الرباط تستضيف المهرجان العالمي للمعاهد المسرحية

الطاهر الطويل
حجم الخط
0

الرباط ـ “القدس العربي”: انطلقت الجمعة، في العاصمة المغربية الرباط فعاليات الدورة الخامسة للمهرجان الدولي للمعاهد والأكاديميات المسرحية، وتستمر إلى غاية سابع تشرين الأول (نوفمبر) بمشاركة فرق تابعة لمعاهد مسرحية من فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وسويسرا والنمسا والشيلي والصين وتونس ومصر والسنغال والكونغو والمغرب.

وتنظم هذه التظاهرة المسرحية تحت رعاية العاهل المغربي من طرف جمعية “إيسيل للمسرح والتنشيط الثقافي” بشراكة مع وزارة الثقافة والشباب والرياضة ـ قطاع الثقافة ـ والمسرح الوطني محمد الخامس والمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ومجلس مدينة الرباط ومجلس جهة الرباط ـ القنيطرة.

ويتضمن البرنامج العام للمهرجان تقديم أربعة عشر عرضا مسرحيا داخل المسابقة الرسمية تحت إشراف لجنة تحكيم دولية ذات خبرة عالية في التكوين والإبداع المسرحي، وتضم اللجنة مولاي أحمد بدري رئيسا وصفية معناوي (المغرب) وجورجي كابرييل (فرنسا) وسابين دين وهاري فورمان (ألمانيا) وكيرا كلود (ساحل العاج).

كما تنظم ورشتان في تقنيات الصوت والجسد والتعبير والإيقاع لفائدة طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي. وتنظم على هامش المهرجان الدورة الثانية للجمع العام للرابطة الافريقية للمعاهد المسرحية، حيث يتم تقديم مشروع البرنامج الثقافي والفني للموسم المقبل بحضور الأعضاء المؤسسين من المغرب وتونس والسنغال وساحل العاج وبينين والكونغو الديمقراطية والتوغو. كما يشهد الجمع العام التحاق دول افريقية أخرى. ويستضيف المهرجان “الرابطة الأوروبية للمعاهد والأكاديميات المسرحية” حيث تعقد شراكات وبرامج مع الرابطة الافريقية للمعاهد المسرحية.

واختار القيمون على المهرجان بالإجماع تكريم أحد الوجوه التي وشمت تاريخ المسرح المعاصر في المغرب (وهي من أصل روماني) الأستاذة يوليانا بريدوت ناصف التي انخرطت في هيئة التدريس في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي في الرباط سنة 1986 كأستاذة لتاريخ الملابس والسينوغرافيا. وتخرج على يديها جل خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وهم اليوم يساهمون في تأثيث المشهد الفني في المغرب وخارجه بأرقى الإبداعات المسرحية وفنون العرض.

“مدام ناصف” كما يحلو لطلبة المعهد تسميتها، ولدت في رومانيا حيث حصلت على شهادة الماستر في السينوغرافيا في مسرح جامعة الفنون التشكيلية ” نيكولاي كريكوريسكو” بمدينة بوخاريست. اشتغلت فنانة تشكيلية وسينوغرافية في مسرح الدمى “تيميسوارا”. وأنجزت العديد من الديكورات والدمى في العديد من العروض الفنية. انخرطت في المسرح الغنائي لــ”كرايوفا” حيث أنجزت العديد من الإبداعات السينوغرافية لعروض في فنون الأوبرا، والباليه، والعروض الموسيقية للأطفال. وما زالت تتعاون مع المسرح الوطني لــ”كرايوفا” وهي عضو في اتحاد الفنانين في رومانيا.

ومما جاء في بلاغ الهيئة المنظمة أنه شرف للقيمين على المهرجان الدولي للمعاهد العليا للمسرح أن يحتفوا بيوليانا بريدوت ناصف بتكريمها اليوم. ولعل هذا أقل التفاتة إنسانية يمكن فعلها، ثناء واعترافا منهم لما قدمت هذه الأستاذة الجليلة من عطاء فكري وسخاء مهني لأجيال من طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والنشيط الثقافي.

تكفي الإشارة أنها كانت ممن رسخوا مفهوم السينوغرافيا في المغرب عبر بوابة المعهد، فيما كان الحديث سابقا عن الديكور فقط.

وتعد حركية السينوغرافيا إحدى أهم إنجازات الحداثة المسرحية منذ مطلع القرن العشرين، ويحتل فيها التعامل مع الفراغ حيزا مهما في الرؤى الإبداعية للسينوغرافيين والمخرجين. فلا ريب أن أطلق المخرج المسرحي العالمي المعاصر بيتر بروك على أحد كتبه الشهيرة عنوان “المساحة الفارغة” يقول:

“أستطيع أن أتخذ أي مساحة فارغة وأدعوها خشبة مسرح عارية. فإذا سار إنسان عبر هذه المساحة الفارغة في حين يرقبه إنسان آخر، فإن هذا كل ما هو ضروري كي يتحقق فعل من أفعال المسرح. غير أننا حين نتحدث عن المسرح فليس هذا بالضبط ما نعنيه، إن الستائر الحمراء وبقع الضوء والشعر المرسل والضحك والإظلام تختلط معا، ويأخذ بعضها بخناق البعض في صورة تعبر عنها كلمة واحدة تستخدم لجميع الأغراض، ونحن حين نتحدث عن السينما التي تهدد بقتل المسرح، فإننا ــ في هذه العبارة ــ نعني المسرح كما كان حين ولادة السينما، مسرح شباك التذاكر والصالة والمقاعد المثبتة وأضواء قاعدة الخشبة وتغيير المشاهد والاستراحات والموسيقى، كأن المسرح ــ من حيث تعريف نفسه ــ هو هذه الأشياء كلها لا يزيد عليها شيئا”.

ويركز الناقد المغربي الدكتور سعيد الناجي على موضوع التجريب في المسرح من زاوية الانتقال من المشخص إلى المجرد، فيوضح أن هذا الانتقال كان رهان الحداثة المسرحية واتجاهاتها التجريبية التي رفضت مبادئ المدرسة الطبيعية في الإبداع المسرحي. يقول: “لقد فرض تطور فنون الفرجة على المسرح ألا يكتفي بإعادة إنتاج سياقات واقعية وتشخيصها تشخيصا تاما، لا سيما أن التطور التكنولوجي قد أفرز معطيات جديدة (السينما والتلفزيون…) عجلت بهذا الانتقال. وهكذا، إذا كانت المدرسة الطبيعية هي التي افتتحت عهد التجريب، فإن الحداثة لم تلبث أن أفرزت نقيض تلك المدرسة التي قوّض أسس إبداعها وثوابته. فأصبح العرض المسرحي الذي يكتفي بتشخيص العالم لا يساير ذوقا فنيا متطورا يجد ضالته في المجرد، الغريب، والمجهول. وقد كانت الأماكن العامة والفضاءات غير المسرحية التي تحتضن الفعل المسرحي مثالية، توفر الحيثيات لإنجاح هذا الاتجاه نحو المجرد، على اعتبار أن القاعة الإيطالية قد ترسخت فيها عادة التشخيص وإعادة الإنتاج. ولهذا، كانت الاتجاهات التي ثارت على الخشبة الإيطالية ورفضتها كلية هي تلك التي كانت الأكثر إيغالا في التجريد مثل مسرح القسوة، والمسرح الفقير”.

ويلاحظ أيضا أن الانتقال نفسه قد تحقق في الفن التشكيلي، حيث انبنت الحداثة التشكيلية على تجاوز المبادئ التشخيصية للوحة، في اتجاه يوغل أكثر فأكثر نحو التجريد. لقد فرض ظهور الصورة الفوتوغرافية على الفن التشكيلي أن يتجاوز مرحلة التشخيص، ويبحث عن خصوصيته وفرادته في المجرد، فلم تعد اللوحة ترسم مناظر من الحياة، بقدر ما أصبحت تجسيدا لفكرة أو تصور ذهني محض.

ويشير إلى أن مسرح التشخيص الطبيعي لم يتجاوز بسهولة، لأن فيه خلخلة لسلطة المؤلف الإبداعية. ومن ثمة، فإن الارتماء في المجرد هو مغامرة جديدة لإدراك العالم إدراكا آخر، يجدد المعارف حوله، ويكشف فيه عن المسكوت فيه.

إن مشروع الحداثة المسرحية يرمي إلى قلب التعاقدات الجمالية التي تؤطر إدراك الفضاء المسرحي، وابتداع نظام جديد يتناغم مع المتغيرات الحادثة في صلب الثقافة الغربية. في ظل هذا المعنى، يصبح التجريب في المسرح انزياحا عن المعايير السابقة التي شكلت ضابط الإبداع المسرحي.

لقد كان التجريب في المسرح الغربي هو أسلوب البحث عن حداثة مسرحية تبتعد عن السلطة الأحادية للنص، وترتمي في أحضان جمالية فضائية. وفي هذا السياق، كان موضوع الفراغ بؤرة الاهتمام الإبداعي، فقد اتجه رواد التجريب إلى اجتناب امتلاء الخشبة بالديكور الضخم، وفضلوا فراغها الذي لا يلغيه الجانب السينوغرافي المتحرك والبسيط في مكوناته. وهذا يثمن دور الممثل في ملء هذا الفراغ بدينامية اللعب المسرحي المنسجم مع قطع الجهاز السينوغرافي، ويؤدي تاليا إلى إبراز العلامة في خصوصيتها المسرحية التي تكتسبها من تحققها في الفضاء الفارغ.

وبرز في هذا الإطار اتجاه يحصر مفهوم التجريب في أنه يشتغل على فضاء الخشبة الإيطالية من أجل تغيير قواعده، وتجديده باستثمار كل إمكانياته التي زاد التقدم التكنولوجي من غناها وثرائها. إلا أن هذا الاشتغال لم يتخذ من الخشبة الإيطالية هدفا إلا في علاقتها بالجمهور الذي كان من الضروري تأسيس علاقة جديدة معه، تنسجم مع التطور الحاصل في المجتمع وفي العلاقات الإنسانية.

من أهم إنجازات هذا الاتجاه أيضا: الارتكاز على عطاءات التشكيل لاقتراح مبادئ فضائية جديدة، فقد استلهم بيسكاتور مبادئ المدرسة البانية في تصميماته السينوغرافية، واعتمد بريشت على اللوحة الصينية ومبادئ التكعيبية في إخراجه المسرحي. كما تتجلى إنجازاته في اقتراح حركية الجهاز السينوغرافي عوض ثباته وسكونيته، لتنويع المشاهد وإثراء مجال الرؤية، وإبعاد الفضاء عن التمركز الأحادي؛ علاوة على اقتراح الفضاء الفارغ ثابتا يشكل امتلاؤه بقطع الديكور احتمالا يثمن جدلية الفارغ والممتلئ. وتمنح حركة السينوغرافيا وفراغ الفضاء حرية أكبر للممثل كي يكشف عن بلاغته الجسدية، ويتجاوز طرق اللعب الكلاسيكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية