نصر شمالي
وأخيراً أنجز الشعب المصري المرحلة الأولى من انتفاضته الثورية العظمى، التي تلت انتفاضة الشعب التونسي العظيم، فأسقط الفرعون المستبدّ الذي شكّل قطب الرحى لجميع المآسي الداخلية والخارجية، وتحرّر من النير الذي كان يقيّد حركته الذاتية المباشرة، فصار بإمكانه قول ما يشاء إلى حدّ بعيد، والتحرّك نسبياً حيث يشاء، بعد أن خرج من إهاب القسر والإذلال والتهميش، وهو إهاب غريب رهيب، فرضه عليه تحالف النظام الحاكم الجشع المستبدّ والعدو الخارجي الصهيوني المستغلّ.
لقد استردّ الشعب المصري إهابه الأصيل، الوطني القومي الإنساني، وإنه لمن الواضح أنّ هاجسه الأول، بعد إنجازه المرحلة الأولى من انتفاضته، هو أن لا يفقد هذا الإهاب ثانية أبداً. إنّه ينهض الآن طليقاً بلا قيود تكبّله، ولا كمّامات تسكته، ولا ظلمات تغيّبه، متشبّثاً بحريته وكرامته تشبّثه بحياته. غير أنّ السجّانين ما زالوا حوله يطوّقونه، من داخل الوطن ومن خارجه، يتخفّون وراء الأقنعة الخادعة وفي أيديهم الأصفاد والكمّامات وأجهزة التعتيم والتغييب. إنّهم يصرّون على إعادته إلى السجن، بطريقة أو بأخرى، في أوّل لحظة يفقد فيها حذره وانتباهه وحضوره الميداني.
إنّ الشعب المصري، الذي ينتصب اليوم شامخاً حاضراً بعد غياب طويل إجباري، يريد استكمال نجاح انتفاضته الثورية، وذلك بتحقيق عدد محدد من الإنجازات الضرورية، الملحّة، الكفيلة بقطع الطريق على أيّة محاولة لإعادة النير. إنّه يعرف أنّ استكمال النجاح يقتضي إمساكه بزمام أمره إمساكاً غير قابل للفكاك، ويقتضي استمرار تحكّمه بحركته الذاتية، وجعل هذه الحركة حرّة، مستقلة الإرادة، غير قابلة للانتكاس، ولذلك نراه يلحّ على إنجاز خطوات تالية، تأسيسية، مستعجلة، بلغ عددها العشرات، ينبغي أن تتحقّق في الأيام والأسابيع والأشهر القادمة لا أكثر. لقد لخّص أحد المصريين من ميدان التحرير ما ينبغي أن تؤول إليه الأوضاع في مصر، كي تكون العلاقات الداخلية طبيعية، فقال أنّ على رئيس الجمهورية القادم أن يعمل باعتباره موظفاً في خدمة الشعب بمرتبة رئيس. وبالطبع فإنّ النجاح في تحقيق ذلك يعني أنّ مجمل الأمور، في جميع المستويات الأدنى المتدرّجة، سوف تكون على ما يرام. أمّا على صعيد العلاقات الخارجية، فقد لخّصها مصريّ آخر ببلاغة حين قال: المتغطّي بالأمريكان عريان! ولعلّ في هاتين الإشارتين ما يلخّص المأساة المصرية، والعربية عموماً، في بعديها المتشابكين الداخلي والخارجي.
إنّ تشابك بل انصهار العناصر الخارجية والداخلية في المأساة المصرية، التي دامت عقوداً من الزمن، والتي أخذت شكلها الصريح منذ العام 1979، برز في مواقف الأمريكيين والإسرائيليين من الانتفاضة، مثلما برز في مواقف بعض أطراف النظام الرسمي العربي وبعض المصريين التابعين لهذا النظام. فقد رأت هذه الجهات جميعها في استرداد الشعب المصري لوضعه الطبيعي عملاً غير طبيعي، إنّ الطبيعي من وجهة نظـــرها هو رضوخ الشعب وغيابه واستيلاؤها على وطنه. وهكذا راحوا يلحّون على الإسراع في استرداد ‘النظام والأمن’، أي على خضوع الشعب وغيابه. إنّ زعماء الحلف الأطلسي، والصهاينة اليهود وبعض الحكام العرب، لم يخفوا قلقهم من انحياز الجيش المصري إلى شعبه، وظلّوا يلحون على الجيش أن يضمن الانتقال السلس من عهد إلى عهد، ولم يكن المقصود بالسلاسة سوى الاحتيال على الشعب الثائر، برفع رايات الحرية والديمقراطية، وبإقناعه بالانسحاب من الميدان، ومن ثمّ إعادة سجنه وتغييبه بطرق أخرى.
لقد كان واضحاً، من وجهة نظر الأطلسيين وخدمهم الإقليميين، أنّ معيار النجاح في الانتقال السلمي المصري السلس، من الاستبداد إلى الديمقراطية، يكمن في إبقاء مصر مكبّلة بالقيود الأطلسية والإسرائيلية. فمنذ عام 1979 تحوّلت مصر إلى دولة تدور في فلك الحلف الأطلسي، الأمر الذي جعل وظائفها الإقليمية متفقة في الأساسيات مع الوظائف الإسرائيلية، من حيث تغييب الشعب المصري، وقمع حركات التحرّر عموماً، وإرغام الشعب الفلسطيني على الاستسلام. وعلى هذا الأساس احتلت السلطة المصرية المرتبة الثانية بعد الكيان الإسرائيلي في قائمة الدول التي تتلقى المعونات الضخمة الأمريكية/ الأطلسية.
والحال أنّ مصر لا تستطيع أن تكون حرّة، ومن ثمّ ديمقراطية، بينما هي مكبّلة بالاتفاقيات الأطلسية والإسرائيلية. إنّها تستطيع تأكيد توجّهها لا صيرورتها، لأنّ الديمقراطية تشترط الحرية أولاً، ولأنّ الحرّية تشترط التخلّص من الاتفاقيات الاستعمارية والإسرائيلية أولاً. وهكذا ينبغي عدم الخلط بين مرحلة التوجّه والتقدّم النسبي نحو تحقيق الحرية والديمقراطية، في مرحلة ما قبل التحرّر من القيود التي تمنع تحقّقهما، وبين مرحلة ما بعد التحرّر التي تجعل تحققهما ممكنا فعلاً.
إنّ الديمقراطية، بكلّ بساطة، هي تنظيم العلاقات الداخلية المناسبة السلمية لشعب يستطيع فعل ذلك. وهو يستطيع أن يفعل ذلك عندما يكون حرّاً يمتلك إرادته الذاتية وقوته الذاتية بصورة كافية، لأنّه من دون امتلاكهما لا يستطيع تنظيم علاقاته الداخلية السلمية، حسب مشيئته، تنظيماً حقيقياً مجدياً لا شكلياً مضنياً.
أمّا في ما يتعلّق بالدول الديمقراطية العريقة الثريّة، فقد نجحت في تنظيم علاقاتها الداخلية الديمقراطية السلمية، المتفق عليها من قبل جميع طبقات شعوبها، بفضل الفيض المادي والمعنوي الذي حققته على حساب المستعمرات الشاسعة بالدرجة الأولى، وفي جملتها مصر والبلاد العربية، ولذلك فإنّ تكرار ضحاياها لتجاربها الديمقراطية، طبق الأصل، يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً.
لقد كانت أمم المستعمرات، ولا تزال، وقوداً نضجت على ناره ديمقراطية المستعمرين، ويفترض أن ليس ثمّة سبب يمنع صياغة علاقات داخلية سلمية، مختلفة عن الديمقراطيات الغربية التي قد يصعب أو يستحيل تكرارها جدّياً وليس هزلياً، بل صياغة علاقات متقدّمة عليها بما لا يقاس، ولم لا وثورة مصر جاءت مختلفة، ومتقدّمة في أدائها الإنساني الراقي على جميع الثورات؟ كاتب سوري