الرئيس الإسرائيلي: نحن على شفا صدام عنيف وحرب أهلية

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

في خطاب عاطفي بدا كمحاولة توّسط أخيرة بين المعسكرين المتصارعين حول “الإصلاحات القضائية”، دعا رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ، الإسرائيليين للبحث عن الشراكة، وعمّا يوحّدهم لا ما يفرقهم، مذكّراً بأن أعداءهم يراقبونهم بفرح وسرور.

وإزاء عدم قبول التسوية من قبل الائتلاف الحاكم، واشتراط الموافقة عليها من قبل المعارضة، تتواصل الاحتجاجات وتتصاعد، وسط مخاوف من اتّساع حالة التشظي الإسرائيلي الداخلي، ومن سفك دماء في الشوارع مثلما سبق وحذر المستشار القضائي السابق لحكومة الاحتلال موشيه ماندلبليت.

في خطابه المتلفز، انضم هرتسوغ للمحذرين من المخاطر الكبيرة في تعميق حالة الصدع والتشظي في صفوف الإسرائيليين، فقال: “أخواتي وإخوتي، نحن في أيام تاريخية، أتوسل لكم، أرجوكم، فما فينا يكفينا، فأعداؤنا في الخارج يرقبوننا، ويفركون أياديهم بسعادة وتشفٍ، لأننا نقوم نحن بأيدينا بالعمل الذي يتمنوه وندمر ذاتنا”.

في مقدمة خطابه، حذّر الرئيس الإسرائيلي من الاستقطاب الحاصل، وقال: “نحن الآن على حافة مساس الأخ بأخيه”. ودعا هرتسوغ الحكومة إلى عدم طرح خطة الإصلاحات في الجهاز القضائي على المجلس التشريعي للمصادقة عليها بالقراءة الأولى المقررة لليوم الإثنين، موعد بدء مرحلة تطبيق الخطة.

مبادئ التسوية المقترحة

وناشد هرتسوغ الائتلاف الحكومي خوض التحاور مع المعارضة على جناح السرعة، محدداً خمسة مبادئ لإطلاق هذا التفاوض تتعلق بتنظيم العلاقات بين السلطتين التشريعية والقضائية، وهي: عدم إدراج التشريعات الحالية للتصويت بالقراءة الأولى، لإتاحة المجال للحوار مع المعارضة، وتعديل مقترح لجنة تعيين القضاة، بحيث لا تكون أغلبية تلقائية لأيّ جهة من الجهات في اللجنة، مع ضمان تعيين ممثلين عن الحكومة وعن الكنيست وعن القضاة وعن الجمهور. كما تتضمن التسوية المقترحة تعديل مقترح الحكومة بإلغاء صلاحية “المعقولية” التي يتمتع بها القضاة اليوم، وتمكّنهم من التدخل وشطب قرارات حكومية حماية لحقوق المواطنن وحريات الإنسان. كما تشمل الرؤية الوسطية لهرتسوغ سنّ قانون أساس شامل لتسوية طرق التشريع للقوانين العادية وقوانين الأساس في الكنيست، ويكون ناظماً لكل عملية التشريع بالتوافق المبدئي من قبل المعارضة والائتلاف. كذلك تشمل تسوية هرتسوغ المقترحة دعم وتعزيز المحاكم للتغلّب على الضغط وكثرة الملفات القضائية مقارنة بعدد القضاة القليل من خلال زيادة عدد المحاكم والقضاة.

مباركة السفير الأمريكي

يشار إلى أن اللجنة الوزارية لشؤون التشريع صادقت، أمس الأحد، على مشروعي قانون طرحتهما الحكومة بخصوص هذه الخطة القضائية، ويقضي أولهما بتعديل قانون أساس الحكومة بهدف منع قضاة من إصدار رأي يتضمن انتقادات بخصوص تعيين وزراء أو إلغاء هذه التعيينات، وهذا يعرف إعلامياً بقانون درعي، لأنه قد حيك على مقاسات رئيس حزب “شاس”، الوزير المستقيل آرييه درعي، بقرار من المحكمة العليا كونه قد أدين بالفساد عدة مرات، واتهمته المحكمة بالتغرير بها، والآن يتطلع رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو لاستعادته لطاولة الحكومة بكل ثمن لأنه حليف قديم ومخلص له. أما مشروع القانون الثاني، فيتعلق بإدخال البند الخاص بفقرة التغلب أو الاستقواء في قانون أساس القضاء القاضي بجعل الغلبة للكنيست مقابل المحكمة العليا في حال قامت هذه بشطب قانون معيّن، وهذا ما تعتبره المعارضة وكل المناهضين لخطة الإصلاح القضائية تعزيزاً لقوة السلطة التنفيذية على حساب السلطة القضائية. كما تم أمس إقرار مشروع القانون القاضي بأن يعمل قسم التحقيقات مع أفراد الشرطة تحت إمرة وزير القضاء ومدير وزارته بدلاً من إمرة النيابة العامة، وهذا ما تعتبره المعارضة تسييساً لجهاز مهم يعنى برقابة عمل سلك الشرطة. وحظيت تسوية  هرتسوغ المقترحة بمباركة رؤساء الجامعات والمصارف، مثلما باركها السفير الأمريكي في القدس المحتلة توم نايتز، الذي قال إنه سمع خطاباً كبيراً من قائد كبير، لكن تسوية هرتسوغ المقترحة لم تقلّص الفجوة بين المعسكرين المتصارعين حول “خطة الإصلاحات القضائية”.

خطاب منافق

بعد إنهاء الخطاب بدقيقتين، سارع وزير الاتصالات شلومو كارعي، المقرب من نتنياهو، لرفض التسوية المقترحة، واتهم هرتسوغ بالنفاق والرياء. وفيما يواصل نتنياهو الصمت، لم يرفض وزير القضاء ياريف لافين، قائد “خطة الإصلاحات”، والمقرب جداً من نتنياهو، تسوية هرتسوغ المقترحة، لكنه شّدد على عدم رغبته في وقف عملية التشريع التي تنطلق اليوم الإثنين، زاعماً أنه بالإمكان الحوار مع المعارضة دون وقف أو إرجاء عملية تشريع القوانين الجديدة بالمرحلة التمهيدية. وتابع: “تتضمن تسوية هرتسوغ مركّبات إيجابية، وهناك مركّبات تكرّس الوضع المعوج. كما قلت طيلة الطريق أنا مستعد ومعني بالقيام بحوار حقيقي مع أعضاء المعارضة ممن يوافقون على ذلك، ومن الجدير أن يبدأ الحوار فوراً. ومع ذلك، وكي لا يتحول الحوار لوسيلة مماطلة وإرجاء أو منع إصلاحات جوهرية داخل جهاز القضاء، ينبغي عدم الربط بين هذا الحوار وبين التقدم في خطوات التشريع. نملك وقتاً كافياً كي نتحاور ونتوصل لتفاهمات قبيل المصادقة على القوانين المقترحة بالقراءة الثانية والثالثة”.

وبذلك رفض لافين عملياً دعوة هرتسوغ للامتناع عن التصويت على مشاريع القوانين الجديدة بالقراءات الأولى، ومع ذلك، فقد تم إرجاء التصويت الأولي على هذه القوانين المقترحة، فيما تقتصر المداولات اليوم الإثنين على إعداد مشاريع القوانين هذه في لجنة التشريع البرلمانية تمهيداً لطرحها للتصويت عليها لاحقاً. لافين بذلك يحتفظ له ولمعسكره بموقع قوي في أي حوار أو مفاوضات حول خطته الإصلاحية، وهذا ما ترفضه المعارضة وتعتبره تحايلاً وخدعة لأن الائتلاف الحاكم سيستطيع عندئذ وقف الحوار والمضي باستكمال التشريع وفرض الحقائق على الأرض.

تعليق التشريع أولاً

وأعرب عدد من قادة المعارضة عن موافقتهم على تسوية هرتسوغ، شريطة أن تتوقف فوراً عملية التشريع، وقال رئيسها يائير لبيد إنه خلال الحوار لن تتوقف الاحتجاجات. وفي تعقيبه قال وزير الأمن السابق، وأحد قادة المعارضة بيني غانتس، إن “تعليق التشريعات هو شرط لكل حوار حول الخطة الإصلاحية القضائية التي تعتبرها المعارضة انقلاباً على الديمقراطية”. وتابع في منشوره: “في حال تم وقف التشريع، ودعوتنا كافتنا لمقر رئيس الدولة للقيام بحوار حقيقي سنكون أول من يمثل هناك”.

من جهتها كانت رئيسة حزب “العمل” المعارض، وزيرة المواصلات السابقة، أكثر حدة برفضها التسوية والتوافق مع “انقلاب دستوري”.

وبعد تصريحات لافين، غيّر قادة المعارضة لهجتهم وعبّروا عن رفضهم لخطة الإصلاحات، وحمّلوا الائتلاف مسؤولية إفشال مساعي وساطة هرتسوغ. وعلى خلفية كل ذلك، دعا أقطاب المعارضة لتصعيد الاحتجاجات على “الانقلاب على الديموقراطية”. وتتجند الأغلبية الساحقة من وسائل الإعلام العبرية لجانب المعارضة في معاداة “خطة الإصلاحات” التي تقودها الحكومة وسبق أن وعدت الإسرائيليين بها قبيل انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين (الأول في نوفمبر الماضي).

الاحتجاجات تتصاعد

وصعّدت صحيفة “هآرتس” لهجتها الحادة ضد ما تعتبره انقلاباً على الديمقراطية والتقدم نحو الفاشية، وذلك في افتتاحيتها اليوم بعنوان: “يوم الإثنين الأسود”. فيما تغيب القضية الفلسطينية عن هذه الاحتجاجات والمظاهرات، وسط ارتفاع التوتر في الأراضي الفلسطينية في ظل تصعيد الاحتلال اعتداءاته، وآخرها عمليات هدم منازل في القدس المحتلة، وتشريع تسع بؤر استيطانية، وإطلاق الحبل للمستوطنين في التهويد والاستيطان والاعتداء على الفلسطينيين.

ويشارك في الاحتجاجات أوساط من اليمين والمستوطنين ممن يؤيدون خطة الإصلاحات القضائية، لكنهم يتحفظون من حجمها وقوتها وسرعة إخراجها لحيز التنفيذ مثلما تقلقهم حالة التشظي الداخلي التي يعتبرونها هم أيضا تهديداً إستراتيجياً. يشار إلى أن أوساطاً إسرائيلية سبق وحذرت في الماضي من التصدعات الداخلية المتزايدة في إسرائيل في السنوات الأخيرة: بين يهود غربيين ويهود شرقيين، بين متدينين وبين علمانيين، بين يمين وبين يسار صهيونيين، بين اليهود والعرب.

في خطابه المعروف بـ”خطاب الأسباط” قال رئيس إسرائيل السابق رؤوفين ريفلين خلال مؤتمر المناعة القومية في مؤتمر هرتزيليا الأمني عام 2015، إن الانقسامات الداخلية في إسرائيل أخطر عليها من قنبلة إيران.

وانطلقت هذا الصباح احتجاجات واسعة تكون المركزية فيها قبالة مقر الكنيست في القدس المحتلة، عند ظهر اليوم، حيث من المتوقع أن يشارك عشرات الآلاف وأكثر، تزامناً مع بدء مداولات تطبيق “خطة الإصلاحات” قانونياً، فيما أعلنت مئات أماكن العمل في القطاع الخاص عن الإضراب، مثلما أعلن عدد كبير من الجامعات والمدارس عن السماح للمعلمين والطلاب بالمشاركة في الاحتجاجات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية