إن الحرب البشعة في سورية هي قتال بين أشقاء الأمس أعداء اليوم، إنها الأزمة المفتعلة والكارثة الإنسانية والمآساة العالمية ووصمة العار التي ستظل خالدةًً في سجل الإحباطات العربية والإسلامية، فتداعياتها على الساحة الداخلية والخارجية تكبر وتتسع وتستقطب إليها المزيد من الأشقاء للقتال وسط فتنة طاحنة لا ترحم أحدا، فالنزيف القاتل لا يتوقف بل تعدت ألامه جروح سورية ليلطخ دمها كل الدول العربية والإسلامية، فالأزمة إشتدت والحلول نسفت، فالأزمة السورية وتبعاتها من تفرقة وقتال داخل سورية، وخصام وإنقسام خارجها بين العرب أنفسهم وبين السنة والشيعة، والأخطر ما يهدد حماس والقضية الفلسطينية، فالكل مشغول بما يجري في سورية والمستهدف ليست سورية وحدها لكن كل الأطراف الفاعلة في المنطقة والمرتبطة بالقضية الفلسطينية ومنها حزب الله و حماس فالأخيرة قد نزل علينا خبرها كالصاعقة، إنه الخبر الدي جاءت به صحيفة ‘القدس العربي’ والذي مفاده أن كتائب القسام الجناح العسكري لحماس هي في خلاف مع كوادر المكتب السياسي لحماس وعلى رأسه خالد مشعل حيث قررت الإبقاء على تحالفها مع إيران و’حزب الله’ اللبناني بتفضيلها الدعم الإيراني بالسلاح ونهج المقاومة على الدعم القطري بالمال، فكتائب القسام ترى أن تحرير فلسطين يكون عن طريق السلاح والمقاومة وليس بالمال فقط، فقرار التخلي على سورية والإلتحاق بالخليج أثر سلبا على دعمها بالسلاح والمال من طرف إيران، أضف إليه الخلاف بين قادة حماس حول تدخل ‘حزب الله’ في المعركة الدائرة في سورية وإلتحاقه بصفوف النظام وقتاله مع بشار الأسد، إنها الخلافات الظاهرة والخفية التي تؤشر إلى إنشقاقات في صفوف حماس وكتائب القسام مما يهدد كيانها ودورها كرمز للمقاومة والكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني, فكيف سيكون مستقبلها مع إستمرار وتنامي الأزمة السورية وما سيخلفه كل دالك من أثر على القضية الفلسطينية؟ إنها تساؤلات حساسة وجوهرية في ظروف صعبة وحرجة تمر منها حماس وفلسطين. إن الأزمات والنزاعات المتتالية في البلاد العربية أصبحت غير طبيعية، الكيان الصهيوني ينعم بالإستقرار والإزدهار والعرب تضيع أوطانهم ومقدساتهم يتم إفتراسهم بسهولة من طرف أعدائهم يزدادون ضعفا وهوانا يساهمون في تخريب بلدانهم بأيديهم وهم عاجزين أمام أحوالهم البائسة ورغم المصير المشترك يتخاصمون ويتحاسدون فيما بينهم يهرولون لتحالف مع أعدائهم، البلاد العربية تتمزق أهلكتها النزاعات بين أبناء الوطن الواحد ومع الإخوة العرب، كثرت المشاحنات حتى كثرت فيهم الفرق، سفينتهم واحدة تتلاطم بها الأمواج العاتية مهددةً الجميع بالغرق وفيهم من يعمل على خَرق قوارب النجاة حتى لا ينجو منهم أحد يقتلون بعضهم البعض ببساطة لصالح أعدائهم الفرحين بدالك. فإسرائيل قد فازت فوزا عظيما ما حلمت به أن يتحقق بسرعة وبسهولة وفي مرة واحدة هي الهدية الكبرى التي يقدمها لها العرب في طبق من ذهب، فإسرائيل تنال من أعدائها العرب وتسقطهم كلهم بحجرة واحدة تجر إلى مصيدتها كل من سوريا وحزب الله وحماس.. مما سيمكنها من إبتلاع القضية الفلسطينية التي أصبحت في خطر أكبر من أي وقت مضى، فإسرائيل تتمتع بمشاهدت المسرحية التي أتقنت كتابتها وإخراجها ومنحت أدوار تمثيلها لنجوم عرب ومسلمين محققة من ورائهم أرباحا هائلة. فالثورات العربية عموما والسورية خصوصا لم تأت بالخير لحد الأن بل وللأسف استغلت من طرف الأعداء لتتحول إلى أزمات خانقة بنتائج عكسية، فالعرب وقعوا في المكيدة التي دبرت لهم وهم مايزالون غافلين لأعدائهم تابعين ومن دروسهم غير مستفيدين، هل سيسجل التاريخ عن الثورات العربية فقط السلبيات من حجم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة وما لحق الأوطان من تقهقر وخراب وما حل بأهله من تحاقن ونزاع وللأسف ومع كل المشاكل السابقة أضيفت مشاكل جديدة معقدة تتدخل فيها أطراف كثيرة حاقدة على البلاد العربية، فهل ستتحول الثورات العربية إلى نِقم وهل ستخدم الأعداء قبل أهل الوطن وما هو مصير القضية الفلسطينية وسط هاته القلاقل؟ فالثورة السورية وبتخطيط من عدو وبتنفيد من شقيق وصديق قد أهلكت البشر ودمرت الوطن ووضعت سورية في خندق يصعب الخروج منه، وورطت حزب الله فأفقدته الهيبة والقوة ونزعت منه شرعية الكفاح من أجل فلسطين، وتحكمت في الجهاد والمجاهدين فأخرجتهم من مخابئهم وحاصرتهم، فالأزمة السورية أصبحت المحك والفاصل بين كتلتين الخيار لأحدهما صعب ونتائجه سيئة على الجميع، فالرابح والمنتصر لحد الأن هي إسرائيل فأطراف المقاومة لها في مأزق مما سيمكنها من الإستفراد بحماس وعزلها عن حلفائها وكسر شوقتها، إنها صفقة العمر التي تنتظرها إسرائيل فحماس تعيش نزاعات وإنشقاقات وأزمة داخلية وخارجية مما قد يجعلها سهلة التصفية بعد قطع آخر خيط يربطها بمحيطها وإنتمائها العربي الإسلامي وبداعميها بالسلاح والمال وخنقها بالصراع الطائفي فإن هي إختارت الحليف الشيعي فإنها تخسر الشارع العربي والعالم السني وإن هي إختارت الأخير فإنها تتخلى عن الكفاح المسلح لتدخل متاهات السياسة المجربة بلا نتائج إيجابية والذي سيهدد مصير فلسطين وحق إسترجاع القدس المحتلة. فهل ستتحمل الثورة السورية لوحدها أوزار هاته النتائج الخطيرة وإستباحتها لدم العربي والمسلم؟ حسن يروم [email protected]