انطلق منذ أزيد من سنتين ما أطلق عليه بالربيع العربي، حيث انفجرت الشعوب في وجه الظلم والفساد اللذان خيما على المشهد العام لأنظمة الحكم الاستبدادي فيها، هذه الأنظمة الجائرة التي حولت الدول إلى ما يشبه مزارع خاصة يحظى فيها شرذمة قليلة بامتيازات لا حصر، لها بينما يعيش الشعب أجيرا بلقمته في ارض اغتصبت منه، في غياب ادني شروط المواطنة، بل ادني شروط الإنسانية، تحسب أنفاسه وتعد حركاته وسكناته، أكثر استعبادا من سود الجزيرة العربية إبان الجاهلية، ومنذ ذلك الوقت والأنظمة العتيدة تتساقط تباعا ولا تزال، فسقط دكتاتور تونس وفرعون مصر وهبل ليبيا ونمرود اليمن، وفي الطريق قريبا بحول الله يسقط دراكولا سورية، والله وحده يعلم من التالي ومتى سيتوقف زحف الورود نحو أشواك الفساد.ان هذا الربيع تحول إلى شتاء عاصف يحمل العواصف والزوابع للشعوب التي ظنت أنها ستعيش أخيرا كرامة إنسانية بعد طول الصبر والقهر.طبعا نحن عبيد الغرب فكريا واقتصاديا و…و لهذا سأستشهد بأحد أعظم الثورات التي شهدها التاريخ وهي الثورة الفرنسية، لان الاستشهاد بغير الغرب أصبح رجعية وتخلف، حتى وإن استشهدت بآي الله وحديث العلماء من مختلف الأيديولوجيات غير الغربية، قلت سأستشهد بالثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 وامتدت حتى 1799، كانت فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في فرنسا التي أثرت بشكل بالغ العمق على جميع أوروبا. انهار خلالها النظام الملكي المطلق الذي كان قد حكم فرنسا لعدة قرون في غضون ثلاث سنوات. وخضع المجتمع الفرنسي لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات الإقطاعية والأرستقراطية والدينية وبروز الجماعات السياسيّة اليساريّة الراديكالية إلى جانب بروز دور عموم الجماهير وفلاحي الريف في تحديد مصير المجتمع. كما تم خلالها رفع ما عرف باسم مبادئ التنوير وهي المساواة في الحقوق والمواطنة والحرية ومحو الأفكار السائدة عن التقاليد والتسلسل الهرمي والطبقة الأرستقراطية والسلطتين الملكية والدينية.بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789 وشهدت السنة الأولى من الثورة القسم في شهر يونيو والهجوم على سجن الباستيل في يوليوز وصدور إعلان حقوق الإنسان والمواطنة في غشت والمسيرة الكبرى نحو البلاط الملكي في فرساي خلال شهر أكتوبر مع اتهام النظام الملكي اليميني بمحاولة إحباط إصلاحات رئيسيّة. تم إعلان إلغاء الملكية ثم إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى أي النظام الجمهوري في سبتمبر 1792 وأعدم الملك لويس السادس عشر في العام التالي. كانت التهديدات الخارجية قد لعبت دورًا هامًا في تطور الأحداث، إذ ساهمت انتصارات الجيش الفرنسي في إيطاليا والمناطق الفقيرة المنخفضة الدخل في رفع شعبية النظام الجمهوري كبديل عن النظام الملكي الذي فشل في السيطرة على هذه المناطق التي شكلت تحديًا للحكومات الفرنسية السابقة لعدة قرون، رغم ذلك، فإن نوعًا من الديكتاتورية ساد الثورة في بدايتها، فقد قضى حوالي 40000 مواطن فرنسي في الفترة الممتدة بين 1793 و1794 على يد الجنة السلامة العامةب إثر سيطرة اروبسيبرب على السلطة. في عام 1799 وصل نابليون الأول إلى السلطة وأعقب ذلك إعادة النظام الملكي تحت إمرته وعودة الاستقرار إلى فرنسا. استمر عودة الحكم الملكي واستبداله بنظام جمهوري لفترات ممتدة خلال القرن التاسع عشر، بعد خلع نابليون قامت الجمهورية الثانية (1848-1852) تلتها عودة الملكية (1852-1870) ثم عودة الجمهورية وانطلاق فرنسا نحو التطور والازدهار. امتد تأثير الثورة الفرنسية في أوروبا والعالم، بنمو الجمهوريات والديمقراطيات الليبرالية وانتشار العلمانية وتطوير عدد من الأيدلوجيات المعاصرة. إذا هذه قصة الثورة الفرنسية باختصار شديد،و كما ترون فان تشكيل دولة حديثة تطورت إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن وقبل الآن احتاج العديد من السنوات، فالباحثون الفرنسيون يتحدثون أن أولى ثمرات الثورة احتاجت إلى فترة انتقالية استغرقت من الوقت أزيد من خمسين عاما، طبعا من العمل الشاق، وشهدت خلالها وحتى بعدها ثورات مضادة من الأنظمة التي كانت تستفيد من نظام الحكم السابق.هذه إذا ثورة فرنسا فكيف نطالب بتغيير سريع في دولنا العربية التي شهدت ثورات؟ إن العامل الزمني عامل محدد لتغيير الدول، خاصة إذا كانت هذه الدول قد عاشت قرونا من الفساد والإفساد وتجهيل الشعب وقتل المبادرات والحريات والتحكم بالأرض خصبا وجذبا والتحكم بالإنسان عقلا ولحما.إن مهمة إصلاح البلدان تكمن في إصلاح الداخل الفاسد والمجهل من طرف طابور الأنظمة التي تعاقبت عليه، وكل نظام يأتي بعد الثورات يرمي بعض ثقل النظام الذي كان قبله شيئا فشيئا، إلى أن نصل إلى القطع مع النظام المخلوع لنصل إلى النظام البديل المنشود الذي تاقت إليه الجماهير الثائرة.ياسين كني[email protected]