القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني:
صدر عن سلسلة كتابات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة كتاب للكاتب والناقد محمد الفارس يحمل عنوان الرؤية الإبداعية في أدب الروائي الراحل خيري شلبي.
ينقسم الكتاب الى قسمين أساسيين أولهما جدلية المضمون وثانيهما جدلية الأسلوب.
أما جدلية المضمون فيتناول خلالها الباحث مراحل الكتابة الأولى لدى خيري شلبي والتي تدور حول ما أسماه نسج آليات التراث الشعبي من خلال السرد ويدلل المؤلف على ذلك بنماذج من مجموعة السنيورة الصادرة عام 1974 ويتناول خلالها طقوس الموت والمزج بين الفانتازيا والواقع، ثم يتناول في الفصل الثاني من هذا الباب الاغتراب والموت بالمجان ونموذجه رواية الأوباش 1987 وخلال هذا الباب يتناول المؤلف موضوع الترحيلة في الأدب العربي، ويقول انها عند خيري شلبي تعبير عن التيار الوجودي حيث الاغتراب واللا انتماء. وفي الفصل الثالث يتناول المجموعة القصصية صاحب السعادة اللص الصادرة في تشرين الأول (أكتوبر) 1981 ويأتي هذا الفصل تحت عنوان الطوفان، والفصل الرابع أتى تحت عنوان في الصدور كنوز يتناول صياد اللولي، سونتا الأمل 1982و يشير فيها الى تأثر خيري شلبي بحكايات وعوالم ألف ليلة لاسيما في السنيورة ورحلات الطرشجي، والشطار، ففي رحلات الطرشجي الحلوجي 1983 يشير الفارس الى أنها تقوم على مساحات واسعة من الخيال والأسطورة وتحطم الفواصل بين الأزمنة والأمكنة وتغوص في مراحل تاريخية مختلفة لا سيما في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، ويبدو بحث ودأب المؤلف خلف أبعاد شخصياته شديدة المصرية، وكيف عاشت منذ عصور ما قبل التاريخ حتى عصرنا الحالي دون أن تباد رغم مرور حضارات مختلفة ودول عديدة، وتبقى هذه الشخصية كبقاء النيل. وفي وقفته المطولة أمام شخصيات الطرشجي الحلوجي ينقل الفارس عن خيري شلبي أنها مزاج شعبي خالص وتحفل بالتناقضات التي ربما أضفت على هذه الشخصية كثيرا من الطيبة والبراءة والبلاهة ولكنها في النهاية تقطع بشرف ووطنية، كما تعكس أيضا قدرته على النضال والكفاح ضد ظالميه وناهبيه، ولكنه نضال وكفاح على طريقته الخاصة، التي ربما اتخذت شكلا سلبيا، وهي في الواقع تخفي إيجابية حادة.
ويصنف المؤلف محمد الفارس الى ذلك قوله إن هذا الاهتمام بكل تاريخ مصر بكل تناقضاته وأهواله وفظائعه يتكرر أيضا في العراوي لأن كل تناقضات التاريخ بعصوره المختلفة تجدها داخلة في نسيج هذه الشخصية المصرية، فعنصر الزمان متوافر فيها، مثلما توفر فيها عنصر المكان.
ويرى المؤلف أن اشتراك المقريزي وظهوره واختفاءه داخل النص تكنيك يستخدمه خيري شلبي في رحلات الطرشجي، لتقديم ما نستطيع تسميته بالأدب الملحمي، الذي يكسر حدة الإيهام، والاندماج في الدراما معتمدا على هذا الكسر باستخدام عنصر الفانتازيا، فالتاريخ الواقعي أو الوثائقي الذي في كتب المؤرخين ينقله المؤلف الى عمل قصصي، ويكسر حدة الإيهام، بإيقاظ المتلقي على غرائبية الواقع المتفوق على التخيل.
وفي الفصل السادس الذي جاء تحت عنوان لعله في الغيب يعرف ما جرى يتناول مجموعة المنحني الخطر الصادرة عام 1983 ويقول محمد الفارس إن شلبي في هذه المجموعة كان حريصا على إثبات تاريخ كل قصة ماعدا الالتحاق بالحياد والاضمحلال، وحجران بالمصفاة، أما بقية القصص فتتراوح بين 1964، 1980، ثم يتناول المؤلف كل قصة من قصص المجموعة على حدة، وفي الفصل السابع الذي أتى تحت عنوان السيرة الأزرقية يتناول الكاتب رواية الشطار الصادرة عام 1985 ويبدأ حديثه بالقول: لم تزل مملكة الشطار والعيارين واسعة، ولم تزل تغوص فيها الى أعمق أعماقها، وفي هذه المرة يكون الراوي كلبا، وليس طفلا، وحتى في عالم الكلاب، هناك الكلب الذي له صاحب يؤويه ويرعاه، وإن كان توفيق الحكيم، قد جعل من حماره فيلسوفا بإطراقه وتأمله وأذنيه الطويلتين المسدلتين، فإن خيري شلبي في هذه الرواية قد جعل من قلبه فيلسوفا برؤياه وحكمته عن الناس والحياة، في جو أسطوري مغلف بالفانتازيا. ويتناول الفارس رواية العراوي 1986، ويرى أن شلبي يحطم فيها الحاجز الذي يفصل بين الكاتب والقارئ حيث شاعر السامر يحكي للسامرين احدى السير أو الملاحم من على المقابر ويحفظ الكثير من أشعار الأقدمين، ثم يتناول المؤلف رواية فرعان من الصبار التي تنقسم الى جزأين أولهما اللحن المميز وثانيهما الغنوة ويقدم من خلالها المؤلف صورة الموت وطقوسه ثم يناقش رواية الوتد، وفي المرحلة الثانية التي يتناولها المؤلف لدي خيري شلبي التي يطلق عليها الغرائبية يتناول عدة أعمال للتمثيل على هذه الغرائبية مثل موت عباءة 1993، الدساس 1996 منامات عم أحمد السماك 1991، صهاريج اللؤلؤة 2002، ثم ينتقل المؤلف الى القسم الثاني من دراسته التي تحمل عنوان جدلية الاسلوب ويقول الفارس عن هذه المرحلة:
نقول بجدلية الاسلوب، حيث ينبغي أن يتسق الشكل الخارجي مع الأفكار التي تحملها الرؤيا الابداعية لأي فنان في أعماله الفنية وأن يتسق الاسلوب مع مكوناته وأجزائه في تناغم منتظم.
ويضيف أن بداية ظهور مصطلح الرؤيا الابداعية في كتابات مارسيل بروست وآخرين محاولة لتحويل المصطلح الى منهج نقدي، من أجل أن يشترك المتذوق والناقد، مع الأديب بالاحتفال بالحياة، بالرغبة والمحاولة في تطورها وتقدمها، بالسباحة ضد التيار، بالكي بنار الفن في حدائق الحكمة، بالمسؤولية والحرية والاختيار.
ثم يعود المؤلف الى أدب خيري شلبي فيقول: نجد أن أدبه يقوم على توظيف الفلكلور، أو ما ارتضى مجمع اللغة العربية تسميته توظيف الفلكلور، أو ما ارتضى مجمـــع اللغة العربية تسميته بالمأثورات الشعبية، ولأن الثقافة الشعبية المصرية عاشت على مر العصور، تجمع المصرية القديمة وما تلاها من ثقافات، فإن المأثورات الشعبية أو الفلكلور أو اللون الشعبي الزجل جزء من هذه الحماية، وهو ما يبدو أنه المرجعية وراء استخدام شلبي للزجل بل الإكثار منه كذلك استخدامه للكثير من الدلالات الصوتية في رواية الأوباش وفي الوتـــــد وفي فرعان من الصبار ويــــري المؤلف أن الصوت لدى خيـري شلبي يتحول الى إشارة ما دامت اللغة تحمل دلالات صوتية تكتب بنفس طريقة نطقها، وهذه الإشارة في الكلمة أو الإشارات في تعبير ما، إنما هي في الحقيقة تحمل قدرا من البيانات والتكثيف.
ويؤكد محمد الفـــارس أن اللغة لدي خيري شلــــبي هي لغة العامة على اختلاف مشاربهم فــــهي لا تدعي التسـامي ولا تقع في السوقية، ثم يتناول المؤلف بعد ذلك مفهوم الحكمة في رواية الشطار وعدد آخر من الروايات وكذلك مفاهيم مثل الاغتراب والتهكم والطقوس والشعائر.
يقع الكتاب في 424 صفحة من القطع المتوسط.