أسامة مصالحة بعد التأكد من نجاحها في تفسير التخلف العربي، صار لبنظرية المؤامرةب مهمة جديدة؛ هي تأويل االربيع العربيب. فلقد اثبتت النظرية قدرة مبهرة، غير مسبوقة، ليس في تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية فحسب، بل، ايضاً، في فهم ظواهر فيزيائية وطبية وطبيعية معقدة مثل التصحر وارتفاع معدلات الاصابة بالسرطان والتلوث البيئي. وليس مستبعداً أن يكون لها، غداً، اسهامات في الفيزياء الذرية، الكيمياء الحيوية و الهندسة الفراغية. للنظرية مفكرون، سدنة واتباع. وهم اوفياء لمنهجها، ملتزمون ولايحيدون عن مقولاتها قيد انملة. والنظرية ضاربة الجذور، عريقة المحتد. فهي موجودة منذ أن تشكل العرب في امبراطورية واسعة وحتى اليوم الذي توزعوا فيه على شكل طوائف، جمهوريات وممالك وكانتونات.
قديماً، كان اول ابداعات النظرية هي القول بأنّ دخول الامبراطورية الامويّة في طور الانحطاط والانهيار جاء نتاجاً للنشاط السريّ للزنادقة والهراطقة والشعوبيين. الجاحظ، صاحب االبخلاء’، ابن المقفع، صاحب اكليلة ودمنةب و الشاعر بشار بن برد يحتلون رأس قائمة المتأمرين السريين.
لفهم الانقسامات المذهبيّة الكبرى، تستحضر النظرية شخصية عبدالله بن سبأ، ليُسند له الدور المحوري في رواية درامية لاتزال فصولها الدموية تتوالى عند ضفاف دجلة حتى بعد موته بقرون.
اما سقوط الخلافة العباسية فلا يمكن فهمه الا بردّه الى دور ابن العلقمي، وزير المستعصم، الذي رتب قتل الخليفة وفتح ابواب بغداد لهولاكو، ملك المغول.
أما الغاء الخلافة العثمانية فهو حدث تقف وراءه ايد خفيّة’، تمثلت في اجمعية الاتحاد والترقيب برئاسة مصطفى كمال اتاتورك. في عصر الاستقلال العربي ومابعده، ابدعت النظرية مقولة االتجزئةب القطرية، التي اصطفت بجانب مقولات صغبرة اخرى، للتبشير بفكرة ان نهضة االأمةب مرهونة بتحقيق هدفين؛ هما الوحدة العربية وتحرير فلسطين. تتبنى نظرية المؤامرة موقفاً معادياً للحسّ العام، للعقل ولفلسفة التاريخ. وهي لاتجد فكرة ابن خلدون حول ‘التعاقب الدوريّ للحضارات’ مؤهلة لتفسير انحطاط وانهيار الامبراطورية الامويّة. اما الانقسامات المذهبيّة التي المت بكلّ الاديان، بدءاً بالهندوسية وليس إنتهاءً بالشنتويّة، فهي انقسامات ليست بذات صلة. ولا تقرّ ‘النظرية’ بأن الخلافة العثمانيّة، التي كانت قد تحولت الى ‘رجل اوربا المريض’ في زمن الخلفاء ذاتهم، لم تكن تحتاج الى ‘يد خفيّة’ لشطبها، بل كانت تحتاج الي ‘يدّ علويّة’ للابقاء عليها. ولاتقيم ‘النظرية’ وزناً للحقيقة التاريخية القائلة أنّ ‘الوحدة’ كانت ظاهرة عارضة في التاريخ العربي. فمن المعروف أنّ ‘التجزئة’، على شكل ولايات وامصار، كانت هي النمط السائد منذ مقتل مروان بن محمد، اخر الخلفاء الامويين، المعروف ب’الحمار’ لجرأته في الحروب، الى يوم مقتل العقيد القذافي، المعروف ب’المفكر العالمي’ لإبداعه ‘النظرية العالمية الثالثة’. انضم الى ركب القافلة المؤمنة بنظرية المؤامرة، في الفترة الاخيرة، كلّ من محمد حسنين هيكل وطارق رمضان. وهما شخصيتان ذات ثقل نوعي في المشهد الاعلامي العربي. فالأول هو وزير اعلام سابق وصاحب كتاب اخريف الغضب’، اما الآخر فهو المستشار السابق لشؤون الارهاب لدى توني بلير وصاحب فكرة االاسلام الاوربيب. بعد انتصار الثورة التونسية، وانسجاماً مع منهجية نظرية المؤامرة، اعلن هيكل، بكل ثقة، أن الردّ على سقوط نظام بن علي، الموالي اللغرب’، ‘سوف يكون في لبنانب. لاحقاً، وبعد توسع رقعة الإحتجاجات الاجتماعية الى امكنة اخرى، اخرج هيكل، من اقبعة الساحر’، خرائط جيوبوليتيكية جديدة. ناعياً ‘المشروع القومي’، الذي انراه يتهاوى في هذه اللحظة’، حذر هيكل من ان مايجري ليس ربيعاً عربياً، بل سايكس بيكو جديد. طارق رمضان، حفيد حسن البنا، اكد، من جهته، أنّ النشطاء، الذين لعبوا دوراً محوريّاً في الثورات، اعلموه، شخصيّاً، ان اميركا هي التي دربتهم. وعلى الرغم من وصول مدّ الاحتجاجات الاجتماعية الى ابواب اوول ستريتب نفسه، ناهيك عن تحذير جنرالات اسرائيل من اشتاء اسلاميب قادم، فأن مفكري نظرية المؤامرة، من العرب، لم يجدوا بأساً في استحضار كلّ من برنار هنري ليفي وبرنارد لويس، ليُسند لهما الدور البارز في االتخطيطب للربيع العربي. اختزال مرحلة تاريخية، او اعتبة تاريخية’، في اشخص’، او مجموعة من الشخوص، هو ما انتبه اليه هيغل، الفيلسوف الالماني الكبير، عندما صاغ اطروحته الشهيرة حول ادهاء التاريخب. ففي اللحظة التي كانت تشهد فيها اوربا اختفاء دول ونشوء دول جديدة، توصل هيغل الي اطروحة انّ الدول و الافراد ليسوا اكثر من ادوات في يدِ ‘التاريخب. انهم ادواته اللاواعية وبيادقه. والتاريخ لايتحرك الى الامام إلا لتحقيق مزيد من االحريةب.’ربيع الاممب الاوربي، في منتصف القرن التاسع عشر، انتهى الى نقيضه. فشلت الدعوات لتحقيق اصلاح سياسي واقتصادي وعادت الانظمة المحافظة وكذلك الديكتاتوريات الى الحكم من جديد. سال الدم في شوارع باريس وبرلين والدساتير التي كُتبت اُلغيت. فشل الألمان في تحقيق وحدتهم القومية او في بناء نظام ديمقراطي. وتدخل الروس والنمساويون، عسكرياً، لتأديب الهنغار الذين اعلنوا استقلالهم. الانتفاضة التشيكية المطالبة بالمساواة مع الألمان سُحِقت بوحشية. هرب البابا بيوس التاسع من الفاتيكان، وتهاوى المشروع القومي لغاريبالدي ومتزيني في تحقيق الوحدة الايطالية، فأنهارت البدولة الرومانيةب الوليدة تحت سنابك خيل القوات النمساوية الاجنبية التي احتلت مدينة البندقية.
اُصيب الاصلاحيون الاوربيون بخيبة امل كبرى من النهاية التراجيدية التي آل اليها االربيع الاوربيب. لكن ذلك الفشل لم يكن إلا امقدمةب لتاريخ آخر مختلف اعاد رسم الخرائط السياسية في اوربا كلها. ففي العقود اللاحقة توحدت المانيا، وأسس الأيطاليون دولتهم القومية الموحدة وبدأت الديمقراطية الليبرالية تجد طريقها الى الحكم.
من المؤكد ان التاريخ ليس نهباً للعشوائية والفوضى. وهو ليس خطة مرسومة مسبقاً، ايضاً.
إن للتاريخ دهاءً ومنطقاً آخر… وهما أبعد مايكونان عن دهاء ومنطق مفكري انظرية المؤامرةب. ‘ كاتب فلسطيني مقيم في فنلندا