الرأسمالية الافتراسية تؤاخي بين الغرب وأعدائه

يبدو أن درجة سوء الفهم للإسلام وسوء التفاهم مع المسلمين في فرنسا بدأت تؤول إلى الانخفاض رغم الحرقة التي خلفتها أحداث أوائل هذا الشهر. فقد بين استطلاع للرأي العام أجرته مؤسسة إبسوس لحساب جريدة «لوموند» وإذاعة أوروبا 1 أن أغلبية الفرنسيين (53 بالمائة) يعتقدون أن فرنسا والدول الغربية عموما هي الآن في حالة حرب، ولكن 14 بالمائة فقط يعتقدون أنها حرب مع الإسلام عموما. أما البقية (86 بالمائة)، فإنهم يرون أنها حرب مع «الإرهاب الجهادي» تحديدا، ويرى 63 بالمائة من هؤلاء أن النصر في هذه الحرب سيكون حليف فرنسا في نهاية الأمر.
وكانت فرنسا أثناء الأسابيع التي سبقت جرائم القتل، بزعم الثأر للنبي صلى الله عليه وسلم، قد وقعت فريسة للحيرة والشك في القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي لا تزال تؤرقها دون أن تهتدي، منذ سنين طويلة، لأي علاج. وإذا كان «الانحداريون»، أي القائلون منذ بداية هذا القرن بحتمية انحدار فرنسا، قلة قليلة تكاد تنحصر في المؤرخ والاقتصادي نيكولا بافري، فإن الجديد في المسألة أنه قد حصل شبه إجماع بين معظم المثقفين والكتاب في الأشهر الأخيرة من العام الماضي على أن فرنسا أخذت في السقوط فعلا وأنها آيلة إلى الانهيار. وعمّت حالة من التشاؤم، بل اليأس، كان من أعراضها أن تفاقمت مساوىء المجتمع الفرنسي: الانقسام، والأنانية، والعنصرية، وكراهية اليهود مع تصاعد ملحوظ في رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) وكراهية المسلمين.
ولكن جرائم 7 يناير/ كانون الثاني لم تثر موجة استنكار عارمة في جميع أوساط المجتمع بمختلف فئاته فحسب، بل إنها حققت إنجازا لم يتردد بعض الكتاب في تسميته بـ»معجزة الوحدة» الوطنية. ولهذا فقد كان من المتوقع، وربما من المنطقي، أن تؤدي هذه الوحدة المستعادة أمام الخطر المهدد للجميع إلى تزايد كراهية كل ما يمتّ إلى الإسلام بصلة. ولكن ما حصل هو العكس. إذ إن المفاجأة التي أظهرها الاستطلاع هي أن هذه الجرائم لم تؤثر سلبا في مدى استعداد المجتمع الفرنسي لتقبّل الإسلام. صحيح أن نسبة 51 بالمائة من المستطلعة آراؤهم يرون أن الإسلام «لا ينسجم مع قيم المجتمع الفرنسي». ولكن هذه النسبة أصبحت في تناقص، حيث أنها تقل بـ 12 نقطة عن 2014 وبـ 23 نقطة عن 2013. أما نسبة الذين يرون أن الإسلام «ينسجم» مع قيم المجتمع الفرنسي فقد تزايدت لتبلغ 47 بالمائة بينما كانت في حدود 37 بالمائة العام الماضي و26 بالمائة عام 2013.
وحتى مع الأخذ في الاعتبار أن ما لا يقل عن 93 بالمائة يرون أن الديانة الكاثوليكية منسجمة مع قيم المجتمع الفرنسي وأن 81 بالمائة يرون الرأي ذاته بالنسبة للديانة اليهودية، فإن الاستطلاع أثبت وقوع تقدم ملحوظ في «تطبيع» مكانة الإسلام في المجتمع الفرنسي. تطبيع لعل مأتاه، جزئيا، أن الفرنسيين أصبحوا يفرقون أولا بين الإسلام والمسلمين، وأصبحوا يفرقون ثانيا بين عامة المسلمين المنصرفين لشأنهم وبعض أفراد أو جماعات من الضالين. والدليل أن ما لا يقل عن نسبة الثلثين (66 بالمائة) يرون أن الإسلام «ديانة مسالمة مثلها مثل الديانات الأخرى وأن ‘الجهادية’ تحريف للدين الإسلامي».
أما ما قد يبدو في الظاهر مجرد تفصيل، فإنه معطى سوسيولوجي ذو دلالة: وهو أن درجة التقبّل للإسلام ترتبط بالتوجه السياسي، حيث أن نسبة من يعتبرون أن الإسلام ينسجم مع القيم الفرنسية لا تتجاوز 39 بالمائة بين من يصوتون لليمين، ولكنها تبلغ نسبة الثلثين بين المصوتين لليسار.
ولهذا فقد كتب الفيلسوف اليساري المعروف آلان باديو أن من المغالطة تصوير الحروب التي تشنها الدول الغربية في البلاد العربية من ناحية (الحروب «التي تدمر دولا بأسرها وتسقط آلاف الضحايا دون أن تحقق شيئا سوى التفاوض مع قادة العصابات الأكثر فسادا على سلام هش حول الآبار والمناجم والموارد التي يزدهر فيها نشاط كبريات الشركات») والمضاعفات الإجرامية لهذه الحروب (الإرهاب ‘الجهادي’) من ناحية أخرى على أنها تمثل التناقض الرئيسي في عالمنا المعاصر. والسبب حسب باديو هو أن «قوات ‘الحرب على الإرهاب’ وشرطتها، والعصابات المسلحة التي تنادي بإسلام فتاك وجميع الدول بلا استثناء إنما تنتمي اليوم إلى العالم ذاته. إنه عالم الرأسمالية الافتراسية».
وعلى هذا صح القول إن الرأسمالية العابرة للإيديولوجيات قد نجحت في المؤاخاة بين الأعداء.

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية