الرئيس الراحل محرك أساسي للدبلوماسية الاقتصادية.. أي سياسة اقتصادية بعد الباجي؟

حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: “تجربتنا الديمقراطية هشة ما دمنا لم نحقق تقدماً اقتصادياً” تلك المقولة قالها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في آخر حوار أدلى به لـ “القدس العربي” وهي تؤكد أن الرئيس التونسي كانت له رؤية خاصة للوضع الاقتصادي الصعب في البلاد، وأن هذا الملف هو من الأهمية بمكان من أجل إنجاح مسار البلاد وديمقراطيتها الناشئة.

ويجمع المتابعون للشأن الاقتصادي على الدور الهام الذي لعبه الرئيس الراحل في إرساء دبلوماسية اقتصادية كان لها أثرا بالغا في انتعاش الوضع في البلاد رغم كل التحديات. فمن بين الملفات التي أولاها عناية خاصة هو الملف الاقتصادي رغم ان الدستور التونسي منح هذا الملف بالأساس لرئيس الحكومة، وأوكل لرئيس الجمهورية وزارة الخارجية والدفاع.

وعلى غرار الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، لم يكن الباجي قايد السبسي رجل اقتصاد، بل كان سياسيا بامتياز نال الحقائب السيادية زمن بورقيبة وهي الداخلية والدفاع والخارجية. وحتى اضطلاعه بملف السياحة مع بداية الاستقلال قبل التحاقه بوزارة الداخلية مديرا عاما للأمن الوطني، لم يكن كافيا ليجعل منه مخططا بارعا للسياسات الاقتصادية وبقي وفيا للبورقيبية حتى من هذه الناحية حيث كان الزعيم يوكل إدارة الملفات الاقتصادية بصورة مطلقة إلى أعضائه ومنهم أحمد بن صالح والمرحوم الهادي نويرة.

لكن سعة علاقات الباجي قايد السبسي داخليا وخارجيا، والتي اكتسبها من مسيرة سياسية طويلة وثرية يصعب النسج على منوالها، ساهمت في اكتساب تونس ثقة عديد المؤسسات المالية التي كانت تستجيب لطلبات الدولة التونسية رغم التأخر في القيام بالإصلاحات. كما كان وجود الرئيس الراحل على رأس السلطة واستغلاله لشبكة علاقاته الخارجية سببا في نيل تونس للدعم المالي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبعض بلدان مجلس التعاون الخليجي.

 دور هام

المحلل الاقتصادي والمالي معز الجودي اعتبر لـ”القدس العربي” أن الرئيس السبسي لم تكن لديه صلاحيات دستورية كبيرة، فحسب الدستور فإن للرئيس حقيبة الخارجية والدفاع فقط في حين ان المسائل الاقتصادية لدى الحكومة، لكن الرئيس كان فاعلا في المجال الاقتصادي من ناحية مكانته وصداقاته وعلاقاته على المستوى الدولي. ويضيف: “علاقة الرئيس الراحل بكريستيا لاغارد المديرة العامة للصندوق الدولي كانت جيدة، فالباجي كان محاورها الرئيسي وكانت هناك ثقة متبادلة بين الطرفين كان لها تأثير واضح على سياسة الصندوق تجاه تونس. ففي الأعوام الأخيرة قدم الصندوق دعما كبيرا لتونس وسارع في تحويل عديد الأقساط لبلادنا في شكل قروض فاقت 5 مليارات دولار وكان ذلك مع تباطؤ المؤشرات الاقتصادية ورغم تأخر تنفيذ الإصلاحات المطلوبة”. من هنا اعتبر ان صندوق النقد كان متسامحا نوعا ما مع تونس والفضل يرجع في جزء منه إلى السبسي الذي عرف كيف يطمئن المديرة العامة ويعطيها إشارات إيجابية والشيء نفسه مع دول أخرى مانحة منها الاتحاد الأوروبي وأمريكا. فخبرته في مجال العلاقات الخارجية ومكانته على المستوى الدولي جعلته يطمئن الممولين الأجانب. ويضيف محدثنا: “الباجي لا يمكن تعويضه من هذه الناحية بسهولة والرئيس القادم مطالب بلعب هذا الدور الذي كان يلعبه السبسي وليس أي رئيس جمهورية سيكون له الماضي والكاريزما وشبكة العلاقات التي كان يمتلكها الباجي. فعلى المستويين المالي والاقتصادي سيكون خسارة لتونس”.

ويوضح ان الباجي قايد السبسي كان يلعب دورا كبيرا في ارساء نوع من التوازن على مستوى المشهد السياسي ما بين الأطراف المتناحرة والجهات السياسية التي تخدم في مصالحها. فالباجي لعب دور الوسيط، والاستقرار الذي كان موجودا نسبيا يرجع في جزء كبير منه إلى هذه السياسة الحكيمة التي اتبعها، فالرئيس القادم يجب ان تكون لديه الخصال نفسها وان يكون ملما بكيفية ابراز صورة جيدة لتونس وفي اعطاء دفع للدبلوماسية الاقتصادية التي تلعب دورا كبيرا في تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد”.

وعن الوضع الاقتصادي والى أين يسير يضيف محدثنا: “الوضع الاقتصادي صعب للغاية، فنسبة المديونية في حدود 77.1 في المئة وستصل آخر العام إلى 83 في المئة وهناك تفاقم في العجز على المستوى التجاري وربما تغلق سنة 2019 مع عجز بقيمة تفوق الـ 20 مليار دينار تونسي. كما ان هناك اشكالا على مستوى التضخم المالي الذي انخفض لكنه مرتفع نسبيا وهناك غلاء معيشة وتدني القدرة الشرائية للمواطن التونسي والبطالة مرتفعة ونسق النمو الاقتصادي ضعيف جدا يصل إلى حدود الـ 1 في المئة وهي نسبة ضعيفة لا توفر للدولة التونسية الموارد اللازمة لكي تجابه النفقات”. ويرى الجودي ان المؤشرات الاقتصادية تدل على هشاشة الوضع الاقتصادي ولئن تحسن مستوى صرف الدينار التونسي في المدة الأخيرة لكنه لم يتعاف بشكل كامل وهذه الانتعاشة ظرفية وتقف وراءها موارد أجنبية وقروض بالعملة الصعبة وتونس مطالبة بإعادتها بنسبة فائدة مرتفعة. فالوضع الاقتصادي حساس وإلى حد الآن لا أرى تطورا في هذا الوضع وليست هناك إصلاحات بالنسق اللازم”.

ويرى المحلل الاقتصادي ان المطلوب من التونسيين أثناء عملية التصويت ان يختاروا جيدا أصحاب البرامج الجيدة والذين يمتلكون تشخيصا واضحا للوضع الاقتصادي ويضعون الاقتصاد كأولوية قصوى في المرحلة المقبلة ويجب ان يتفادوا التصويت لمن يعطي وعودا زائفة وهي حكمت خلال الأعوام الماضية وبرهنت عن فشلها في إدارة الوضع الاقتصادي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية