صحيح أن انتخابات فرنسا كانت أشبه بالتحاليل التي كشفت جنس المولود الجديد في قصر الإليزي ذكر، وجنسه الإيديولوجي يميني، وجنسه العرقي مجري متفرنس. ولكنها كشفت عن أشياء أخري كانضمام فرنسا إلي الحلف الأمريكي وتعويض ساكوزي المولود لتوني بلير المفقود. وهو ما سيؤدي بهذا الرجل البرغماتي إلي تحويل دفة التوجه الرسمي الفرنسي بدرجة كبيرة عما كانت عليه منذ ميلاد الجمهورية الخامسة علي يد الجنرال دوغول. بحيث يمكن الجزم والقول إن المواقف الفرنسية من الخطوب الجسيمة سوف لن تتوقف عند حد حشر النفس في المسائل ذات الصلة بفرنسا من حيث تحقيق المصلحة أو درء المفسدة كما حصل عام 1956 إبان العدوان الثلاثي علي مصر، بل سيصبح دور فرنسا لا يختلف كثيرا عن دور الأردن أو السعودية أو مصر أو بقية الإمارات المجهرية الخليجية التي تجعل مواقفها وأموالها تحت الطلب وفي الخدمة وتضع جيوشها عدة وعددا رهن الإشارة وطوع الأمر كالمرتزقة. لأن الدعم الأمريكي الذي حظي به ساكوزي مترشحا لم يكن بريئا أو لله في لله. إنما يحمل أكثر من دلالة، وإن حدث هذا ودخلت باريس الحلف اليميني الإنجيلي الأمريكي فإنها ستخسر الكثير من تراث ماضيها ومكاسب حاضرها وأمال مستقبلها… رئاسيات فرنسا تقرأ كذلك في نفس الميزان الديمقراطي تقابلها نظيرتها في تركيا فتكشف للناس أن أبناء نابوليون أعادوا العزم مرة أخري علي ألا سبيل للعودة إلي حالة ما قبل تدمير الباستي، ولكن أبناء أتاتوك حطموا صرحهم الديمقراطي مخافة أن يفتح الباب العالي ويخرج المارد الإسلامي من قمقمه. وبمقارنة بسيطة يمكن القول أنه في الوقت الذي لعبت فرنسا قمة الديمقراطية إقترفت تركيا البلطجة السياسية، وفي حين أن الفرنجة أكدوا مرة أخري قبر الإمبراطورية بالجمهورية واللائكية والديمقراطية واحترموها منذ 1789، قَبَرَ الأتراك الخلافة العثمانية الإسلامية بالعلمانية والجمهورية واللائكية، وطال عليهم العهد ولو كان قصيرا لم يبلغ قرنا. فما احترموا من ذلك شيئا. وتحركت فيهم جينات أتاتورك فجعلت أبناءه يتعاطون مع نصوص قوانينهم ودساتيرهم كما تعاطي أجدادهم مع نصوص التوراة بأخذ ما علي الهوي وإسقاط مادونه.. المقارنة بين فرنسا وتركيا تثبت أيضا أن الفرنسيين رضوا بإفراز الصندوق رئيسا من عرق غير فرنسي في سبيل الصالح العام لفرنسا ومستقبلها، أما الأتراك فتنكروا لكل شيء بدءا بالديمقراطية التي قبلوها ولم يقبلوا إفرازها لرئيس إسلامي. وقامت الطغمتان المتحالفتان العسكر واللائكيون بالانقلاب علي غول والإسلاميين والأغلبية البرلمانية. والحاصل أن فرنسا زكت ديمقراطيتها وأثرتها وجددت العهد معها، أما الأتراك فطلقوها بالثلاث البائن الذي لا رجعة فيه، وأنزلوا تركيا منزلها في زمرة المتخلفين الديكتاتوريين وأعطوا حججا دامغة علي أن فضاء الإتحاد الأوروبي لا يسعهم ولا يقبل أن يكون بين أعضائهم نقطة سوداء ولطخة ديمقراطية و نوتة نشازا في المعزوفة الحضارية الأوروبية. وأن ما حدث في تركيا ولتركيا سيجعلها تعيش زمنا طويلا كالمعلقة، فلا هي أوروبية كالاوروبيين، ولا أسيوية كالآسيويين، ولاهي ديمقراطية كالديمقراطيين ولا ديكتاتورية كدكتاتوريات العرب.
عبد الله الرافعيالجزائر[email protected]