عرف وزير الخارجية الامريكي جون كيري أمس مرة اخرى أن علاقاته بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا تشبه ويبدو أنها لن تشبه تلك التي ميزت علاقات الادارة الامريكية بالرئيس مبارك. فاذا كانت قد ولدت في عهد مبارك عبارة «دبلوماسية الغمز» التي كانت موجودة بين القدس وواشنطن والقاهرة، فقد اصبحت اليوم دبلوماسية «المسطرة الخشبية» التي يظهرها السيسي للولايات المتحدة.
بيّن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أول أمس أنه لا يوجد أي سبب يدعو الى تعديل المبادرة المصرية. وبيّن أن هذه هي الصيغة لا غير. وحاول الفريق الامريكي الذي وصل الى القاهرة قبل زيارة كيري بأيام معدودة الفحص عن صيغ جديدة لكنه لقي نفس الموقف المصري الحازم.
إن مصر غير مستعدة لمنح حماس أية تخفيضات في هذه المرحلة على الأقل. والمرونة الوحيدة التي اصبحت مصر مستعدة لاظهارها تتضمنها مقولة تقول إن كل تغيير في المبادرة المصرية متعلق بموافقة «كل الاطراف». والقصد من هذه العبارة الى حماس ومصر ومحمود عباس والجهاد الاسلامي واسرائيل بالطبع. وعلى هذا النحو يُقسم السيسي المسؤولية عن وقف اطلاق النار أو عدمه، بين حماس وسائر المنظمات من جهة، واسرائيل وعباس ومصر من الجهة الاخرى. وهكذا تستطيع كل مشارِكة أن تعترض على وقف اطلاق النار، هذا الى أن هذا القول الجازم يشير الى التنسيق والتعاون الموجودين بين اسرائيل ومصر.
لا يعني ذلك أن كل ما توافق عليه اسرائيل ستقبله مصر، لكن يبدو في هذه المرحلة أن السيسي غير متأثر كثيرا باستمرار العملية العسكرية. وربما يُجل أن اسرائيل قادرة على ضرب حماس بقوة أكبر وتركيعها. وهناك امكان آخر هو أنه يربط بين العملية القاتلة التي قتل فيها 22 جنديا مصريا على حدود مصر الغربية وبين المعركة في غزة، وحينما يعلن عن عملية شاملة على الارهاب فانه لا يريد أن يبدو كمن يتخلى لمنظمة تُرى هي نفسها منظمة ارهاب.
وفي الوقت نفسه يستمر السيسي الذي يملك بلا شك موقعا حاسما ويملك أهم وسائل الضغط لانشاء وقف اطلاق النار، يستمر على اختبار قوته مع الوسطاء الآخرين ولا سيما قطر وتركيا. لكنه أخذ يحبس نفسه في شرك نفيس ينشئه لأنه منذ الآن لن تُمتحن الدبلوماسية العربية والدولية فقط بل «ثباته الصلب» على المباديء التي صاغها ايضا. وفي الوقت الذي يهاجم فيه الخطاب العام في مصر حماس على نحو لم يسبق له مثيل، سيصعب على السيسي أن يبين للجمهور لماذا منح حماس تنازلات «تأتي على حساب مصلحة مصر القومية»، كما عبر أحد المحللين المصريين.
يبدو الآن أن السيسي يستطيع الانتظار بصبر لأنه يوجد بين الفصيلين الرئيسين حماس والجهاد الاسلامي ايضا اختلاف في مسألة المبادرة المصرية. فالجهاد الاسلامي وعلى رأسه رمضان عبد الله شلح يُصر على أن تكون مصر الوسيطة وطرفا مشاركا ايضا. وما زالت حماس من جهتها تُصر على أن يكون لقطر ولتركيا، لكن بقدر أقل، نصيب من الحل. وفي الجلسات الطويلة التي تمت في الدوحة بين عباس وخالد مشعل بدا للحظة أن الجو يتحسن وأنه يمكن أن توجد صيغة معدلة متفق عليها.
كان عباس مستعدا للسفر الى السعودية كي يبلغ القيادة السعودية الصيغة الجديدة، لكنه ألغى السفر وعاد الى رام الله على أثر إصرار حماس وقطر كما يبدو. إن عباس الذي يمثل في المباحثات مع المنظمات الموقف المصري سجين هو ايضا بين طموحه الى وقف اطلاق النار وبين ادراك أن العدول عن الاقتراح المصري قد يجعله يسير في مسار صدام مع مصر. ويملك عباس ورقتي لعب ذواتي قيمة احداهما الافراج عن سجناء حماس المسجونين في السجون الفلسطينية، والثانية السماح لمصارفه بتحويل اموال الرواتب، بل إنه عرض على حماس البدء بهاتين الخطوتين.
لكن حماس التي وافقت في بدء الحرب على معادلة أكثر ليونة، رفعت سقف مطالبها كي تسوغ المعركة الدامية التي تقوم بها مع اسرائيل وعدد الضحايا الكبير. ويوجد في مركز المطالب رفع الحصار عن غزة الذي معناه العملي فتح معبر رفح وفتح المعابر من اسرائيل ورفع الحصار البحري.
تتم الآن حول تفسير هذا المطلب المباحثات في المحور الاسرائيلي المصري مع السلطة الفلسطينية، في حين تؤسس حماس مطلبها على وعد مصر بفتح معبر رفح مع انشاء الحكومة الفلسطينية الموحدة وهو وعد لا تُقر مصر بأنها وعدته. وتطلب مصر أن يراقب المعبر ناس الحرس الرئاسيين الفلسطينيين، وحماس من جهتها مستعدة لأن تعين الحكومة الفلسطينية «مراقبين متفقا عليهم» يكون ناسها فيهم ايضا.
وما زالت اسرائيل في مقابل ذلك تُصر على أن يتم فتح معبر رفح بحسب اتفاق المعابر الذي وقع عليه في 2005، بيد أن مصر لم توقع على هذا الاتفاق وهي تستطيع أن تقرر كما تشاء. ونشك في أن يستطيع جون كيري أن يحل هذه الاختلافات الكثيرة في الايام القريبة ولا سيما بازاء الموقف المصري الصارم. ونتيجة هذا أن ليست إسرائيل أو حماس فقط هما اللتان تحددان سير الحرب بل الأجندة المصرية ايضا.
هآرتس 23/7/2014
تسفي برئيل