اختفى الشاب مامي ثماني سنوات، لم يظهر فيها إلا نادراً؛ في ثلاث حفلات، لم يكن أداؤه فيها مقنعاً وفي تسجيل دويتو مع مغنية شابة، سرعان ما خفت صوتها ونسيها الناس. ثم أطل، قبل أيام، في تجمع شعبي دعماً للرئيس بوتفليقة، كي يستمر في ولاية خامسة.
ظهر أمير الراي وقد زحف الشيب إلى رأسه، زاد وزنه وشحب وجهه. كان يقف مثل جندي ينتظر إشارة من قائده، يتأبط ميكروفونا، يلتفت من حوله كما لو أنه يخشى أن ينزع منه أحد ما الميكروفون. انتظر أن تنتهي خطب الساسة والداعمين للرئيس المنتهية عهدته كي يصعد إلى المنصة، ويغني بينما كان الجمهور قد شرع في مغادرة القاعة، وراح آخرون يلتقطون «سلفيات» مع وزراء سابقين، متجاهلين وجوده، في مشهد عبثي، فالرجل الذي كان يجمع أكثر من عشرة آلاف شخص في حفلاته، وتتهافت عليه كبريات المهرجان، في الخارج، بات رقما عادياً، ونزل إلى أسفل السافلين. حين نذكر الشاب مامي فنحن نتحدث عن واحد من نجوم الراي السابقين، عن هرم لطالما ارتبط اسمه باسم بلده، فكيف وصل إلى هذا المنزلق؟ والأهم كيف تحول الراي من موسيقى شعبية إلى واحدة من أدوات البروباغندا السياسية؟
قبل حوالي ثلاثة عقود بدأت علاقة الود بين السياسة والراي، بعدما سادت بينهما علاقة رقابة ومنع وتأليب الرأي العام على مغني الراي. في الستينيات والسبعينيات، اتكلت السلطة على بعض المغنين، من أمثال وردة الجزائرية في الخارج ورابح درياسة في الداخل، لتمرير آرائها بشكل لين، ولكن مع الوقت تراجعت شعبية هذين المغنيين، وصار من الضروري البحث عن بديل لتوفير دعاية ناجحة للجماعة الحاكمة، ولم يكن من الصعب انتقاء الراي بديلا. تأسست علاقة السلطة مع الراي، في النصف الثاني من الثمانينيات، على أشكال مختلفة، أهمها الدعم من خلال توفير أستديوهات تسجيل ودفع مقابل للمغنين من خلال ديوان حقوق المؤلف، وانفتح التلفزيون ومعه الراديو تدريجيا لمغني الراي، وتوقفت حملات الإساءة، التي كانت تقودها جرائد ومجلات حكومية، مثل يوميتي «الشعب» و«المجاهد» أو مجلة «الثورة الإفريقية».
في الستينيات والسبعينيات، اتكلت السلطة على بعض المغنين، من أمثال وردة الجزائرية في الخارج ورابح درياسة في الداخل، لتمرير آرائها بشكل لين.
فهمت السلطة أن الراي ينتعش في الظل، وأن له أتباعا بمئات الآلاف، وأنه يستطيع أن يمنحها غطاء، ويتيح لها وعاء انتخابيا، يمكن الاستفادة منه في الاستحقاقات، وإقناع الناس بالمشاركة في الانتخابات التي تُعرف نتائجها قبل أن تُجرى. لقد فتحت السلطة الباب للراي ليس طواعية أو تحت ضغط الشباب آنذاك، بل من أجل استغلاله. كما أن دخول الجزائر حرباً أهلية في التسعينيات رافقه صعود الراي، كما لو أنهما حدثان متكاملان.
في المقابل، ورغم علم مغني الراي أنهم صاروا أداة من أدوات البروباغندا فقد تجنبوا، عن قصد أو غير قصد، الغناء عن السياسة أو السياسيين، واكتفوا بالمشاركة في حملات انتخابية، وفي تجمعات شعبية لصالح رجال السلطة، ليغنوا عن الحب وعن الأمل المزعوم، وكان الشاب خالد ـ مثلاً ـ ذكيا بأن تجنب الاحتكاك المباشر مع السياسيين، مكتفيا في دعمه لمرشح أو لآخر بكلمات عامة، وبإطالة ضحكاته كسباً للوقت، على عكس الشاب مامي، الذي بدءاً من 2004، فضل الظهور على السطح، ومرافقة الرئيس بوتفليقة، والانتساب إليه، غير مبال باهتزاز صورته في الداخل، التي تشوهت مع الوقت.
في شتاء 2005، دخل الرئيس بوتفليقة إلى مستشفى فرنسي، وسط تعتيم رسمي، ولم تتسرب للصحافة الجزائرية ولا الفرنسية أدنى معلومة حول صحة الرجل، ساد الغموض إلى أن ظهر الشاب مامي في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وكان حينها مغتبطا بنجاح ألبوم «لايف غروند ريكس»، زار الرئيس في غرفته في المستشفى، وقام بما لم تقم به مصالح الإعلام في رئاسة الدولة، وأخبر الإعلاميين والشعب أيضاً عن صحة الرئيس. حينها طغى سؤال: كيف أمكن مغن أن يفعل ما عجز عنه كل الصحافيين؟ ونسوا أن الراي لم يعد مجرد موسيقى، بل هو أيضاً نافذة يطل منها الرئيس على أتباعه. في تلك الأيام أيضاً كان مامي قد التقى مصورة صحافية ارتبط في علاقة غرامية معها، واعتقدت السلطة أنها كسبت مامي إلى جانبها، وأنه سيكون حصاناً تتكل عليه لإقناع الناس باستمرار بوتفليقة.
من جهته، بدا مامي مزهواً بفعلته والحظ الذي صادفه، ووظف قربه من السلطة لتصفية حساباته مع خصمه التاريخي، الشاب خالد، ومن لحظة خروجه من غرفة بوتفليقة، في المستشفى، لم يفوت فرصة بدون الطعن في خالد والإساءة إليه، وأفردت له الصحف في الجزائر المساحات لنشر شتائمه وتطاوله، إلى عام 2006، حيث أصدر ألبومه الأخير «ليالي»، بدون أن يفرح به، حيث ورط السلطة التي راهنت عليه في قضية شخصية، تحولت إلى قضية سياسية بين الجزائر وفرنسا.
الدبلوماسية الموسيقية لم تنجح، والشاب مامي لطخ صورة الرئيس، لذلك فهو يشعر أنه مدين له، وأنه أخطأ معه، وفقد مكانته، بعدما كان من المقربين منه.
استدرج رفيقته، التي تعرف عليها في العام الذي زار فيه بوتفليقة في المستشفى، إلى وهران، بعدما أبلغته أنها حامل منه، وحاول إرغامها على الإجهاض بالعنف، لكنها نجت وفرت عائدة إلى باريس، ورفعت دعوى قضائية ضده، انتهت بأن حُكم عليه بخمس سنوات، ثم خففت العقوبة إلى سنة واحدة، بعد أن اضطر إلى دفع كفالة برقم فلكي، تقول بعض الجهات أن الحكومة الجزائرية هي التي دفعتها، ودليلهم في ذلك أن محامي الشاب مامي في القضية هو محامي سفارة الجزائر في باريس نفسه. هذا الأخير ظهر في التلفزيون العمومي، يوم خروج مامي من السجن ووصف دفاعه عنه بالانتصار. بدون أن يحدد هل هو انتصار شخصي له؟ أم انتصار للسلطة بعد أن خرج داعم لها من سجن فرنسي؟
الدبلوماسية الموسيقية لم تنجح، والشاب مامي لطخ صورة الرئيس، لذلك فهو يشعر أنه مدين له، وأنه أخطأ معه، وفقد مكانته، بعدما كان من المقربين منه، فبعد خروجه من السجن، لم يعد أميراً للراي، بل «ملعوناً» من كثير من الناس، بسبب اعتدائه على امرأة بريئة، وانتهت مهمته في ظرف قصير جداً، تخلى عنه رفاقه السابقون ومدير أعماله، وعاد إلى نقطة الصفر، يحيي حفلات عائلية وأعراس، ويتقاضى عنها مقابلا زهيداً مقارنة بما كان يتلقاه قبل 2004 وقبل لقائه ببوتفليقة.
سقوط مامي لا يعني سقوط الراي، لذلك حاولت الجماعة الحاكمة استبدال الحصان بآخر، ووجدت في الغريم الشاب خالد ميزات تمحو العار، لكن خالد كان ذكياً كدأبه، لم ينسق إلى اللعبة، وحافظ على مسافة أمان، وصعب عليهم تدجينه، واستنجدوا العام الماضي بالشاب نصرو، الذي قضى عشرين عاماً في أمريكا بدون تسوية وضعيته القانونية، قبل أن تحل بسهولة، ويعود إلى الجزائر ويستقبل مثل الأبطال، لكن الأمر لم يعدُ أكثر من حماسة شبابية، فنصرو لم يجد الصدى الذي كان يتوقعه، ولم يقدر على تدارك ما ضاع منه من سنوات، لهذا باتت خيارات السلطة الآن ضيقة، لكن عينها ما تزال تحوم حول مغنيي الراي، لتوظيفهم في الترويج لولاية خامسة لبوتفليقة، الذي يبدو أنه فكر في الاستمرار بدون أن يفكر في تهيئة أرضية فنية أو فنانين يدافعون عنه في أوقات الحرج.
٭ روائي وصحافي جزائري