يعدّ بنسالم حميش صوتا مهما من أصوات السرد العربي المعاصر. فقد حرص في تجربته الروائية منذ البدايات مع روايته الأولى «مجنون الحكم» (1990) مرورا بأعماله اللاحقة «محن الفتى زين شامة»، و«العلاّمة» و«فتنة الرؤوس والنسوة» و«هذا الأندلسي» و«معذبتي» و«الراوي والمتجردة» وصولا إلى عمله الروائي الأحدث «جرحى الحياة» (2018)، على ارتياد آفاق سردية مختلفة. ففي كل رواية جديدة نجده يضخّ الحيوية في المهمة التمثيلية للرواية، وفي المنزع التجريبي الذي يطال اللغة والشخصيات والتركيب، ويمكّن السرد من الامتداد في أكثر من نص ونوع.
تتكونُ رواية «الراوي والمتجردة» من ثلاثة أقسام: هكذا تكلم الراوي، والمتجردة، وعودة الراوي. وعبر هذه الأقسام الثلاثة يندسّ الكاتب بين شخوصه قريبا من همومها وانشغالاتها، متوغلا في عوالمها، مستدعيا أسئلة عديدة تخص مجالات الحياة والفن والأدب والسياسة والثقافة والمجتمع، مثل قضايا الرواية ونشأتها ومفهوم الكاتب لها، والمركزية الأوروبية وعلاقة المشرق والمغرب، والتجربة الصوفية والحياة السياسية في المغرب. وهي قضايا اهتم بها بنسالم حميش مبدعا ومثقفا، قبل أن يختبرها من خلال السرد وأدواته. ويبدو من عنوان هذا النص «الراوي والمتجردة» أننا إزاء رواية تنهض، انطلاقا من هذه العتبة، بتكثيف أبرز الشخصيات التي تتحرك في عالمها: الراوي الذي يتحدث بضمير المتكلم، ونعرف من خلال ملفوظاته أن الإبداع يمثل له نوعا من الخلاص من سجن الأنا والعلاقات غير المجدية، والأستاذة رقية التي تتعينُ مثالا للمرأة الصوفية ذات الأفكار المختلفة عن الإنسان والحياة. فهي تستحق اسمها لأنها تنحو دائما نحو الخلوة والتجرّد، اللذين يحررانها من أسار النفس ومن إساءات الحياة.
يبدو من عنوان «الراوي والمتجردة» أننا إزاء رواية تنهض، انطلاقا من هذه العتبة، بتكثيف أبرز الشخصيات التي تتحرك في عالمها.
ورغم الحضور الوازن لهاتين الشخصيتين، تتخللُ الرواية شخصيات أخرى تنهضُ بأدوار شديدة الأهمية في انفتاح النص على الذات الفردية من جهة، وعلى أفكار وتصورات ومنظورات مختلفة من جهة أخرى، وهنا يمكن الإشارة إلى علاقات الراوي العاطفية بكل من طامة وصوفيا الفنانة التشكيلية، والشاب بدر الذي تشده علاقة معقدة بأستاذته رقية التي تتلمذ عليها في شعبة الفلسفة، وعبر لها عن تعلقه الروحي بشخصها ونهجها. بالإضافة إلى أصدقاء الراوي من عالم الثقافة والفكر والسياسة. وما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو المكون الصوفي الذي يعدّ عنصرا أساسيا فيها. ولا يتجلى هذا المكون فقط من خلال علاقات الشخصيات بالعالم الذي تعيش فيه، أو من خلال علاقاتها البينية كالعلاقة بين رقية الناجي ومريدها الشاب بدر الذي يرى فيها ما يحب أي العزلة الاختيارية والتفكير المعمق الذي ينفذ إلى باطن الأشياء، بل كذلك من تفاعل الرواية مع المعرفة الصوفية وعوالمها الحية الباعثة على التأويل والتفكر اللذين ينقلان القارئ إلى مناخ سيكولوجي يتمظهر فيه العقل الباطن للشخصية الروائية.
تحتفي الرواية بأعلام وفلاسفة من طراز أفلاطون والحلاج والنفري وابن عربي والتوحيدي ورابعة العدوية… كما تشير إلى معارف ونصوص في التصوف الإسلامي تبرز الإمكانات الأخرى في تشكيل النص الروائي، وتعميق لغته. وما نلاحظه بخصوص اللغة هو أن الكاتب يعيد، شأنه في ذلك شأن الصوفي، تشفير مجموعة من مفرداتها بأخذها إلى مستوى دلالي آخر يقرّبها من الروحي ويشدها إليه. لكأن بنسالم حميش ينبهنا من خلال اللغة ومستوياتها إلى مسألة أساسية مفادها أن خصوصية الكاتب تنبعُ بالأساس من قدرته على اجتراح اللغة الملائمة القمينة باستيعاب تجربته وتجسيدها، واختراق شبكة المتناقضات التي تؤثر في واقعه. وهذا ما يتطلبُ من المبدع بذل مجهود مضاعف من أجل استلام السلطة التي تمتلكها اللغة: سلطة توليد الدلالات والمعاني، كما يستوجبُ من القارئ حشد مخزونه من القراءات السابقة كي يكون أقدر على فك لغزية الرواية وإدراك قيمة الأفكار التي تنطوي عليها.
من هنا نحسب أن الاقتراب من العالم الذي يشيده بنسالم حميش في هذه الرواية، وما يمورُ به فضاؤها من شخوص وأحداث، وتلمس العناصر الدالة على جماليات الشكل الفني، يتطلب ترك القراءة التعاقبية التي تتقصّى تطور المادة الحكائية في الرواية، والبحث عن مداخل أخرى تتيحُ استكشاف ضروب الجدة والحداثة فيها. وفي هذا السياق نقترح ثلاثة مداخل نرى أنها تمثل مفتاحا ملائما لفهم التجربة الفنية التي تبلورها رواية «الراوي والمتجردة»، وتضفي عليها قيمتها في المشهدين الروائيين المغربي والعربي.
المدخل الأول ننطلقُ فيه من تصور لهذا النص بوصفه «رواية مضادة»، أي أن الرواية يشغلها هاجس بلورة جماليات توسّع مفهوم الرواية وترتاد بها أفقا رحبا يحررها من قيود السرد التقليدي. وما نلاحظه هنا هو أن رواية «الرواي والمتجردة» تنتسب إلى ذلك الأفق الذي تجترحه التجارب الجيدة في الرواية العربية والتي تنهل من السّرديات العربية ومن نصوصها القوية بحثا عن جماليات جديدة تعمق علاقة الرواية بأسئلة واقعها. وبالتالي فهي تستفيد من جماليات السرد العربي وتتناص مع مدونته. وما يعزز هذا النهج في الكتابة هو الطابع الفسيفسائي للنصوص، فهي موقع مميز لتقاطع خطابات ومعارف متعددة، وكل نص يتكون من عمليات حوارية معقدة مع نصوص سابقة. ويبرز هذا الجانب في «الراوي والمتجردة» من خلال المعرفة التراثية التي تستدعيها الرواية وتشير إلى نصوصها ومتونها الأساسية، سواء في ملفوظات الراوي أو في ملفوظات الشخصيات كالأستاذة رقية، والشاب بدر مريدها اللذين جمعتهما علاقة روحية وفكرية ثرية تستبطن الكثير من الأبعاد والدلالات الرمزية، قبل أن يُغتصب ويقتل بطريقة مأساوية. وهذه العلاقة تستدعي إلى ذاكرة القارئ تجربة النبي يوسف مع زوليخا زوجة العزيز بكثافتها الدلالية والرؤيوية. كما تحضر بالقدر نفسه في ملفوظات عبد الحي وهو يتحدث عن تجربته في الكتابة وعن مصادرها الأساسية الإبداعية والحياتية، وحساسيته العميقة إزاء ما يسود المجتمعات العربية من ضروب الأنساق المضادة للحداثة والتقدم. إن هذا الامتلاء بالذاكرة الأدبية، السردية والصوفية والشعرية، هو الذي يمثل أحد مرتكزات التجديد في هذه الرواية، وقد أشار الباحث كيبيدي فارغا إلى أن هذا النوع من الروايات يتطلب عند القراءة اللجوء إلى مقاربة مختلفة يطلق عليها «المقاربة التناصية». وما يؤكد هذا البعد في رواية «الراوي والمتجردة» هو أن التناص يحضر فيها بشكل وازن، إذ تتعدد الإحالات إلى نصوص مختلفة: دينية وفلسفية وصوفية وسياسية وفكرية، بالإضافة إلى النصوص الثقافية بالمعنى الواسع، مما يضفي على السرد مقومات الكثافة والتركيب اللذين يستدعيان كفاءة القارئ، وقدرته على تأويل الإشارات والرموز، والتقاط الدلالات والمعاني الثاوية بين الكلمات والخطابات.
كل رواية، مهما توغلت في دروب المتخيل ومجهولاته، لا يمكن أن تكون بمنأى عن حياة مؤلفها والتجارب التي عاشها، بل من خلال التخييل الذي يتيحُ الاقتراب من الذات عبر الظلال التي يخلقها، والوضعيات التي يفترعها.
لا شك أن العينات السيرذاتية التي تتخللُ الرواية تدفع إلى قراءتها كسيرة روائية أو تخييلا ذاتيا، وهذا هو المدخل الثاني الذي يمكن الاهتداء إليه من خلال قراءة الرواية، لا يعني هذا أن الكاتب يشير إلى أحداث وتجارب عاشها. فكل رواية، مهما توغلت في دروب المتخيل ومجهولاته، لا يمكن أن تكون بمنأى عن حياة مؤلفها والتجارب التي عاشها، بل من خلال التخييل الذي يتيحُ الاقتراب من الذات عبر الظلال التي يخلقها، والوضعيات التي يفترعها. وبهذا المعنى الذي تكتب فيه الرواية سيرة الراوي عبد الحي على الرغم منه، تتخلّص التجربة من طابعها الخاص لتأخذ بعدا عموميا. إن ما يوحي ببعد التخييل الذاتي هو القضايا الفكرية والمعارك الثقافية التي تجد طريقها إلى السرد من خلال شخصية عبد الحي التي تستبطن الكثير من الأفكار والتصورات التي يتعين بنسالم حميش، بوصفه من أكثر المثقفين خوضا فيها ودفاعا عنها. من هذه الأفكار ما يتعلق بعلاقة الغرب بالشرق، وما تعرفه من ضروب الالتباس والاستعصاء في هذه المرحلة التي يشهد فيها العالم تغيرات متسارعة تلقي بظلالها القاتمة على إشكاليات الهوية والوجود، أو ما يتعلقُ بحوار المشرق والمغرب، وضروب البياض التي تعتريه، بسبب ضعف الجهد المبذول من قبل المشرق إزاء الثقافة المغاربية، أو ما يتعلّق بالمسألة الثقافية وبأدوار المثقفين ومسؤولياتهم إزاء الانهيارات التي يعرفها العصر الراهن على مستويات متعددة، والإشكاليات التي تواجهها المجتمعات العربية مثل إشكاليات الهوية واللغة والانتماء التي تتعرّض لتحديات بالغة القوة والصعوبة.
أما المدخل الثالث فيتمثل في كون «الراوي والمتجردة» تمثل نموذجا للرواية الجديدة الواعية بمقتضياتها السردية والتخييلية، وعلاقتها بالسياق الذي تتبلور فيه. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبارها رواية ما بعد الحداثة، خاصة إذا ما تنبّهنا لبعض الاستراتيجيات التي تنهضُ عليها الكتابة السردية في هذا النص. من ذلك نهاية سلطة السارد وتراجع قدرته المطلقة على التحكم في العوالم التي يبنيها والشخصيات التي يختلقها. فشخصية رقية أستاذة الإنسانيات تتمتعُ داخل الرواية بشخصية قوية، وقدرة على التمرد على الراوي وانتزاع حقها في الكلام، وبالتالي في تمثيل نفسها بنفسهاـ وهذا ما يسمح بخلق موقع تلفظي مختلف، يُدخِلُ الجدة ّإلى عالم الرواية ويفسح المجال واسعا أمام موقع ثالث بالمعنى الذي يشير إليه الباحث الهندي هومي بابا، مما يعمّق حوارية الرواية وقدرتها على التقاط الشيء ونقيضه. وتعتبر هذه السّمة الجمالية الناظمة لعلاقة السارد بالشخصية من أهم مرتكزات سرد ما بعد الحداثة الذي يضعُ موضع شك أسس الرواية التقليدية ومفهومها للسرد، كما أبرز ذلك تيودور أدورنو في دراساته اللماحة لوضعية السارد في الرواية الحديثة. أليست ما بعد الحداثة، في المقام الأول، نقضا لما اعتبر، في القراءة الحديثة، أساس الرواية ومرتكز هويتها الفنية؟ ففي هذه الرواية لا تتوقف المساءلة عند مفهوم الرواية وسياقات تكونها وعلاقة ذلك كله بالجماليات الغربية المهيمنة، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة النظر في طبيعة الرواية ولغة السرد وتقنيات الكتابة، خاصة وضعية السّارد وعلاقته بالشخصيات. تظهرُ المداخلُ الثلاثة أننا إزاء رواية مغايرة في شكلها الفني وفي طريقة تمثيلها لقلق الفرد وهموم المجتمع. وإذا استحضرنا الاهتمام الذي يوليه حميش لبناء هذه الرواية والخصائص المميزة للغة السرد وقدرة الكلمة على التغلغل في الأحشاء، والإفصاح عن أفكار الشخصيات ومنظوراتها المختلفة للذات والعالم الذي تتحرك فيه، أمكننا القول إن هذه الرواية التي تنهل من معين التجربة الصوفية وعوالمها الروحية، تمثل إسنادا قويا للتحولات التي تشهدها الرواية المغربية المعاصرة من الناحيتين الكمية والنوعية.
كاتب مغربي