الربيع العربي على الطريقة الفلسطينية

حجم الخط
0

شحاتة عوض هناك من يرى أن إحدى أهم ثمار الربيع العربي على صعيد القضية الفلسطينية حتى الآن هو هذا الإختراق المهم الذي تحقق على صعيد المصالحة الوطنية وما توصلت اليه حركتا حماس وفتح من تفاهمات وإتفاقات في القاهرة قبل أيام بهدف إنهاء الانقسام الطويل عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء إنتخابات عامة جديدة وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بما يسمح بانضمام حركتي حماس والجهاد الاسلامي لعضوية المنظمة وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وبدا لافتا هذا التحول في لغة الخطاب بين قادة حماس وفتح وإنتقاله من مرحلة الحرب الكلامية إلى الغزل الرقيق. فإلى أي حد يمكن إعتبار التقارب بين فتح وحماس نتاجا أصيلا للربيع العربي، أم انه كان وبذات القدر ثمرة مراجعات عميقة في مواقف ورؤية الحركيتن للكثير من الإمور؟ في إعتقادي أن مرد ذلك هو الأمران معا وهذا ما يقر به المسؤولون في فتح وحماس الذين يعترفون سرا وعلانية بأن الانقسام الطويل في الصف الوطني ألحق أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية وصورتها في الداخل والخارج، كما أنه ترك أثرا عميقا على الرصيد الشعبي للحركتين باعتبارهما العنوانين الأبرز لنضالات الشعب الفلسطيني.

وقد إقترنت هذه القناعة مع المتغيرات الكبيرة والهائلة التي أحدثتها رياح التغيير التي هبت بقوة على المنطقة بفعل الربيع العربي إلى الدرجة التي دفعت طرفي المشكلة لأعادة قــــراءة الظرف الاقليمي الجديد. فحماس رأت أن سقوط نظام مبارك في مصر أزال عقبة كبرى أمام تحقيق المصالحة الفلسطينية وفتح الباب واسعا أمام توقيع الورقة المصرية التي شكلت اساس هذه المصالحة، أما حركة فتح فقد أدركت بدورها أن اختفاء مبارك بعد ثورة 25 يناير أفقدها حليفا مهما صديقا مخلصا كان يمكنها الاعتماد عليه في مفاوضاتها أو حتى مناوراتها مع حماس وهنا كان على الطرفين أن يلتقيا ويصلا إلى تفاهمات وحلول للقضايا الخلافية.

وقد ساعد على هذا التقارب، وهذا عامل لا يقل اهمية، الانسداد الكامل في عملية التسوية التي وصلت لطريق مسدود ووصل معها محمود عباس وفريقه لقناعة بأنه لا جدوى من الرهان على تسوية لا تأتي وعلى وعود راع امريكي لا تتحقق، وحين وجده نفسه أمام الإختيار بين البقاء في قطار تسوية لا يتحرك أو التضحية بمقعده في هذ ا لقطار المعطل مقابل ان يسعى للتصالح مع حماس وإنهاء الانقسام، إختار مغادرة القطار، لكنه بطبيعة الحال لم يغادر المحطة أملا في إنطلاقه مجددا وإمكانية اللحاق به مرة أخرى. حماس من جانبها بدت متفهمة لذلك وقبلت به لا سيما وأنها وجدت في مواقف عباس الأخيرة تحولا نوعيا في مواقفه الوطنية يمكن البناء عليها خصوصا معركة الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي خاضها بشراسة وشجاعة في مجلس الأمن رغم الضغوط الامريكية والاسرائيلية الهائلة ورغم إدراكه بأنه سيخسرها. حماس اشادت بهذه الخطوة وثمنتها، ثم كانت خطوة الانضمام لعضوية منظمة اليونسكو التي أقدمت عليها السلطة الفلسطينية وفازت فيها رغم معارضة شرسة من واشنطن وتل أبيب. لكن مواقف عباس ‘الوطنية’ الأخيرة كما وصفتها حماس، لا تكفي وحدها لتفسير هذا التحول في مواقف الحركة تجاه المصالحة مع فتح والسعي لتجاوز الخلافات، إذ لا يمكن إستيعاب هذا التحول بمعزل عن التطورات الإقليمية الراهنة وقراءة حماس لهذه المتغيرات. فحماس بدت جاهزة للتقارب مع فتح بعد أن أجرت تقييما عميقا للحظة الاقليمية والدولية الراهنة وما تحمله من إشارات لا تخطئها العين. وعلى ضوء هذه القراءة وجدت حماس في مواقف عباس الاخيرة فرصة ملائمة للبناء عليها للتوصل لاتفاق يخفف الضغوط عن كاهل الحركة ويحررها من بعض القيود السياسية والمادية التي تفرضها بعض التطورات ولا سيما الموقف في سوريا وما فرضه من موقف بالغ الحساسية والصعوبة على حماس. صحيح أن الحركة حافظت حتى اللحظة على موقف متوازن ومتماسك يحفظ لها علاقة مع النظام السوري الذي تدين له بالكثير من المواقف والدعم، مع التأكيد على حق الشعب السوري الثائر في الحرية والديمقراطية. لكن هذا الموقف قد يزداد صعوبة وتعقيدا كلما زادت الضغوط على نظام بشار الاسد وكلما تصاعدت وتيرة الانتفاضة الشعبية السورية وعلاقة ذلك ربما بتراجع الدعم المالي الذي تقدمه إيران أحد أهم حلفاء نظام الأسد، لحركة حماس.

وكان أن صادفت حسابات حماس وقراءتها لمعطيات الواقع، تطورات إيجابية لدى الطرف الاخر، فكانت ثمرة ذلك الاتفاقات الخاصة بالمصالحة الوطنية. حماس حريصة على أن تنفي وجود علاقة بين الوضع السوري أو تقلص الدعم المادي من طهران وبين ما تحقق على صعيد المصالحة، وتؤكد دائما أن هذا ليس عاملا مؤثرا، لكن ذلك يبدو من باب الرغبة في التأكيد على أن تحركها صوب المصالحة جاء من باب القناعة لا الاضطرار أو الضغوط، فحقيقة الامر أن حماس تدرك جيدا أن المصالحة مع فتح وإنهاء الانقسام سيفتح أمامها افاقا اكثر رحابة ويخرجها من ضيق البدائل الاضطررية الى سعة الخيارات لا سيما في حال وجدت نفسها مضطرة للبحث عن مكان آخر لقيادتها غير دمشق وهو أمر يبدو واردا رغم أن الحركة تؤكد في الوقت الراهن أنه لانية لديها لمغادرة العاصمة السورية لاي مكان وأنها ‘ليس لديها مشكلة جغرافية أو مكانية’. خلاصة القول أن أهم ثمار الربيع العربي على صعيد القضية الفلسطينية هو أننا أصبحنا إزاء حماس أقل أيديولوجية و أكثر براغماتية وفتح أكثر واقعية وأقرب للمزاج الوطني الفلسيطيني العام.. فكلا الحركتين تبدو أكثر واقعية في قراءتها للواقع وإستحقاقاته وتحدياته وأكثر تواضعا وأقل غررورا مقارنة بفترة سابقة وهذا من شأنه أن يجعل التفاهم أكثر سهولة والاتفاق أقرب للانجاز. ومن هنا لم يعد مستغربا أن يتحول التلاسن العنيف بين الطرفين غزلا وكلاما معسولا، فحماس ترى في عباس قائدا وطنيا، وعباس يعتبر حماس شريكا اصيلا، وخالد مشعل يتحدث عن المقاومة الشعبية لا المسلحة في مواجهة إسرائيل في التقاء لافت مع خطاب عباس، بل ويدعو العرب لتوفير شبكة أمان للرئيس الفلسطيني في مواجهة الضغوط الهائلة التي يتعرض لها نتيجة إقدامه على المصالحة مع حماس.

الربيع العربي في مجمله وكما يجمع الكثيرون، سيصب في النهاية لصالح القضية الفلسطينية ونصرتها وإستعادة الحاضنة الشعبية العربية لهذه القضية، لكن هذا الأمر دونه الكثير من العقبات والعثرات كما أنه يبقى رهنا بنجاح الثورات العربية في إحداث النهضة المأمولة وهي نهضة قد تستغرق الكثير من السنوات التي ستنصرف خلالها الأنظار والإهتمام بالبناء في الداخل، فكل دول الربيع العربي مثل مصر وتونس واليمن وليبيا، أو تلك التي في طريقها للتغيير، ستكون بحاجة لسنوات طويلة لاعادة بناء ما خربته الانظمة السابقة، وبكل تأكيد سيكون ذلك كله على حساب الإهتمامات الخارجية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

هذه الحقيقة التي يدركها القادة الفلسطينيون في هذه اللحظة، تشكل عاملا إضافيا ضاغطا لجعل طريق المصالحة والتفاهم أمرا لا بديل عنه إذا كانوا راغبين فعلا في الحفاظ على ما تبقى من فلسطين ومن صورة النضال الفلسطيني. ما لا يقوله المسؤولون في فتح وحماس صراحة في هذا الصدد، أنهم وإن كانوا مدفوعين نحو المصالحة بفعل تأثيرات الربيع العربي، فإنهم ليسوا بعيدين عن هذا الربيع أو أن تطالهم رياحه، فالشعب الفلسطيني الذي يراقب الشعوب العربية تنتفض ضد حكامها المستبدين الفاسدين الذين قتلوا أحلامها وطموحاتها في مستقبل أفضل، قد يجد نفسه مضطرا للانتفاض على قادته سواء في فتح حماس في حال واصلوا هذا العبث بمستقبلهم ومصيرهم وإستمروا في خلافاتهم وصراعاتهم التي تنتصر لحسابات الفصيل على حساب الوطن والقضية. هذه القناعة التي ربما وصل اليها الجانبان تشكل في ظني عاملا بالغ الاهمية في تفسير ما يجري على صعيد ملف المصالحة الفلسطينية.

بيد أنه ورغم كل العلامات والعوامل التي تدعو للتفاؤل بإنجاز المصالحة وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، فان ذلك لا ينفي وجود تحديات ومخاوف حقيقية ومشروعة من إمكانية حدوث إنتكاسة في مسار هذه المصالحة، بالنظر إلى الكثير من التحديات والمخاطر سواء ما يتعلق منها بالطرف الفلسطيني والتي تتمثل في إستمرار الشعور بتضخم الذات لدى بعض الفصائل أو الاخفاق في معالجة جراحات ومرارات وتركة سنوات طويلة من الانقسام والتناحر فعلت فعلها في النسيج الوطني الفلسطيني. ولا تقل خطورة عن ذلك التحديات الخارجية المتمثلة في الضغوط الهائلة والتدخلات الخارجية التي ستتم لا محالة لافشال المصالحة سواء عبر وقف دعم السلطة الفلسطينية ماليا أو حصارها سياسيا وأمنيا. كما أن إسرائيل ربما لن تتورع عن إفتعال أزمة لتصعيد الموقف بما يمكنها من خلط الاوراق وإجهاض ترجمة تفاهمات المصالحة إلى إجراءات على الارض، ولعل في التصعيد العسكري الأخير ضد قطاع غزة دون مبرر واضح والذي يتزامن مع الذكرى الثالثة للحرب على القطاع، أو تحذيرات بعض القادة الاسرائيليين من إمكانية شن عمل عسكري كبير ضد غزة، رسالة بالغة الوضوح والدالالة لكل المعنيين بملف المصالحة الفلسطينية.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية