الذي حضر متأخّراً
رشاد أبوشاورالذي حضر متأخّراًكل رجل حدث معه هذا الأمر ، أقول كل رجل لأن الرجل هو الذي يفترض أن يبادر فيعلن حبّه ، أمّا المرأة فهي كالعادة تنتظر من يبح لها بحبّه إن كانت تميل إليه .يحدث أن يقع نظر الرجل علي فتاة ، أو سيّدة ، فيهتف في نفسه : هي ..كأنما يصيح : وجدتها ، ولكنه لا يكون قد وجدها في الوقت المناسب ، وتراه يهمس لنفسه : وجدتها بعد فوات الأوان يا حسرتي !.البعض يّيأس فينكفئ ، والبعض يندفع في معركة حياة أو موت مهما كلّفه الأمر ، وقد يفوز أو يبوء بخسارة مدمّرة نفسيّاً …هذا ما أنا فيها حاليّاً ، ولا أقول ما حصل لي لأنني لن أبوء بالخسارة هذه المرّة .عدت بعد غياب عشرين سنة ، ورأيتها في أمسية أدبية ، تقرأ شيئاً ما شبيهاً بالشعر ، لحضور يصغون لها هي الملكة علي المنصّة ، فوجدتني علي غير توقّع مني ، أهمس لنفسي : هي ، وأخيراً هي … أغمضت عيني وسرحت وصوتها يتسرّب في روحي بكلمات لا أستبينها ، تتداخل مع كلماتي لنفسي : لو لم أكن قد تغرّبت كل هذه السنين فلعلّي كنت وإيّاها ..ولكن من يضمن ؟ وماذا عن مشاعرها هي ؟ لعلّ … صفّق لها الحضور ، فنزلت من علي المنصّة ، ونهض أفراد الجمهور وتوجّه بعضهم لمصافحتها والثناء علي ما قرأت . دار شاب بصينيّة عليها قطع حلوي ، وشاب آخر بصينيّة عليها مرطبات . تقاربت رؤوس وتمايلت أجساد ، وابتسمت عيون وشفاه ، وظللت أنا في داخل نفسي أتابع حركاتها ، ابتساماتها ، ضحكاتها وتمايل جسدها ، أصابعها التي تتخلّل شعرها بين فينة وفينة منتشيّة باهتمام الجمهور بها ، حتي إنني نسيت مع من جئت ، لولا أن صوت خالد صديقي همس في أذني فأعادني إلي جو المكان :_ الذي أخذ عقلك يهنأ به يا صاح! ..بعد كل عمرك في الغربة ، وتجاربك و..تقع هنا يا خال!اتجهت صوبها وكأنني أقترب منها صدفةً ، مددت يدي لها مهنئاً ، فرفعت حاجبيها كأنما لم تلحظ وجودي في القاعة التي لم يكن عدد الحضور فيها كبيراً :_ أنت هنا ! أشكر لك حضورك …ثمّ أضافت :ـقرأت لك …ـ شكراً …ـ طوّلت في الغربة ! ..عدت إلي ديارنا متأخّراً …ـ لم يكن الأمر بيدي ، أنت تعرفين ما تفعله بنا فلسطين !.ندمت لأنني لم أقل لها بأنني لو كنت أعرف أنها موجودة في هذه المدينة لما تأخرت في الغربة . آه علي سرعة البديهة التي تغيّر أحياناً في مصائر البشر ، لو أجبتها بهذه الجملة لفهمت أنني أميل لها ، ولما أخذت عبارتي باستخفاف .شئ ما يهتف بي : لو التقيتما من قبل لكنتما حبيبن ..ولكن! في المرّة القادمة سأذهب معها بعيداً في الحديث ، لا تجاذب سريع يبدو رسميّاً.تمنيّت أن ألتقيها في مسيرة التضامن مع شهداء مذبحة الأقصي ، فعجّلت إلي مكان تجمّع وانطلاق المسيرة .في سيّارة التاكسي العمومي كنت أسال نفسي : ما الذي شدّني إليها ؟ ماذا فيها يختلف عن غيرها ؟ هل كونها كاتبة ومهندسة و..وسيمة ، بعينيها الذكيتين العسليتين ، وشعرها الكستنائي الذي تفرده علي كتفيها بعناية لا مبالغة فيها ، ومشيتها الواثقة الجذّابة _ بالنسبة لي علي الأقّل _ وحقيبتها التي تتدلّي علي جنبها الأيمن وهي تربت علي فخذها ..تؤثّر بي إلي هذا الحّد؟ أخذت أدندن بمقطع من أغنية لناظم الغزالي : حلوة مشيتها تتمشي برهدلة السائق نبهني إلي أنني أغنّي بصوت مرتفع عندما قال لي :_ صوتك حلو يا أستاذ ! ، يشبه صوت ناظم الغزالي فعلاً …خجلت فسكّت ، وزجرت نفسي : لست صغيراً ..أنا علي تخوم الأربعين ، وهي ! ..ربّما في الرابعة والثلاين أو أكبر قليلاً ..وسيمة ، ذكيّة ، قويّة الشخصيّة ، بعيدة عن استعراض المتثاقفات . لماذا لم تتزوّج حتي الآن ؟ هل أحبّت وفشلت ، أم إنها تنتظر من لم يأت بعد ؟! .ألست متسرّعاً في تقويمي ولهفتي ؟ ألا أجمّلها لنفسي القاحلة التي أضاعت مواسم المطر والخصب ، فلا حّب كبير ، ولا زواج ، ولا أسرة ؟ . هبطت من التاكسي ، غذذت السير للوصول للجموع المحتشدة التي أخذ صخب هتافاتها وتصفيقها يعلو كلّما اقتربت . يبدو أن الاعتصام التضامني الاحتجاجي قد أخذ ينفرط ، فها أنا أري مجموعات صغيرة تغادر الحشد .رأيتها تنبثق من بين عشرات المغادرين ، تمشي في منتصف الشارع وحدها مع اهتزازت حقيبتها المتدليّة من كتفها الأيمن .فتحت عيني علي وسعهما لأتملّي كل حضورها كأنني أخشي خسارة أي تفصيل صغير ، حرصاً منّي علي حبّها كلّها .باغتتني بجملتها الصاعقة : _ أنت تأتي دائماً متأخّراً ، الجماهير احتشدت ، والخطباء خطبوا ، وها هم الناس ينفضّون ، وأنت .. يبدو أنك اعتدت أن تصل متأخّراً ! .لوّحت بحقيبتها كأنما تنفض شيئاً ما ، ثمّ مضت في مشيتها ولم تلتفت خلفها إلاّ بعد أن أوقفت سيّارة تاكسي ، لتراني متسمّراً في مكاني ، فتعزف أصابعها في الهواء كأنما تقول لي : إلي اللقاء ، أو باي باي ، وتغيب بها سيّارة التاكسي الصفراء في المنعطف.ها أنذا ألوم نفسي مردداً جملتها المدينة لترددي ، أو المغوية لي بالمبادرة : أنت تأتي دائماً متأخّراً ..إلي أن وجدتني أصيح بصوت عال ، وكأنما أرّد علي اتهامها لي :ـ وأنت ! ..لماذا لم تنتظري؟ ووجدتني اقفل عائداً في الشارع ، متأمّلاً فصول حياتي ، موطدّاً العزم علي أن لا أضيعها حتي وإن وصلت متأخّراً …0