الراهن والواقعي في مجموعة مسعودة بو بكر ‘أظل أحكي’

حجم الخط
0

ظلت القصّة القصيرة التونسية ملتصقة بالنمط الكلاسيكي للقصّة. ولم تتخلّص من الأحكام الصارمة لبناء هذا الجنس من الكتابة إلا في السنوات القليلة الفارطة حيث انتشرت ما يسمى القصة القصيرة جدا والأقصوصة.
وإن تعرّفنا على أسماء كبيرة في القصّة القصيرة ظلّت تثري المشهد الثقافي التونسي أمثال محمد العروسي المطوي والبشير بن سلامة وعز الدين المدني.. فإن الأسماء اللاحقة واصلت نفس التمشّي، أمثال عروسية النالوتي ومحمود طرشونة وأحمد ممو وصالح الدمس.. وصولا إلى ابراهيم الدرغوثي وإبراهيم بن سلطان وعباس سليمان وعبد العزيز فاخت وساسي حمام وفوزية علوي.. والقائمة طويلة.
بعد تسع سنوات من صدور مجموعتها الثانية ‘وليمة خاصة جدا’ تتحفنا مسعودة بو بكر بمجموعة قصصية ثانية صدرت نهاية 2012 بعنوان ‘أظل أحكي’. وللعنوان أكثر من معنى ودلالة، فهو الحكي أحد أهم آليات السرد.. والعنوان إحالة على الرغبة في مواصلة هذا الفن والبقاء في عالمه.
وهو كذلك يأتي في سياق حضاريّ وسياسي، حيث صارت المرأة تبحث عما به تحمي مكاسبها من أعداء الحداثة والحرية. ولما نرى الحملات التي تُشنّ على المبدع اليوم، نفهم لماذا تصر مسعودة بو بكر على حقها في الكلام باعتباره أحد أسلحة المثقف. هذه المجموعة القصصية التي جاءت في 183 صفحة صدرت عن دار سحر للنشر، حاولت فيها مسعودة بو بكر أن تنأى عن البناء الكلاسيكي للقصة القصيرة، وخاصة من جهة الموضوع.
حيث شاع توظيف التراث والحكايات والأساطير.. هذا من جهة. ومن جهة أخرى استطاعت مسعودة بو بكر أن تجمع في مجموعتها كل صنوف هذا الجنس من الكتابة.. حيث حضرت القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والأقصوصة، وتراوحت فترات كتابتها بين 1990 و 2012.
والمتأمل في عناوين نصوص هذه المجموعة يدرك بيسر مدى التصاق الكاتبة بواقعها الاجتماعي والثقافي.. الحياتي بكل تفاصيله وتفرعاته.. الطفولة بأريجها وضحكاتها وخساراتها..
عروس، ديمقراطية، على النات، سترة الكشمير، قطعة الرغيف، موضوع إنشاء، عزاء، أمام السبورة، حفّار الليل.. كلها عناوين لنصوص التصقت بالراهن حتى صارت هي الراهن.. كل نصوص مجموعة ‘ أظل أحكي’ تحفر في الراهن والواقع، ذلك الحفر الأركيولوجي ـ على حد تعبير فوكو ـ لتخرج منه حالات شتى وأحاسيس وتراكمات نفسيّة متداخلة ومتقاطعة مع السياسي والثقافي، وعوّلت مسعودة بو بكر في تقسيم المجموعة على الموضوع وعلى جنس الكتابة. فقد صدّرت ‘أظل أحكي ‘ بنصوص حاكت الثورة التونسية واستبطنتها بنصوص من أمثال: عروس و وإذا العربة خيّرت واختراق فوق عرش السلطان وديمقراطيّة وسلوه هوّ وحرابي…ثم أردفتها بنصوص قصيرة جدا يبدو أنها كتبت قبل أحداث الثورة التونسية أي سنة 2006 حيث حاكت فيها الكاتبة الحرب التي شنتها اسرائيل على غزّة.
أما القسم الثالث فجاءت النصوص فيه طويلة ومخالفة للنصوص الأخرى من حيث المضمون، حيث لامست مواضيعها الشأن الحياتي اليومي والهامش.
1 ـ يوميات الثورة التونسية:
الحدث كان جللا.. مفاجئا.. مُربكا.. ولادة قسريّة أربكت العالم والنجوم والمثقف والناقد..
صدّرت مسعودة بو بكر مجموعتها بنصّ عنوانه ‘عروس’.. هي مرأة ‘قد سرى الخدر في أسفلها’ تنجب من زوج تزوجها ليلة واحدة.. هي هبة واحدة سرى منها خدر التغيير.. انتفض شعب واحد لينجب ذلك المولود/ الثورة.
ولكن تكرار جملة ‘أريد أن أستلّ بقاياه من أحشائي’ كناية على فجائية ما، أدت إليه الحدث.. حدث حُرّف وشُوّه وبات لزاما لفظه وتغييره، أليس هذا النصّ إحالة على الراهن السياسي بعد 14 جانفي، وما قام به الساسة الجدد تحريف لمطالب الشعب التونسي.
واصلت مسعودة بو بكر تحرث في تربة مالحة تمرّ على عربة البوعزيزي لتمزج فعل الاحتراق بالتمنّي.. صار الحدث فعلا تحفة في متحف تاريخيّ، لم يكن الحدث قادحا لاحتراقات أخرى.. هي التطهير وهو مطلب هذه الثورة:
‘أما هي (العربة) فباتت تحلم بلسان من لهب يهيل رمادها على رماد صاحبها’.. وهي العربة التي كانت قادحا لفعل ‘الاختراق’.. اختراق المتاريس والدروع
‘d’gage’ والأسوار لتصدح الحناجر بكلمة
‘كبر الحلم، كبرت الخيبة.. كبر الاحساس بالقهر في غفلة من عربته المنكفئة على حملها وحلمها قرر أن يُشعل في الثالوث المعتّق دواخله النار’
هكذا أنهت قصّتها ‘فوق عرش السلطان’. هذا الذي همّش شعبه وحاصره وأذلّه.. كان يأمر أعوانه ‘أجعلوا من أمامهم سدا ومن خلفهم سدا وع وعن يمينهم سدا وعن شمالهم سدا’.. لهذا حتى الحيوانات ثارت وخرجت مدجّجة بالنقمة والثورة، إلا الحرابي ركبت على الثورة لتتمعّش منها بمثل ما تمعّش منها الحرس القديم.
هكذا لم تمر مسعودة بو بكر جنب الحدث الجلل، لأنها كانت تعيشه ككل مثقف تونسي.. صحيح أننا لا نقدّم الحلول ولكن السؤال أهم من الإجابات وفق الرؤية الفلسفية…وهكذا تعددت القراءات لما حدث بعد 14 جانفي.. هذه إحدى القراءات بمعجم قصصي.
لبنان أحد المشاهد المتكررة:
لم تكن الحرب الصهيونية على جنوب لبنان قصة قصيرة جدا.. لم تكن حدثا عابرا.. لم تكن مشهدا من فيلم.. كانت كل المشهد، بل ربما هي الفيلم. حرب جنوب لبنان كانت رواية طويلة جدا بفصول أطول.
ولكن كسرا للحدث، رأت مسعودة بو بكر أن تصوّر الأطول بالأقصر، بل لم نر أبطالا ولا شخوصا ولا أسماء في قصصها القصيرة جدا. كأننا أمام مشهد متكرر يصلح لكل الأوقات ولكل الأشخاص.
‘كان هنا.. في انتظار عروسه.. والليل يعمّد حلقة المنشدين’ هكذا صدّرت قصّتها ‘عرس الجنازة’، بل حشرت الساردة نفسها في المكان، كأنها تقول: ‘كان هنا ..حيث أنا’ دلالة على انصهار الساردة في الحدث.. كأن الحدث يعنيها.. يهمها.. يخصّها.. هي لبنان مهد الحداثة والتحرر التي شاءت السياسة أن تشرذمها وتقسّمها. صحيح أننا لم نعثر على إشارة واحدة تحيل على لبنان أو فلسطين، ولكن التاريخ المدوّن أسفل النص (2006) يحيل قسرا إلى الحرب التي شنها الصهاينة على جبنان، والتي ستردفها بحرب على غزة في 2008
لا حظوا كيف جمعت الكاتبة العرس بالجنازة في العنوان، لتخيط كفنا احتفاليا دراميا أشبه بطقس كنائسي هي التراجيديا في أقسى تجلياتها.
استطاعت مسعودة بو بكر بحق أن تنقل لنا الصورة بكاميرا القصة القصيرة جدا.. بل وبأسطر لم تتجاوز الثمانية، مرّت على الحياة والموت والزواج والنضال والفقر والتحدي.. داخل تلك الرقعة الجغرافية التي شهدت تلك العرب العنصريّة البغيضة. وفي الحقيقة أنا أظلم الكاتبة بالتعسّف على المعنى، لأن نصوصها تلك لكل قضية انسانية عادلة. وأحسنت الكاتبة تشذيب النصوص من التواريخ والشخوص والأماكن لتظل القصة محلّقة في سماء القيم الانسانية تصلح لأن يكون عنوان كل القضايا العادلة.
الذاتي والواقعي ضمن معايير التجنيس:
يميّز رولان بارط بين ‘الواقعي’ و ‘ المشابه للواقع’ و ‘ التاريخي. وإن كان التاريخي هو التوثيقي.. الحقائق الصحيحة والثابتة ـ إن شئنا ـ ما يطلق عليه بالتسجيلي، فإن ‘المشابه للواقع’، هو المزج بين التاريخي والواقعي. بمعنى إضافة ما هو فنّي إلى التاريخي، دون أن نطالب الكاتب بصحّة ما ورد في النصّ.
أما الواقعي ـ وهو ما يهمّنا هنا ـ فهو الأٌقرب للتاريخي أيضا، ولكنه أقرب أيضا للذات وللأنا. بمعنى لا يستحق منا حفرا للتأكد من صحّة ما أتى به السرد. هذا تحديدا ما عوّلت عليه مسعودة بو بكر في مجموعتها ‘ أظل أحكي’.
لهذا جاءت هذه النصوص مخترَقَة بضمير ‘الأنا’.. تلك أوجاعها وآلامها.. الساردة هنا هي الكاتبة، حيث اختلط لدينا أحيانا السارد والكاتب، فتمازجا وتصاهرا، وصار السارد هو الكاتب، والكاتب هو السارد.
‘ آسفة يا جدّة.. لا أريد التأرجح بين خيالات ماض لم أعشه ومستقبل هو حلم متوارث’ خاصة في قصص: ‘عين الحاكم’ و’يا بيت جدّي ضاع ها المفتاح و’حفار الليل’ و’دكان العيدان’ و’أظل أحكي’ و’حين تخون الشمس موعد إشراقها’ و’سمندل الروح’ و’رأس الجمل’.. فيما جاءت نصوص قليلة جدا تستأثر بضمير ‘الهو’، كنص ‘أمام السبورة’ و’السيدة كارثة’ و’سلاب القلوب في زفة التكنو’… وهو ما يعني أن الكاتب ينطلق غالبا من أناه المشبعة بالوجع والحرقة والأسئلة.. كذا مسعودة بو بكر، حاولت في مجموعتها ‘أظل أحكي’ أن تمخر عباب الذات الانسانيّة/ ذاتها لتحفر فيها وتخرج لنا ما تيبّس وتحجّر وتراكم. فتعيد صقله وتهذيبه، ليصير فكرة قابلة للفهم أو للتفاعل أو للقراءة.
جاءت نصوص هذه المجموعة سهلة وقريبة من القارئ، دون محسنات بلاغيّة ولا لغة منمّقة، تُعيق إيصال الفكرة، حيث خلت النصوص من التواريخ والشخوص، لتضيف لتلك الوقائع شحنة انسانيّة تجعل النصّ منفتحا على قيم أشمل وأعم.. وهذه سمة الإبداع.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية