الربيع العربي وجدلية الدولة الدينية او المدنية

حجم الخط
0

لعل من أهم ملامح ثورات الربيع العربي أنها كانت بدافع الشعور بالظلم، والتهميش، وانحسار هامش الحريات، ولكن المشهد الأبرز في بدايات تفاعلات الربيع العربي غياب أية صبغة أيديولوجية، أو فكرية، أو مذهبية فكانت ثورات اجتماعية ذات أبعاد ديمقراطية. وفي هذا الصدد يرى البعض أن مكمن قوة هذه الثورات في قدرتها على زعزعة الأنظمة الديكتاتورية والسلطة الحاكمة هو غياب أي لون إيديولوجي والاهتمام بسلمية الحشود والكتل البشرية في الساحات والميادين فقط .
وبخلاف حالة الاحتشاد في بدايات الثورات ظهرت الايدولوجيا إلى العيان بعد مغادرة الجماهير للميادين، والتوجه نحو بناء مؤسسات الدولة المتمثلة في الحكومات والبرلمانات من خلال سيطرة الأحزاب الإسلامية على السلطة السياسية، كون هذه الأحزاب أكثر تنظيماً، عدا عن أن الجماهير في العالم العربي تصوت للإسلام بغض النظر عن الأشخاص الذين يمثلون تياراته المتعددة، ففي تونس تصدَّر حزب ‘حركة النهضة’ وفي مصر سيطرت ‘جماعة الإخوان المسلمين’ على السلطة هناك.
استحواذ الأحزاب الإسلامية على مفاصل الدولة فتح باب التجاذبات حول خطورة نهج الدولة الدينية على العملية الديمقراطية حتى أنَّ بعض المفكرين والقياديين الإسلاميين حرصوا أن لا يكون الدين مثار خلاف بين القوى السياسية في الفترة الراهنة، ولكن إصرار القيادات الإسلامية في السلطة خاصة في مصر على ترسيخ حالة الاستقطاب والمضي قدماً في إعطاء الصبغة الدينية على الممارسة السياسية للدولة فتح الباب أمام القوى الليبرالية واليسارية لمهاجمة هذا النهج وتوجيه الاتهام للحكومة بأنها حكومة دينية .
بالتزامن مع هذا التجاذب لم تنجح الأحزاب الإسلامية في تجاوز المرحلة الانتقالية وتحقيق أدنى طموحات المواطن العربي في رفاه اقتصادي ومستوى مقبول من الحرية والعدالة الاجتماعية لترسيخ حالة مصالحة ووفاق وطني مما رفع وتيرة الحديث عن وجوب تبني مفهوم الحكومة المدنية فهي القادرة على تحقيق انجازات مرغوبة وتجاوز مرحلة الركود التي تطال تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
إنَّ مدنية الدولة هي الخيار الأكثر انسجاماً مع مرحلة التحول الديمقراطي التي تفرض حضورها في الشارع العربي فالدولة المدنية توفر فرصة أكثر لاحتواء حالة الحراك الجمعي للجماهير الراغبة في الخلاص من سلطة الظلم وغياب العدالة، وبالتالي مشاركة الجميع في المصالحة الوطنية بما فيها القوى التقدمية، الليبرالية واليسارية والقومية، والسعي إلى التوافق حول مبادئ حاكمة للدستور تؤكد مدنيتها، وتحمي مبدأ المواطَنة فيها وتكريس سلطة القانون وسيادة الدستور، لأن الدولة يجب أن تكون في خدمة المجتمع وتحقيق العدالة بين الجميع دون تمييز وتنظيم ممارسة الحريات والسعي لإسعاد رعاياها وتوفير العمل لهم وحفظ كرامتهم وهي ذات الدوافع لثورات الربيع العربي.

د. محمد الرصاعي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية