر لحظة دخول الغازي وصعود أمراء الطوائف الجدد، فكان نموذج دولته بالنسبة لعصره هو نموذج مرابطي اعتمد اشتراكية شعبية عممت التعليم وأوصلت الغذاء والدواء لكل الناس وأعطت للبعد الوطني والقومي وزنا كبيرا وان ما فعله رجال المليشيات يعبر عن ضغينة وحقد أعمي وثقافة شعوبية لا ترتقي الي ثقافة الأمم وصدرت عن عقول لا تصلح لكي تكون عقل دولة وهي فضيحة سياسية وبداية إفلاس لهذا اليمين الديني الانتهازي الصفوي المتحالف مع دوائر المخابرات الغربية الاجنبية.في ضرورة الصفحكيف لمؤمن يعبد الها رحيما وعفوا ورؤوفا يقبل التوبة وشفاعة محمد (صلعم) يوم القيامة وينطق بالشهادتين أن يقدم علي مثل ذلك الصنيع في يوم مقدس وبتلك الشناعة والبشاعة؟ هل ماتت الرحمة في قلبه وقتل في جبلته الانسانية؟السماحة والحلم والوئام كلها مجموعة من القيم نابعة من جوهر العقائد وهي من الأركان الثابتة التي يتقوم بها الإسلام ودونها لا يكون الإسلام سلما ولا سلاما علي العالمين والضغينة لا تداوي الشعوب من الطغــــيان بل بالمحبة والمغفرة والاعتراف بالذنب والنسيان كلها وسائل ناجعة من أجل صنع غد مشرق.إن الوفاء للماضي لا يعني القصاص والثأر بل يعني الانفتاح علي المكارم والمآثر والمفاخر،فشهداء الأمس هم أبطال قالوا قولة حق وليسوا مجرد ضحايا للطغاة وأحسن طريقة للسير في طريقهم هي نبذ الظلم ورفض إزهاق الأرواح والتسبب في تمزيق الصفوف وتعميق الهوة بين المذاهب والملل وليس طلب الدم والمعاملة بالمثل والوقوع في شرك الانفعال البغيض. متي شرعنا بوضع أنفسنا موضع اتهام ملتمسين الصفح عن كل جرائم الماضي التي ارتكبت ضد الانسانية فإنه لن يبقي هناك بريء علي وجه الأرض وبالتالي لن تجد شخصا يصلح ليحتل منزلة القاضي أو الحكم (2)إن التقادم يرمم الذاكرة ويداوي الجراح ويجعل الصفح هو لغة المرحلة ومنطق المستقبل ويشرع هذا الصفح لإمكانية الترميم بالتعويض وجبر الأضرار بإجراءات الاعتذار المتبادل والتفاهم علي نوع من التناسي بالتراضي لن ماضينا مثقل بالجراح ولو حفرنا في الذاكرة لنبشنا جميع القبور والكل يتحمل مسؤولية الذنوب التي حصلت فنحن جميعا في الآن نفسه ضحايا لبعضنا البعض ونحن جميعا دفعنا ضريبة الترشد ومخاض التحرير وبناء الدولة الأمة. إن الصفح في المجال السياسي يشبه التوبة والغفران في الفضاء الديني ويشبه الاعتذار والعفو في المجال الاجتماعي ويشبه إسقاط الدين والإعفاء في المجال الاقتصادي وهو الي حد ما إلزام أخلاقي ينبغي أن يتقيد به الجميع حتي يتم انجاز هزة رحيمة وقفزة نوعية نحو التلاحم والانصهار بدل الانبتات والتباغض.المطلوب اليوم من الجميع سلطة ومعارضة،دولة ومجتمع،ضحايا الماضي وجلادي الحاضر، الغزاة والطغاة هو الصفح والمصالحة لأن لا أحد بريء بحكم الذاكرة والتاريخ وبحكم القانون والسلطة فكل واحد مدان أمام الانسانية التي ينتمي إليها والتوبة هي نوع الاتهام الذاتي وطلب المغفرة من الأخر ولا يوجد شيء لا يقبل الصفح لأن الجميع متساوون في كونهم أجرموا في حق أنفسهم وبالتالي في حق الانسانية. الشيء الوحيد الذي يستحق الصفح هو الشيء الذي لا يقبل الصفح أو كما قال دريدا: يصفح الصفح فقط عما لا يقبل الصفح (3)إن المصالحة في حضارة اقرأ بين جميع الطوائف والأديان وبين جميع الملل والنحل ضرورية في هذا الزمن الإمبراطوري حتي تتحد القلوب وتلتف العقول من أجل مقاومة العولمة الظالمة وحتي تصمد الأمة في وجه الغزاة وتنجز مشروع التحرير والتنمية والصفح هو المفردة الأولي في قاموس فلسفة المقاومة.ہ كاتب من المغرب [1] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص 12 [2] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص9 [3] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص128

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية