الرابحون والخاسرون في 11 ايلول

حجم الخط
0

الرابحون والخاسرون في 11 ايلول

د. سعيد الشهابيالرابحون والخاسرون في 11 ايلولبعد خمسة اعوام علي أكبر عمل ارهابي في التاريخ المعاصر، ما يزال أمرا صعبا إصدار حكم قاطع يحدد الرابحين والخاسرين مما حدث في 11 ايلول (سبتمبر) 2001. فاذا كان العالم قد وقف متضامنا مع الولايات المتحدة الامريكية عندما حدث الاعتداء علي برجي مركز التجارة العالمي ومبني البنتاغون، وتسابق القريب والبعيد للاعراب عن شجب ذلك العمل الاجرامي والتنصل منه، فان العالم اليوم يكاد يكون متوافقا في الموقف الرافض للسياسات الامريكية التي أعقبت ذلك الحدث، الي الحد الذي اكدت فيه استطلاعات الرأي العام ان الاوروبيين يعتقدون ان امريكا أكثر خطرا علي الامن العالمي من اية جهة اخري. فما الذي حدث خلال الاعوام الخمسة الماضية ليقلب التعاطف الدولي غير المسبوق مع امريكا الي توافق غير مسبوق ايضا ازاء سياساتها؟ ربما كان هناك من ضحايا السياسات الامريكية في السابق من عبر عن فرحته بالعمل الارهابي، ولكن الغالبية العظمي في العالم، بما في ذلك البلدان الاسلامية والمنظمات والشخصيات الدينية، أدانت ذلك العمل، وتضامنت مع الشعب الامريكي في محنته، وخرجت المسيرات في عواصم العالم منددة بالعمليات التي نسبت الي تنظيم القاعدة . بل كان هناك تسابق، خصوصا في العالم الاسلامي، للتنصل من ذلك العمل والجهات التي تقف وراءه، وإظهار قدر من الاعتدال في مقابل التطرف الذي تمثله التنظيمات السائرة علي خطي القاعدة . نظمت المؤتمرات والندوات، وعقدت اللقاءات الخاصة والعامة، وكتبت الكتب، وبعثت الرسائل والبرقيات، كل ذلك بهدف ما مثله ذلك العمل من خروج علي المألوف حتي ضمن أعمال العنف بين الفرقاء وردود الفعل الغاضبة. وبلغ التعاطف الدولي مع الولايات المتحدة الي مستوي توفير غطاء دولي للحرب ضد نظام طالبان في افغانستان بعد ان رفض تسليم أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة ، ولم تكن هناك اعتراضات كبيرة ضد تلك الحرب التي شنتها القوات الامريكية مدعومة بقوات من دول عديدة اخري. وتم دعم قوات التحالف الشمالي التي كان احمد شاه مسعود يقودها قبل اغتياله في 9 ايلول (سبتمبر) 2001، لتزحف نحو كابول وبقية المدن الرئيسية. وسقط نظام طالبان في شهر كانون الاول (ديسمبر) بعد انسحاب قواتها من آخر معقل لها في قندهار، الموطن الرئيسي لزعيمها الملا محمد عمر.بعد خمسة اعوام علي تلك التطورات التي حدثت بشكل سريع جدا، اصبح من الضروري تقييمها بموضوعية، فذلك ضروري لاستيعاب الوضع المتداعي علي مستويات عدة: في منطقة الشرق الاوسط، خصوصا بعد العدوان الاسرئيلي علي لبنان، بدعم امريكي مكشوف، وفي علاقات المسلمين مع العالم، وفي مجال الامن الدولي والعلاقات بين مكونات هذا الكوكب. فعلي الصعيد الاسلامي لم يحدث تغير في الموقف العام الرافض لمبدأ الاعتداء علي الأبرياء، مهما كانت اديانهم او سياسات حكوماتهم. وهناك من يقول ان حوادث 11 ايلول (سبتمبر) ادت الي نتائج عكسية علي عدد من الأصعدة. فالمسلمون في الولايات المتحدة كانوا يتمتعون بوجود متنام داخل المجتمع الامريكي، ويعيشون ضمن أطر من التوافق والتعايش مع الآخرين وحرية الممارسات والانشطة اكثر من اي بلد غربي آخر. اما الآن فقد اصبحت اوضاعهم صعبة، خصوصا مع وجود اطراف يمينية وصهيونية تحرض ضدهم باستمرار. وكانت حوادث 11 ايلول (سبتمبر) شبه فاصلة في العلاقات بينهم والمجتمع الامريكي، اذ ازداد الاضطهاد والاستهداف والمراقبة الامنية، واصبحت نظرة الشك والارتياب مهيمنة علي العلاقات الاسلامية الامريكية. وتوسعت دائرة اضطهاد المسلمين واستهداف وجوداتهم الي الدول الاوروبية، فتم استصدار قوانين صارمة بعنوان مكافحة الارهاب، استهدفت المسلمين بشكل خاص، واصبحت تضغط علي وجودهم وحقوقهم في تلك المجتمعات. واصبح امرا مقبولا ان تقوم مؤسسة تجارية او تعليمية بالتمييز ضد المسلمين بدوافع دينية او امنية. كما ان تداعيات حوادث 11 ايلول (سبتمبر) ادت الي توسع دائرة الارهاب، حيث اندفع بعض الشباب الي تبني الافكار المتطرفة وانخرطوا في التنظيمات المرتبطة بالقاعدة، وحدثت اعتقالات ومحاكمات مستمرة، آخرها اتهام 22 شابا مسلما في بريطانيا بتهم منها التخطيط لاحداث تفجيرات في الطائرات المتوجهة من بريطانيا الي الولايات المتحدة الامريكية. كما دفعت السلطات الامنية في هذه البلدان الي السعي المتواصل لاختراق الوجودات الاسلامية بذريعة احتواء مخاطر الارهاب ومنع حدوثه، بعد ان اصبح المسلمون المتهم الاول في دائرة العنف والارهاب. القاعدة لم تنجح في تحويل ايديولوجيتها الي ثقافة شعبية، بل اصبحت عنوانا مخيفا للكثيرين، ومصدرا للاضطراب الاجتماعي والسياسي. واصبح هناك شعور بان بعض اجنحتها اصبح مخترقا من اجهزة الاستخبارات العربية والغربية، لتوجيهها نحو اهداف طائفية كما يحدث في العراق. وتمكنت الولايات المتحدة من استدراجها الي العراق ومحاصرتها هناك، ومنعها من تنفيذ عمليات جديدة علي غرار حوادث 11 ايلول (سبتمبر). وفي خطابه قبل يومين بالذكري الخامسة لحوادث 11 ايلول (سبتمبر)، أكد الرئيس الامريكي هذه الخطة قائلا ان الوجود الامريكي في العراق ساهم في حماية بلاده من عمليات القاعدة. وثمة مؤشرات بان القاعدة نفسها ادركت الآن هذ الخطة وتسعي للخروج منها. وجاء خطاب أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، في الذكري نفسها، مؤكدا عزمها علي نقل المعركة الي اسرائيل ودول الخليج. الولايات المتحدة لم تكن، هي الاخري، اوفر حظا في استثمار الفرصة التي اتاحتها لها حوادث 11 ايلول (سبتمبر)، برغم مرارتها، لتوسيع تأثيرها علي العالم. فبعد خمسة اعوام علي الحوادث التي وفرت لها ذلك الدعم الدولي، انقلب الامر تماما، وأصبح العالم أكثر تحسسا من السياسات الامريكية الخارجية. فمثلا فرنسا التي ظهرت الصحيفة الرئيسية فيها، لوموند، في اليوم التالي لحوادث 11 ايلول (سبتمبر)، بعنوان نحن جميعا امريكيون تعبيرا عن التضامن مع الولايات المتحدة، أوضحت الاسبوع الماضي موقفها الرافض لما تطلق عليه الولايات المتحدة الحرب ضد الارهاب . جاء ذلك علي لسان رئيس وزرائها، دومينيك دي فيلبان. وكان الرئيس جاك شيراك، في طليعة الزعماء الذين اعترضوا علي الحرب الانكلو ـ أمريكية ضد العراق، وحرموها من الشرعية الدولية عندما حالوا دون صدور قرار عن مجلس الامن الدولي يسمح بشن تلك الحرب. الكاتب الامريكي، جيرارد بيكر، سلط الاضواء علي فشل الادارة الامريكية في ادارة ملف الازمة، في مقال نشرته صحيفة التايمز اللندنية الاسبوع الماضي، وقارن بين التعاطف الذي توفر لواشنطن في بداية الازمة، وحالة الغضب التي تسود العالم ازاءها في الوقت الحاضر. يقول واصفا التعاطف الاولي قبل خمسة اعوام: فأية عيون لم تبك لمشاهدة الاجساد التي رمت بنفسها (من مبني مركز التجارة بعد ضربه) لتلاقي حتفها؟ وأي بطن لم يتقيأ عند التفكير في الطيارين الذين نحرت رقابهم في كابينات القيادة؟ وأي قلب لم يخفق وهو يسمع قصص المسافرين اليائسين علي متن طائرة يونايتد فلايت 93 وهم يصارعون المخلوقات الغريبة الشريرة التي كانت تسعي للقضاء علي حياتهم؟ ذلك التعاطف مع امريكا الحزينة سرعان ما تحول الي دعم للحرب ضد طالبان. ولكن في غضون اسابيع بدأ ذلك الدعم في التبخر، مع تصاعد الضحايا المدنيين، وتساءل البعض عما اذا كانت الولايات المتحدة قد قامت بجهود كافية لاستيعاب جذور الارهاب خصوصا الصراع العربي – الاسرائيلي ودعم انظمة الاستبداد. وتراجعت سمعة الولايات المتحدة بشكل متسارع بعد فتح معسكر غوانتنامو وسعي واشنطن لتجاوز القوانين الدولية التي تحكم معاملة الاسري والسجناء. وارتكبت الولايات المتحدة خطأ كبيرا باعلانها عما اسمته محور الشر واعلان الحرب ضد العراق خارج الشرعية الدولية، ثم جاءت فضائح سجن ابوغريب والمستنقع الامني الحالي في بغداد. وما يزيد الامر تعقيدا ان الرأي العام العالمي كان في البداية يتعاطف مع الشعب الامريكي، ويسجل ملاحظاته علي اداء الادارة في البيت الابيض. ولكن بعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، أصبح العالم يعتبر الطرفين مشتركين في المواقف والتوجهات. فقد اعطي الشعب الامريكي فرصة اختيار رئيسه، بين جون كيري الذي كان منسجما الي حد ما مع الموقف الدولي الرافض للحرب، وكان مستعدا للعمل ضمن الامم المتحدة، ولكنه أعاد انتخاب جورج بوش، ومعه ديك تشيني ودونالد رامسفلد، وهنا بدأ العالم يغير موقفه تجاه امريكا، ويدرك ان حوادث 11 ايلول (سبتمبر) قد أحدثت تغيرا في النفسية الامريكية، وجعلت الجميع في موقف واحد، وبالتالي بدأ يتخذ مواقف أكثر تحسسا ازاء السياسات الامريكية في العالم. فأمريكا لا تنحصر في البيت الابيض، بل تمثلها ظاهرة العولمة، وهيمنة الشركات العملاقة علي مقدرات العالم، مثل اكسون وموبيل وماكدونالد. بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) كان اكثر من 80 بالمئة من الامريكيين يعتقدون ان سياسة حكومتهم صحيحة، وخلال الحرب في افغانستان، كان اكثر من 70 بالمئة يدعمونها، وفي الايام الاولي من الحرب ضد العراق كانت نسبة المؤيدين اكثر من 60 بالمئة من الامريكيين. ولكن تلك النسب تغيرت جوهريا في السنوات اللاحقة. فليس هناك الآن سوي 25 بالمئة من الامريكيين الذين يعتقدون بصحة سياسات حكومتهم. ويقول اكثر من 60 بالمئة ان الولايات المتحدة تتجه في مسار خاطيء. وتقول اغلبية الامريكيين ان الحرب ضد العراق كانت خطأ، وان السياسات الامريكية جعلت العالم أقل أمنا. اما شعبية الرئيس جورج بوش فقد تراجعت كثيرا حتي اصبحت اقل من 40 بالمئة، اما ديك تشيني ودونالد رامسفلد، فلا تتجاوز شعبيتهم الـ 25 بالمئة. بعد هذه التراجعات تغير المزاج الامريكي، فضغط علي ادارة بوش للتخلي عن تعذيب السجناء، واعترفت المحاكم الامريكية بحقوق معتقلي غوانتنامو في الدفاع القانوني. بل ان المحلفين في محاكمة زكريا موسوي الذي تتهمه واشنطن بالضلوع في مخطط 11 ايلول (سبتمبر)، رفضوا اصدار حكم الاعدام بحقه. لقد اصبح واضحا ان الولايات المتحدة خسرت الجانب الاخلاقي في كافة مواقفها وسياساتها التي اعقبت حوادث 11 ايلول (سبتمبر). بل ان حلفاءها لم يعودوا قادرين علي مسايرة مشاريعها وخططها. والحليف الوحيد الذي أصر علي مسايرة سياسات البيت الابيض اصبح مجبرا علي دفع ثمن تلك السياسة. فرئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، يمر بفترة حرجة حيث يتعرض للضغوط لترك منصبه، الامر الذي اضطره الاسبوع الماضي للاعلان عن عزمه علي مغادرة دواننغ ستريت في غضون الاثني عشر شهرا المقبلة. واعتبر بقاؤه في منصبه عبئا علي حزب العمال الحاكم بعد ان انتشر الشعور في اوساط البريطانيين بفشل سياساته الخارجية بسبب مسايرته البيت الابيض. ويشير آخر استطلاع للرأي العام الي ان دعم الاوروبيين لادارة امريكا علي المستوي الدولي قد تدني من 64 الي 37 بالمئة وفق ما أعلنته شركة التوجهات عبر المحيط، تي ان اس ، وان 58 بالمئة من الامريكيين يعارضون سياسات بوش علي الصعيد الدولي. ومع استمرار ظاهرة الارهاب في العالم، وتصاعدها بشكل خاص في افغانستان والعراق، تجد الادارة الامريكية نفسها تعيش أسوأ اوضاعها، وهي تبحث عن تحالف دولي ضد عدد من الملفات في مقدمتها ملف المشروع النووي الايراني. ويصعب، ان لم يكن مستحيلا، ان تحظي الولايات المتحدة بدعم دولي للدخول في صراع عسكري مع ايران في ضوء اخفاقاتها في العراق وافغانستان من جهة، وفي لبنان بدعمها الطرف الاسرائيلي المهزوم من جهة اخري. ويري بعض المحللين ان امريكا قد تتجه نحو العزلة، وتبتعد عن المسرح الدولي تدريجيا، وانها كانت تتجه نحو ذلك لولا حوادث 11 ايلول (سبتمبر). وليس مستبعدا ان تتجه واشنطن نحو هذا المنحي بشكل تدريجي بعد الانتخابات المقبلة. وسوف تكون الشهور القادمة حاسمة ازاء هذا الخيار. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية