في حكايته ذات المغزى يروي الكاتب الإنكليزي’أوسكار وايلد’ قصة الأمير السعيد، وهو في الحقيقة تمثال لأمير، ينتصب بشموخ بكامل زينته في ساحة المدينة، ويحسده المارة على هذه الأبهة، زمردتي عينيه، ياقوتة سيفه، والوريقات الذهبية التي تغطي كامل جسده، غير أن التمثال يقرر التبرع بممتلكاته الثمينة هذه لفقراء مدينته، فيعقد صفقة مع طائر يقوم بنقلها إليهم! وحين يقف التمثال الأمير عارياً من كل زينة، لم يعد ير فيه الحاسدون السابقون، سوى كتلة من المعدن الأصم، فيقرر رئيس البلدية إزالته من موقعه، والإستفادة من معدنه بشيء آخر!بطريقة أو بأخرى حسدت القلوب المسكونة بشهوة السلطة الرئيس الجديد على هذه الأبهة التي حظي بها من دونهم، فجرّده القضاء الشامخ والجيش الباسل من مجلس نوابه، وجرّده الإعلام الحر ودهماء الشارع من عباءة الهيبة، وسرق منه الجيش مرّة أخرى عزّة القرار الوطني، الذي ربحه بموقفه في حرب غزة، ودمّروا أنفاق مؤونتها تحت عينيه، واضطره الثوريون ‘المخضرمون’ إلى مواجهة مسلحيهم، بشرطة عزلاء من السلاح، حتّى لا تخدش الديمقراطية الوليدة، وأخيراً أوقف القضاء الشامخ مشروع الإنتخابات!كل شيء في مصر شامح ونزيه، القضاء والجيش، والشباب الثوري، والإعلام والصحافة والمعارضة، كل شيء إلّا الرئاسة وقراراتها وحكومتها وجهاز أمنها، الذي يتفلّت بدوره تفلُّت الإبل، في مواجهة شعب يحمل له في الصدر ثارات مبيتة، من عهود الاضطهاد!الرئيس السعيد قدم يواقيت السلطة ونياشينها للجيش مرّة وللقضاء مرّة، وللثوّار مرة أخرى، ولكنهم لن يتوقفوا حتّى يتركوه عارياَ كتمثال الأمير السعيد! فالحسد مسعور ونهم وناره لا تخمد، إلّا على هشيم تذروه الريح! وهكذا ستصبح أُمُّ الدنيا: دنيا بلا أم، وأصغر بكثير من مصر مبارك، وليس التمثال وحده هو الذي سيقف عارياً، بل سيقف الجميع عراة من حوله، بلا أي هيبة ولا أي قداسة، ولا تمثال يسرقون زينته!نزار حسين راشد[email protected]