الرؤوس والأحذية

حجم الخط
0

الرؤوس والأحذية

رشاد أبو شاورالرؤوس والأحذيةقبل الترب، لا تقل أنا حالمهذه (غزة) العلي والمكارمهذه أرضنا الحبيبة يا قلبي وهذي رسومها والمعالم(من قصيدة بقايا أهلي)اخترت أول بيتين في قصيدة (بقايا أهلي) للشاعر الفلسطيني الكبير (أبوسلمي)، الذي يشرفني أنني أطلقت عليه لقب (زيتونة فلسطين)، حين قدمته في حفل تكريمه في قاعة (جمال عبد الناصر)، بمناسبة منحه جائزة (لوتس) لكتاب آسيا وأفريقيا عام 78، للتقديم لمقالتي…هذان البيتان من قصيدة قالها أبوسلمي عند زيارته لقطاع غزة عام 66، بمناسبة انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب الفلسطينيين.أبو سلمي كما في مطلع قصيدته انحني ومرغ جبينه بتراب غزة، وقبل رمل بحرها، فهو يلتقي تراب وطنه الذي اقتلع ورمي بعيداً عنه، بلهفة المشتاق، وغبطة الجذلان بعد طول غربة، هي غربة حتي لو كانت في دمشق التي أحبها، وعرفها كثيراً، قبل نكبة فلسطين عام 48.مرغ أبوسلمي جبينه، ولم يغبر حذاءه، وهو اذ ينحني علي التراب كان يتحد به عقلاً، وقلباً، وروحاً، يصلي له، يتشمم فيه عبق التضحيات، والخصب، والانتماء…لا أريد أن أناقش ما جاء في خطاب السيد محمود عباس رئيس سلطة الحكم الذاتي ـ واسمها هكذا كما ورد في بنود اتفاق أوسلو ـ لأنه باختصار اتخذ قراره ووضع شعبنا وقضيتنا علي حافة الهاوية، ودشن مرحلة دموية رغم قوله بأنه يرفض الحرب الأهلية، ومع حرمة الدم الفلسطيني.انزعجت كثيراً من الخطاب، ومن الدعوة للانتخابات المبكرة، وعزيت نفسي بأنه أبقي الباب موارباً، مع يقيني بأنها مواربة سياسية أقرب ما تكون الي الكمين.وزير العدل الفلسطيني السابق الأستاذ ناهض منير الريس، الذي عرفناه في الستينات شاعراً (غزيا)، والذي وصلنا صوته عبر مجلات ثقافية عربية، كفانا بمقالته المعنونة: القانون لا يجيز للرئيس الدعوة لانتخابات مبكرة، والتي وصلتي بالبريد الالكتروني، عناء البحث عن مبررات قانونية لا تجيز لرئيس السلطة السيد محمود عباس الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة.أنا فقط أريد التوقف عند نقطتين وردتا في خطاب رئيس السلطة، هما: الرؤوس، والأحذية المغبرة.قال الرئيس عباس: لا يوجد رأسان في البلد…أنا أساله: ماذا تعني بالبلد؟ مناطق (أ) أم (ب) أم (ج) ؟! أم تقصد بلاد (الحواجز) كما سماها الدكتور عزمي بشارة، وكتب عنها رواية بنفس الاسم، أتمني لو أنك قرأتها !البلاد لم تحرر، فهي ازدادت عبوديةً، وضياعاً، وتمزيقاً بفضل (أوسلو) الذي تباهي أنك من وقع عليه، والأمر لا يدعو للمباهاة والفخر، بعد أن أضعتم الأرض، والحقول، وأتبعتم الاقتصاد للاحتلال، وأبقيتم الأسري في السجون والمعتقلات، علماً أنه في أي مصالحة بين المتحاربين يكون البند الأول اعراباً عن حسن النوايا هو تبادل الأسري، وتحرير كل من في السجون، لكنكم كنتم مستعجلين وفي سباق مع قيادة (الداخل) التي انتدبت لتفاوض في (مدريد) و(واشنطن)، برئاسة الدكتور حيد عبد الشافي.اذا كانت البلاد غير حرة فالرؤوس جميعاً تتساوي في الذل والهوان، الا اذا اختارت المقاومة والتحدي لتكون رؤوساً مرفوعة رغم بطش الاحتلال .في الحالة الفلسطينية، في مناطق السلطة، تتساوي الرؤوس بنظر الاحتلال، فلا يحق لها أن ترتفع، والرأس الذي يرتفع و(يفرعن) برضي الاحتلال، وبتسهيلاته، وبالـ vip، يمكن تنكيسه بسحب هذه الـ vip منه، ومساواته مع المستباحة بلادهم ومواطنتهم، مع فارق أن رؤوس كثيرين منهم ترتفع بكبرياء مقاومتهم لهذا الاحتلال حتي داخل السجون والمعتقلات.نحن نعرف أن أي حاجز، يتحكم به جنود ومجندات، يمكن أن يحني أي (رأس) ويوجه له الاهانات، وهذا ما حدث مع زميلك رئيس المجلس التشريعي السابق (أبوعلاء قريع)، رغم مباهاته مثلك بالتوقيع علي أوسلو، ومنافسته لك بدليل أنه وضع اسمه علي كتابين ضخمين عن بلائه الحسن في المفاوضات (السرية) المضنية التي دارت في عتمة (أوسلو)! …وبمناسبة الحديث عن الرأس الواحد ـ أنا لا أميل لتأنيث الرأس كما يفعل بعض الكتاب، وهذا ليس انحيازاً للذكورية ـ أسألك : ألم يقتل الاحتلال (رأس) السلطة ياسر عرفات و..لم تفعلوا شيئاً، حتي أنكم للآن لم تأمروا بتشريح الجثة، أو توجيه تهمة حقيقية للقتلة المعروفين!ماذا عن الأحذية؟!أنت تحسب يا أبا مازن أنك تحرج أحداً ما، عندما تقول: أنا أريد أن أسال الذين يعانون، وليس أولئك الذين لم يغبروا أحذيتهم بتراب الوطن…أحرجت نفسك بهذا التعبير غير الموفق، والمزاود، والذي لا يحترم الوطن نفسه.فتراب الوطن ليس لتغبير الأحذية، ولكنه لكل ما يجعل الوطن سيداً حراً، مثمراً، حضارياً، متمدناً، متطوراً …الفلسطينيون في المنافي والشتات، كلهم يريدون العودة للوطن، وهم سينحنون علي ترابه ليقبلوه كما فعل شاعرنا (أبوسلمي)، وليمرغوا رؤوسهم فيه، وليهمسوا له بأنهم عادوا رغم المنافي، ولم يندثروا في الغربة، ولذا فهم يستحقون أن يهنأوا بالعيش في ربوعه كما عاش في أفئدتهم وعقولهم وأحلامهم.كلما اختلف واحد من جماعة السلطة مع صاحب رأي فلسطيني ناقد للسلوكيات والممارسات المنحرفة والفاسدة، فانهم يسألون ببجاحة: أنت لا تعاني مثلنا في الوطن!، أو: تعال وشاركنا المعاناة، مع أن شعبنا يعرف أنهم لا يعانون، ولن يشاركوا أحداً في (الغنائم) التي ينهبونها من عافية الوطن والناس.كثيرون يسألونكم : هل تملكون السيادة علي معبر رفح حتي تزاودوا علي ملايين الفلسطينيين في المنافي والشتات، وتطلبون بخفة من كل من يحرجكم برأي، أن يحضر ليعاني؟!يا أبامازن: يمكن لأي فلسطيني، من فتح، وغير فتح، أن يسألك: هل غبرت يوماً قدميك بزيارة قاعدة عسكرية من أغوار الأردن الي جنوب لبنان؟!ألم تسخر دائماً من المقاتل الفلسطيني المغبر، المعفر الرأس، والجسم، والملابس، والبندقية؟!هل تعتبر أن تغبير حذائك هو قمة التضحية والوطنية؟!أنت تعرف أننا نعرف، وأن شعبنا يعرف، بأن (بعض) من (عادوا) الي الضفة والقطاع قد أثروا، وأثري أبناؤهم، وأنهم قد أفشوا الفساد، ونهبوا، وسمسروا، واستولوا علي (تراب) شاطئ غزة وبنوا عليه الفلل التي تبز قصور أمراء النفط العرب، بالبلطجة، وبالسطو. انهم (شريحة) منتفعي (أوسلو) المنغنغين في (بلاد) أهلها يجوعون، يدفنون أشلاء أبنائهم وبناتهم في تراب (بلدهم)، لتبقي رؤوسهم مرفوعة رغم الاحتلال، ولا يباهون بتضحياتهم التي تفوق كثيراً تضحياتكم بتغبير أحذيتكم!وأخيراً سأهمس لك بهذا السؤال الذي وجهه لي شاب فلسطيني: هل سبق في يوم من الأيام أن تصورت، مجرد صورة، وأنت بملابس الكاكي، وعلي خاصرتك مسدس، وفي يدك كلاشنكوف؟!وهل لأنك دائماً سخرت من (الكاكي) و(الفدائي) و(الكلاشنكوف)، تحيط نفسك بكل من يسخرون من المقاومة، ممن أثروا علي حساب الشعب المقاوم، و..لا يريدون أن يحلوا عن ظهره حتي آخر قطرة دم في عروقه، وضياع آخر حفنة تراب من تراب (بلده) فلسطين، الذي نكحل بحبات منه عيون شهدائنا ليكون شفاعتهم بين يدي الله يوم القيامة، وتتأففون من (تغبيره) لأحذيتكم لو صادف وهبطتم من سياراتكم الفارهة، أو اضطررتم لمشي خطوات في شارع من شوارع (بلادنا) التي يدمرها الاحتلال..هنا أتوقف، رغم أنه لدي الكثير لأقوله لك أيها الرئيس، الذي أتمني من كل قلبي أن يكون (رأساً) في مواجهة (أولمرت) لا اسماعيل هنية، أو فاروق القدومي… 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية