بيروت – «القدس العربي»: «لا بومب» هو العرض الموسيقي الجديد الذي بدأته فرقة «الراحل الكبير» في مترو المدينة قبل اسابيع. فرقة مؤلفة من تخت شرقي ومؤديين، هي تتلبس تماماً أجواء الغناء في بدايات القرن العشرين وحتى التاسع عشر. للـ»الراحل الكبير» الكثير من الغناء الخاص كلاماً ولحناً منسوجا بروح جماعية من أعضاء الفرقة كاملة. هو كذلك غناء يشرب من معين النغم العتيق، ويغزل الكلام بمعطيات الواقع المعاش كمثل أغنية «أبو بكر البغدادي» وغيرها.
مع خالد صبيح ونعيم الأسمر عضوا فرقة «الراحل الكبير» كان حوار بدأ بالسؤال عن مستدعيات وجودها وحيثيات الاسم. في ذلك أوضح خالد صبيح أن «الراحل الكبير» يعني التراث بكليته الموسيقية والفكرية والسياسية والثقافية. بدأنا العمل بإحياء التراث والموسيقى الكلاسيكية. من ثم شعرنا بضرورة البحث عن جديد، وليس القول بأن أي موسيقى جدية يجب أن تكون استعادة لهذا التراث القديم. جديدنا يجب أن نقدمه حتى وإن كان بسيطاً وخفيفاً لكنه يعبر عنا. مررنا بمرحلة انتقالية قدمنا فيها التراث بتوزيع جديد، وهي توليفة غير صحية. وفي تراكم التجربة معاً كان الحل بضرورة الاحساس بأننا خرجنا من التراث وبأن هذا العصر انتهى بالنسبة لنا. وهذا ما يساعد على تقديم ما هو خاص بنا وبقالب قديم دون شرط المقارنة بمن لحن وغنى من قبل. علينا الإحساس بأن التراث عزيز جداً، لكنه مات ورحمه الله، ونحن علينا التعبير عن ذاتنا.
مع ساندي شمعون يشكل نعيم أسمر «السوليست» في «الراحل الكبير». يفسر لنا بدوره كيفية التوقف عن بعث التراث في حين أن سماع أغنيات «الراحل الكبير» تساهم في بعث كل ما هو تراثي من جديد فكيف تمت عملية الدفن إذاً؟ يقول: حتى وإن قصدنا دفنه فالتراث هو رصيدنا. فائدة هذا الرصيد ستظهر دون شك، والفارق يكمن في أننا لا نستعرض هذا الرصيد بل الجديد المتأثر بهذه الفائدة، وليس لنا محو هذا الأثر.
في زمن التشققات كيف جُمعت فرقة «الراحل الكبير»؟ يقول خالد صبيح: بل هو زمن التحولات. الناس تفكر ملياً وبشكل جديد بكل ما تناولته في السابق كمسلمات. كانت «الراحل الكبير» برغبة من أعضائها بتقديم جديد، ولم نجد صعوبة في اللقاء حول الهدف. ساندي شمعون معنا وفي فرقة موسيقية أخرى، كذلك نعيم أسمر في فرقة موسيقية أخرى. نحن الستة الذين تتشكل منا فرقة «الراحل الكبير» عملنا سابقاً معاً ومع آخرين.
في فرقة «الراحل الكبير» تخت شرقي مؤلف من عود، بزق، إيقاع شرقي وبيانو يعزفه خالد صبيح ويوضح دوره: هو ليس طاغ كبيانو غربي، بل هو في صلب التخت الشرقي ولا يشوش عليه. كما أن هذا التخت الشرقي لا يعزف بلغة التخت الشرقي التقليدية. في أحيان يتجه العزف نحو العنف، وقد نلجأ لاستعمال تقنيات غربية.
نعيم أسمر يستعرض تجارب وفوائد عمر السنتين في تاريخ فرقة «الراحل الكبير» ويقول: العمل مع فرقة «الراحل الكبير» فتح لي أفقاً جديداً لم يكن موجوداً في الريبرتوار السابق الذي غنيته على صعيد الموسيقى الكلاسيكية بين القرن العشرين والتاسع عشر. يتيح ريبرتوار «الراحل الكبير» المجال لاستعراض طاقات الصوت، وهو أيضاً كان موجوداً في الموسيقى الكلاسيكية. الموضوعات في «الراحل الكبير» تفرض تعبيراً في الأداء، وهذا ما كنت أفتقده في الموسيقى الكلاسيكية. هو نوع جديد من الغناء يفتح الأفق للتعبير عن مشاعر جديدة من الصعب ايجادها في التراث، حيث غناء الحب والجمال. الموضوعات التي نغنيها في «الراحل الكبير» معاصرة وشائكة، حيث يكتشف أحدنا في ذاته قدرات لم يكن يستعملها سابقاً.
لماذا «لا بومب» في عرض هذا الموسم هل نحتاج لمزيد من التفجيرات؟ يقول خالد صبيح: نحن نتحدث عن واقعنا. في النصف الأول من القرن الماضي عبّر عبد الوهاب عن القاهرة في ذاك الزمن. في واقعنا الراهن ليس طبيعياً أن نغني للحب وللفرح فقط. حديثنا اليومي هو الانفجارات، الإرهاب، الأنظمة والتطرف الذي أنشأته، والحرب التي تسود عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج. ومع ذلك يتضمن عرض «لا بومب» أغنيات عاطفية. يضم العرض 15 أغنية، الجزء الأكبر منها يعبر عن العنف الذي نعيشه. الإنفجارات في لبنان، والتعامل السهل للناس مع مسألة الموت. البراميل التي تبيد الناس في سوريا والإعلام الذي يقزّم الخبر عنها. والتعامل الاستخفافي مع اكتشاف علاج للسيدا في مصر. غنينا لظاهرة العصر أبو بكر البغدادي الخليفة ابراهيم القرشي الحسيني. البغدادي ليس وحيداً هناك فكر من هذا النمط مستعد للقتل، للتصريح وللمنع باسم الله والرحمة والإسلام والدين.
تهديد داعش وصل إلى الرئيس الأمريكي فماذا عنكم؟ يجيب خالد صبيح: في هذا الوقت وفي بيروت ليس لنا الخوف من داعش، وقد يكون الخوف من آخرين. حين ينوجد الخطر الجدي ربما نبايع ونتوب «يقول ضاحكاً». بدوره يرى نعيم أسمر أن تجلياته في الأداء تنبع من حماس خاص في غناء الموضوع المعاصر الذي يعنيه كإنسان. ويقول: لا شــــك تستهويني موضوعات أخرى لاسيما الحب والموضوعات الوجدانية قد يكون من بينها الموســــيقى الصوفية. أما الواقع فأداؤه ممزوج بالسخرية لا مفر، كون الواقع تخطى الخيال وروايات السينما. ولو اردنا مقاربة الواقع بالجدية التي يستحقها فكمية التراجيديا فيه فوق قدرة الناس على الاحتمال، ومنهم نحن. وهكذا تكون السخرية مهرباً.
بماذا تُعرّف أغنية فرقة «الراحل الكبير» هل هي ملتزمة، هادفة أم ماذا؟ يقول خالد: قلت سابقاً بأننا نحاول الفصل مع القديم بكافة تشكيلاته وقوالبه. ما نقوم به بسيط جداً. نحن نغني ما هو بسيط من حيث الكلام واللحن وطريقة العزف والغناء. عملنا هو عبارة عن ورشة مستمرة وبالتالي نصل إلى النتائج التي رأيتها. نحن نغني وكلنا فرح وسرور، ولا نفكر كيف سيتلقى الجمهور هذا الغناء، وكيف سيصنفه النقاد. نحن في حال تجربة. الناس تخجل من غناء ما تغنيه في دورة المياه خارجها. ما نغنيه على المسرح هو نفسه الذي نغنيه في دورة المياه. نحن في صدق مع الذات تماماً.
ماذا عن الكلام هل هو تشاركي كذلك؟ نعم يقول. ويوضح نعيم أسمر: خالد هو من يكتب ويلحن العدد الأكبر من الأغنيات. من جهتي لحنت أغنية بمفردي وشاركت في تلحين أغنيتين. بمعنى أنه كانت لدي أفكار مفيدة دخلت في اللحن، وهذا ما ينطبق على ساندي كذلك. ويضيف خالد: كل أغنية وبدون استثناء تحمل في طياتها إضافة ليست مني. هي إضافات ولمسات من الجميع ساندي، نعيم، عماد حشيشو عازف العود، عبد قبيسي، عازف البزق وعلي الحوت إيقاع.
السؤال المفصلي في عالم الموسيقى الجدية في الدول العربية هو هل يعيش قومها منها وبخاصة في «فرقة الراحل الكبير»؟ بهدوء يقول خالد صبيح: ما من أحد منا يعيش من الموسيقى. لو قررنا العيش من الموسيقى لما قدمنا جديداً، أو كنا متنا أو تحولنا لشحاذين أو حرامية، أو وجدنا الحل في غناء المطاعم. فأنا على سبيل المثال صحافي ونعيم مهندس معماري.
هل الموسيقى هواية بالنسبة لنعيم أسمر؟ يتنفس الصعداء ويقول: هي أكثر من هواية. تقريباً ما تنتجه الموسيقى لي تستهلكه، هذا على الصعيد المادي. وما تمدني به على الصعيد المعنوي فهو أساسي جداً. الموسيقى تمنحني الرغبة في متابعة الحياة. بالنسبة لخالد: في المشاريع الجديدة للـ»الراحل الكبير» أن الموسيقى تتيح لي قول ما أفكر به، والتعبير عن كل المحيط بنا.
من أغنيات «الراحل الكبير» واحدة تحمل عنوان «نحاس عتيق للبيع». نسأل نعيم: مهندس ما شاء الله وتعمل في جمع الخردة؟ فيجيب: «الشغل مش عيب».
وماذا عن حفلات «لا بومب»: يقول خالد دائماً الصالة مكتملة، وهناك من يرغب بالدخول. وإذا تواصل الإقبال سنمدد أكثر من ثلاث حفلات. وفي تعليق أخير يقول نعيم ساخراً: «لا بومب» من فرقة «الراحل الكبير» ضرره سايكولوجي، في حين أن التفجيرات الإرهابية ضررها جسدي وتنهي الحياة.
زهرة مرعي