الرأي العام المحلي والعالمي بين الحقيقة والخيال

حجم الخط
0

أحد أكثر المفاهيم تداولاً في اللغة السياسية هو مفهوم الرأي العام المحلي والعالمي. هذا المفهوم يظهر بغزارة حين تجتاح منطقة ما أزمة حادة. فور حدوث شيء من هذا القبيل ترى الجميع يتذكر، يبحث ويناجي الرأي العام المحلي والعالمي. أين هو، ما موقفه وما الدور الذي يمكن أن يمارسه ليساهم بشكل ما في وضع حد لهذه الأزمة وتجنب عواقبها الوخيمة.
من الناحية النظرية، الرأي العام هو مجمل مواقف وسلوكيات الجمهور في مختلف المجتمعات. وهي مواقف وسلوكيات تختلف من حيث الشكل والجوهر عن مواقف وسلوكيات المؤسسات والحكومات التي تدير العلاقات بين الدول. في العادة تعمل هذه على اسس تختلف، بل وأحياناً تتناقض، بشكل كبير مع مواقف وسلوكيات عامة الناس. ناهيك عن تحركها البطيء في القضايا التي لا تمس الوطن. كمفهوم مطلق، الرأي العام له قلب وضمير، لذلك تراه ينبض ويتحرك فوراً وأمام أي حدث. أحياناً يفعل ذلك بشكل عفوي وأحياناُ هنالك من يحركه ويوجهه في هذا الاتجاه او ذاك. المهم أن هنالك أيادي تقف خلفه. أياد تابعة بشكل مباشر لمؤسسات الدولة أو بشكل غير مباشر لمن يساندها من أحزاب سياسية، نقابات عمالية ومؤسسات مدنية. جميعها تقوم بذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة. بطريقة ما معظم الحكومات تحاول تسخير الرأي العام في صالحها، وتفعل ذلك توازياً مع العمل الدبلوماسي، الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه أو تنوي ممارسته.
لا أحد ينكر قيمة وقوة الرأي العام في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية. في هذه الدول الجماهير تعبر عن إرادتها بحرية ومن خلال القنوات المتاحة. وتتجسد هذه الإرادة شكلياً وفعلياً في صناديق الاقتراع. من خلال الانتخابات النزيهة يعبر الشعب عن موقفة الرافض لهذه الحالة او المؤيد لهذه القوة أو تلك. وعلى هذا الاساس تتحرك الحكومات في ما يخص الشأن المحلي بالتحديد. أما في ما يتعلق بالشأن الخارجي، فمن يعرف عن قرب فحوى الحملات الانتخابية، أو يقرأ منشورات الاحزاب السياسية يعلم أن الأحداث الخارجية لا تحتل سوى بضعة أسطر من برامجها العامة، لعلمها بأن ما يهم الناخب هو ما يحصل داخل بلاده وليس ما يجري في دول نائية. وان كانت هنالك ردة فعل ذات قيمة فهي ناتجة عن حس إنساني وليس عن التزام بتغيير الحال. في حال كثير من المنظمات، تحريك الرأي العام له علاقة بمصالح سياسية ومنافع مالية بحتة، فهي تستفيد أكثر مما تفيد.
تحريك الرأي العام يعتبر واحدا من أقدم أساليب العمل السياسي الشعبي. أكثر الحكومات اتباعاً لهذا السلوك هي تلك المدارة من قبل الأنظمة التي تتصف بالشمولية والديكتاتورية. بعكس الأنظمة الديمقراطية، فتجييش هذه للرأي العام يشكل حركة لافتة للانتباه وشكلا من أشكال الابتزاز. مع ذلك، من السهل على المرء أن يكتشف إن كان تحرك جمهور معين نابعا عن ارادة ذاتية أو أن هنالك أجهزة ما تديره. في معظم الحالات هذا ما يحصل في علاقة الحكومات المستبدة مع شعوبها. تتصرف بهذا الشكل كما لو أن الغير يجهل حقائق الواقع. الكل يعلم بأن هذه الحكومات توجه الشعوب حسب وكيفما تشاء. بهذه الطريقة يتحول الرأي العام لمجرد شكل بلا مضمون. كتل بشرية تهيج وتهدأ حين يقرر من يقف خلفها ذلك.
مثل هذا التصرف جعل الغير ينظر لكثير من الشعوب كما لو أنها ظاهرة صوتية فقط. في كثير من الدول الرأي العام مختزل في شخص أو فكر واحد. من يخرج عن هذا النطاق يعتبر متفلسفاً، ملحداً أو خائنا. ولا يُسمح بوجود رأي آخر مختلف ولا خلق قنوات إيصال وتأثير لكي يعبر كل شخص من خلالها عما يجول بخاطره. بكلمات أخرى، الرأي العام مكتوم ومطموس ويجب له أن يستمر هكذا طالما ليس هنالك قرار يدحض ذلك. الناتج هو أنه حين تسنح الفرصة ترى الفرد يعبر عن ذاته من خلال العنف والعنف المضاد. ما حدث في تونس، اليمن، ليبيا، مصر وسوريا خير دليل على ذلك. طالما لم يجد المواطن بديلا واضحا فسيبقى دائماً أسير شعوره وغرائزه الجارفة.
على مستوى آخر وبحكم كون الدول العربية الأكثر تعرضاً للهزات السياسية، فهي كذلك الأكثر تطلعاً وبحثاً عن الرأي العام العالمي قبل المحلي. لا يعبر ولا يُقرأ خبر متعلق بالمنطقة إلى ترى له ارتباطا بالرأي العام العالمي أو بالمجتمع الدولي. لدرجة أصبحت كلمة نناشد، نطالب، نحث، نتمنى، نأمل ونهيب بالرأي العام العالمي (الجماهير) وبالمجتمع الدولي (دوله ومؤسساته) مصاغة بشكل تلقائي وتقع على سمع المواطن كوقوع كلمة نستنجد، نستجدي، نترجى ونبتهل. من كثر ما سمع الإنسان العربي تعبير الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي أضحى يعتقد بأن مصيره مرتبط ارتباطاً عضوياً بردة فعل هذا ومن يقف من خلفه من دول ومؤسسات رسمية أو شبه رسمية. الغريب أن كلا من الحاكم والمحكوم أضحيا يركنان لهؤلاء، في انتظار أن يفعلوا شيء لإنقاذهما معاً، بدلا من استنهاض الطاقات والتعمق في الذات وإمكانيتها.
من الخطأ أن المراهنة على الرأي العالمي وإمكانية تدخله المباشر والفعلي من أجل حل المشاكل الداخلية، خاصة إن كان حجم وتعقيدات هذه تتجاوز مقدرات الشعوب وحكوماتها. حيال أزمة معينة وفي لحظة ما يمكن أن تخرج مظاهرات ترفض أو تدعم ما يحدث هنا أو هناك، كما هو حاصل حالياً في سوريا وفلسطين. لكن في لحظة الفصل فان القرارات وتحركات الحكومات تنبع اساساً من حسابات قائمة على علاقات مصالح وقوى وليس على اساس رغبة ومشاعر الشعوب. كذلك على مقدرة كل طرف على فرض نمط معين من السلوك على هــذه العلاقة. في النهاية، فان الرأي العام العالمي يكن الأعجاب لمن يثبت أنه الأقوى فعلاً لا قولاً.
حالياً معظم الحكومات والمؤسسات الدولية غير قادرة على تغيير موازين القوى في النزاع القائم بين روسيا وأوكرانيا، أو في داخل سوريا. فكيف يمكن لشعوبها أن تفعل شيئا إن لم تكن تملك عامل الضغط المباشر لتحسم الأمور. ولو كان للرأي العالمي فعلاً قوة تأثير لحرر فلسطين منذ عدة حقب. فمعظم شعوب العالم متضامنة مع شعبها ضد المحتل الإسرائيلي ويومياً هنالك مظاهرات معبره عن ذلك في احدى المدن. لكن في الواقع هذا لم يغير كثيراً مجري الامور. فما زال الاحتلال قائما وبشراسة ومازال الشعب الفلسطيني يناضل وحده في أرض المعركة. ناهيك الآن عن سورية، التي يواجه شعبها مصيره الدموي على مسمع ومرأى الرأي العالمي ومختلف الدول والمؤسسات العالمية، بدون أن يفعل أو يؤدي ذلك لشيء يستحق الذكر. هذا يحمل على التأكيد أن سر القوة يكمن في قرار تضافر وتفعيل العوامل الداخلية أولاً، وما يأتي بعد ذلك ليس سوى أمر إضافي.
في لحظة معينة من الصراع يصل الإنسان لقناعة بأن الرأي العام، محلياً كان أو عالمياً، ليس سوى وهم وخيال. وأن هنالك من يستخدمه كمصطلح من أجل تبرير عجزه وتحنيط شعبه، أو كلاهما معاً. وفعلاً شعوب كثيرة من العالم خدرت بمخدر الرأي العام العالمي. حالياً هنالك من يعتقد أن هذا المخدر أكذوبة غير مقنعة، بل ومن كثرة تعاطيه أضحى بلا فاعلية. لقد خدرت الشعوب الراغبة بالحرية بمخدر الرأي العام المحلي والعالمي نتيجة الفراغ، الانفصام وعدم الثقة بين الحاكم والمحكوم. فراغ، انفصام وعدم ثقة يجب املاؤها بشكل ما. والرأي العالمي يوظف ليقوم جلياً بهذه المهمة. ترى من يفعل ذلك يفعله من أجل ايهام البعض بأن شيئا ما سوف يحدث بفضل وعلى أيدي الرأي العام العالمي. المهم ألا يفقد أحد الأمل وألا يتحرك من تلقاء نفسه.
والمشكلة الأكبر تكمن في الإيهام بأن هنالك شعوبا واهنة وضعيفة وليس امامها سوى خيار الارتكاز والارتكان للرأي العام العالمي. من يثق حقاً بمقدرات الشعوب لا يمكن أن يضع كل الرهانات بمربع واحد ويربط المصير العام بما يمكن أن يقوله أو يفعله الرأي العام العالمي. يجب التنويه بأن الرأي العام المحلي والعالمي ليس سوي أنا، انت، هو، هي، هم ونحن. فان لم يفعل كل منا شيئاً ما، فما قيمة التكلم بضمير الغائب.

كاتب فلسطيني – إسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية