لا تتأخر السلطة الفلسطينية عن إدانة هجمات المقاومين الفلسطينيين ضد مدنيين إسرائيليين. وهي تقوم بذلك، غير عابئة بحصد تأييد، ولا إعجاب المواطنين الفلسطينيين الغاضبين والمنزعجين أصلا، وإنما هي سمة التصقت بطبيعة الدور الذي باتت تقوم به في مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي لا تنفك تزداد تعقيدا يوما إثر يوم.
ولم تكن العمليات الثلاث الأخيرة التي قتل خلالها 11 إسرائيليا في اواخر شهر اذار/مارس المنصرم استثناء، بل إن السلطة التي يقودها الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ 17 عاما، كرست هذا الموقف الثابت الذي لا تحيد عنه.
وفي حين تستمر المواجهة الدامية بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين بين مد وجزر، تواصل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية موقفها الثابت بضرورة نبذ الكفاح المسلح، والركون إلى المقاومة السلمية، غير عابئة بموجات الغضب الشعبي التي تولدها مواقفها الرافضة لقتل المدنيين الإسرائيليين بسلاح فلسطيني.
وما زال الرئيس محمود عباس وفيا لهذا النهج الذي اختطه منذ توليه قيادة السلطة عام 2005 ولا يترك مناسبة إلا وذكر بها بانه لا ملجأ للفلسطينيين سوى اتباع النهج السلمي في سعيهم الدؤوب للتخلص من نير الاحتلال.
وإثر العملية الأخيرة في بني براك قرب تل أبيب التي نفذها فلسطيني من الضفة الغربية، لم يتردد عباس في إصدار تصريح شخصي باسمه يدين العملية وقال إن «قتل المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يؤدي إلا إلى المزيد من تدهور الأوضاع، حيث نسعى جميعًا إلى تحقيق الاستقرار، خصوصًا أننا مقبلون على شهر رمضان الفضيل والأعياد المسيحية واليهودية».
وحذّر الرئيس عباس من «استغلال هذا الحادث المدان للقيام باعتداءات وردات فعل على شعبنا الفلسطيني من قبل المستوطنين وغيرهم». وقال إن «دوامة العنف تؤكد أن السلام الدائم والشامل والعادل هو الطريق الأقصر والسليم لتوفير الأمن والاستقرار للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وشعوب المنطقة».
ويرى مراقبون ان السلطة الفلسطينية لا يسعها إلا اتخاذ مثل هذا الموقف والنهج، بل انه مطلوب ويقع في صميم دورها. وقال الدكتور علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت لـ «القدس العربي» إن «السلطة الفلسطينية مطلوب منها أن تدين، الأمر لا يسير وفق وحسب مزاجها، غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي طلب من الرئيس عباس ان يدين مقتل الإسرائيليين».
وأضاف «ليس للسلطة أي أثر في الحدث، ولا في نتائجه، هي تحافظ على وجودها فقط». وقال «ليس ثمة جديد في المسألة، فقط موجة جديدة لم نشهدها منذ فترة، على كل ليس هناك من أفق سياسي يمكن ان يتأثر، ولا توقع لنتائج قريبة».
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلإسرائيلية، نشرت غداة عملية بني براك تقريرا، يعكس فحوى ما يقوله الجرباوي، حيث كشفت أن «إدانة السلطة الفلسطينية لعملية إطلاق النار في مدينة بني براك، جاء بعد ضغوط إسرائيلية وتنسيقات مع الولايات المتحدة» وقالت الصحيفة إن السلطة «أرسلت صيغة الإدانة إلى الإدارة الأمريكية قبل نشرها علنا».
غير أنه لا يمكن النظر إلى هذا النهج الفلسطيني بمعزل عن ماهية الدور الذي تقوم به السلطة الفلسطينية، كما تراه وتريده لها كل من إسرائيل والإدارة الأمريكية، اللتان لا تخفيان قلقهما من مغبة انهيار السلطة الفلسطينية في حال انفجار الغضب الشعبي المتزايد وانقلابه عليها جراء هذا النهج.
ويرى مراقبون أن إسرائيل، وبالرغم من عمليات التنكيل والقتل والعقوبات التي اتخذتها بحق الفلسطينيين إثر عملية بني براك، إلا أنها تجنبت فرض إغلاق عام وحصار على الضفة الغربية، تخوفا من إثارة الغضب وزيادة الأوضاع الاقتصادية سوءا، الأمر الذي سيؤدي إلى انهاك السلطة الفلسطينية وزيادة احتمالات انهيارها.
لكن السلطة الفلسطينية «الضعيفة والقوية» في آن معا، تملك أدوات ذاتية ووسائل وسياسات خاصة، مكنتها وعلى مدار نحو ثلاثين عاما من خوض صراع البقاء هذا، والنجاة دوما رغما عن الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطنون الفلسطينيون منذ عقود.
وفي حين تملك السلطة الفلسطينية ورئيسها حرية إدانة عمليات المقاومين الفلسطينيين، فإن حركة فتح التي تعتبر حزب السلطة الحاكم تستطيع من خلال قيادتها وأنصارها في مختلف مناطق الضفة الغربية وغزة، ان تقول وتجهر بعكس الإدانات التي تطلقها السلطة ورئيسها.
وفي الوقت الذي كان يتردد فيه صدى إدانة الرئيس عباس لعملية بني براك في الأرجاء، كانت حركة فتح في جنين مسقط رأس ضياء حمارشة، منفذ العملية، تتقدم جنازته وتزفه مقاوما شهيدا. ولا يكاد سرادق عزاء شهيد قتله الإسرائيليون، يخلو من وفود مسؤولي السلطة التي تصل تباعا لتقديم واجب العزاء وتمجيد المقاومة.
ويمتد نفوذ السلطة من خلال حركة فتح ومناصريها من الفصائل الوطنية، عبر شبكة واسعة من الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية والمنظمات المحلية التي تساعد في تخفيف الآثار التي يمكن ان تتركها سياسة السلطة في التعامل مع إسرائيل، وفي سياسة إدانة العمليات المسلحة.
ولا تزال مسألة دفع السلطة الفلسطينية رواتب أسر الشهداء والمعتقلين الفلسطينيين في سجون ومعتقلات إسرائيل، تثير جدلا واسعا، وتجلب ضغوطا كبرى للسلطة الفلسطينية من قبل إسرائيل ومناصريها في الولايات المتحدة والغرب عموما.
وبالرغم من ان إسرائيل تصادر قيمة هذه الموازنة من الأموال التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية من عوائد الجمارك، إلا ان السلطة وعلى رأسها الرئيس عباس، ما زالت ترفض الرضوخ للمطالب الإسرائيلية والأمريكية بوقف هذه الرواتب.
ثمة حالة غريبة خلقها وجود سلطة فلسطينية في ظل احتلال إسرائيل المتواصل، سلطة مرغوبة ومنبوذة في آن، سلطة ضعيفة وقوية في آن أيضا.