‘الربيع’ يمارس ثورة الفرز بين أزهاره وعوسجه؟

حجم الخط
0

مطاع صفديكلما اقترب العرب من الحياة السياسية أكثر، تعصف بهم رياح الغيبيات من جديد. هذه ليست حكمة فلسفية، ولا قانوناً إجتماعياً، لكنها نوع من الطغيان الجبار الأشبه بعدوان الاستعمار، لكنه نابع من ضحاياه قبل أن يكون مستورداً من أسياده الغرباء، مفروضاً من الخارج بفعل ‘المؤامرة’. فلقد تكررت ظاهرة الطغيان الغيبي هذه عبر مفاصل مُغْرقة في تاريخ الانحطاط العربي. هاهي تعود عبر هذه اليقظة المفجعة ملء عصر النهضة المعاصر، ولعلها تبلغ أوجها مع تباشير انطلاقة جديدة، حاملة عنواناً ربيعياً يكاد يكون غير مسبوق في حقبة هذا الاستقلال الوطني المهدد بكل أضداده ذاتياً، وليس خارجياً فحسب.انتهى الحكم الوطني إلى النظام الاستبدادي الشمولي الذي استحوذ على سلطات الدولة العربية الناشئة. لم تعرف مجتمعاتنا الناهضة في ظله كيف تتعاطى مع ثقافة الحريات العامة والخاصة، فلم تتلقّ منها إلا شعاراتها الفوقية. لم يُتح للسياسة أن تنزل قليلاً من مستوى بعض النُخب الثقافية والعسكرية إلى الطبقات الوسطى إلا عبر بعض هوامشها، وأما طبقات السواد الأعظم من مجتمعات الأمة، فقد تُركت جملةً وتفصيلاً بعيداً عن كل حِراك عام وتلقائي. ظلّت مجرد مواد إنسانوية خاضعة ومطواعة للانصباب في القوالب الجاهزة الهابطة عليها من فوق هاماتها. فلا إرادة لها في كل ما كان يُصنع لها من أنظمة سياسية أو إجتماعية أو عقائدية. كان دورها محصوراً فقط في التكيف مع هذه القوالب المنصبّة على رؤوسها، وهي تنتقل من نسق في هذه القوالب إلى نسق آخر، وهكذا.كان تغييب الكتل الجماهيرية الكبيرة، وإخفاؤها وليس اختفاءها فقط وراء كل مجال عام، هو المحرّك المركزي لمختلف صِيغ الطغيان التي كان يفرزها الانحطاط المتجدد المرافق لمتغيرات السلطة الفوقية. لكن ما فعله الربيع الراهن، هو أنه حرّك أعماق تلك الجماهير المغلوبة على أمرها دائماً. فهي تنطلق اليوم من سباتها اللاتاريخي، باحثةً عن شخصيتها وأفعالها وأحلامها الضائعة والمبددة. لا تنتظر فكرةً أو أيديولوجيا لتكتسبها من خارجها، بل إن خاميّة وجودها الغريزي تدفعها إلى التشبث بعقيدتها شبه الفطرية المرافقة لها، خلال نومها الطويل منذ عصور وعصور. هذه العقيدة تسمّى: الدين. وهذا الدين له جاذبية الاسم الكبير للإسلام، وقد بقيت شعوب لا تعرف غير عقلانية وجودها الخام، الذاتي، أي ما تعلمته من آبائها وأجدادها المهمشين في زوايا التاريخ. هذا ما تثبته نظرة العلم كاشفة عن الأسباب الفعلية لتأخر يقظة الجمهور الأكبر من مجتمعاتنا ما يُفسر تشبثها بالتديّن المتوارث، وهو أمر يبدو طبيعياً وحقيقياً إلى أبعد حدود.فإن ما يُسمّى بالعقائد التقدمية التي هبطت عليها من أعلى ومن الخارج والتي أهملتها طويلاً، أحسّت عقمها في معالجة مشاكلها الواقعية. كل ما اثارته وتثيره حتى الآن ليس سوى مويجات لن تحرك سوى سطوح عابرة فوق اليم الإنساني العظيم لهذه الجماهير، دون أن تبلغ أية متغيرات تسْبر أو تخترق أغوارها.إنه أمرٌ عفوي وعقلاني جداً، ان لا تلقى الشعوب المقهورة ثمة محرك ليقظاتها أخيراً سوى أفكارها المتوارثة لكي تدفع بها ضد كل ما تجده غريباً وعدوانياً على عفويتها وبراءتها المطلقة. لكن الأمر المصطنع والمداهم هو أن تطرأ على هذه اليقظة العفوية قوالبُ التنظيم الغيبي كيما تستثمر عفوية التديّن الجماهيري، وتستخدمها لصالح عين الأهداف الذاتوية المريبة التي اشتكت منها النهضة الاستقلالية طيلة مختلف تحولاتها الفوقية العابرة والمستغلة.فأمرٌ مفهوم جداً أن تثور جماهير الأمة تحت شعارات تراثها الروحي، لكن ما هو ليس طبيعياً أبداً أن تصبح هذه اليقظة ثروة لذات قوانين الاستغلال القديمة، أي لهذه المروحة الواسعة من تسميات التديّن السياسوي الطافح على جلد مجتمعاتنا كالأوبئة المزمنة. هنالك إذاً فرق هائل في النوع وليس في الدرجة فحسب، بين التدين العفوي المتوارث وبين أساليب استغلاله في التنظيمات السياسوية الفائضة عن اللزوم ما فوق المشاعر الطبيعية العادية للكتل الجماهيرية.هذه التنظيمات الطارئة راحت تنخرط في عمليات المزايدة على بعضها تحت وطأة المبالغات القصوى في الطَقْسَنة، والاستغراق في أدلجة مفاهيم عادية ومتداولة من هذا التراث العظيم لثقافة الإسلام كحضارة ومدنية وليس كتأويلات لأشخاص عاشوا مشكلات زمانهم ثم انقضوا. المايحدث اليوم هو انقضاض هذه التنظيمات بتأويلاتها شبه الأسطورية، على عفوية اليقظات الجماهيرية في أصقاعنا العربية والإسلامية. تختطفها من جذورها ومصادرها البشرية والتاريخية وتدعيها ثقافةً لأفكارها المبهمة والعاجزة عن التواصل مع ظروف الحاضر المحلي والإنساني العام.فمن يختطف ثورات الربيع العربي ليس هو العدو الخارجي الدائم بصورة مباشرة، بل هو هذا الاحتلال المعمم تحت التسميات الطقسية من سلفية وجهادية وانتصارية.. إلخ، وبالنيابة عن ذلك العدو نفسه.ما حققه ‘الربيع’ لغاية اليوم، هو أنه فجّر جرأة الرفض العلني، والكلّي، تمارسه الكتل الجماهيرية مرة واحدة ضداً على فواجع واقعها المعيشي اليومي الذي حرمها من لقمة العيش كوسيلة لحرمانها من كرامتها كبشر. أما سؤالها عن بدائل هذا الواقع فلم يكن من همها المباشر، وقد أمسى مؤجلاً بل غامضاً، مما جعله متروكاً لمن يحاول التنبّه إليه قبل غيره. فتبدو هنا ظاهرة الزُمَر النفعية الجديدة القديمة التي تندفع إلى صياغة لائحة المطالب العمومية، كأنها وكيلة عن تلك الجماهير من دون أن يعيّنها طَرَف منها، إنها تفرض أجندتها الخاصة، وتتصارع فيما بين ألفاظها ونماذجها المقترحة.في مرحلة التعبير هذه عن الغضب العمومي، يصبح الشغل الشاغل لطلائع الجماهير الأصلية هو السؤال عن الخلاص وطرقه وأهدافه المباشرة المتركزة في تقويض أعمدة الاستبداد أولاً. أما ماذا بعد هذا الخلاص إن تحقق؟ فلا جوابَ عليه جاهزٌ في الوعي الثوري البدئي، وتلك هي فرصة استراق المبادرة التي تتسابق نحوها زُمر الانتهاز السياسوي، وفي طليعته يتقدم الصفوفَ دائماً ذلك النوعُ الأدهى والأسرع في مقايضة مستقبل الثورة بابتعاث أشدّ صنميات الماضي تحنيطاً وعقماً عضوياً.هكذا إذاً تُولد الثورة ونقائضُها المجتمعية معها أيضاً، وقد تنتشل بعضُ هذه النقائض أثواباً مستعارة من رفيقتها الثورة، تزوّر أهدافها، وتدّعي التملك الحصري لثمار كفاحها، وانتحال ظواهر تصرفاتها السطحية. إنها الرجعية المجتمعية، ليست أقل خطراً من مركّب الاستبداد/الاستغلال الحاكم. فإذا ما سقط رأس هذا الاستبداد صعدت هذه الرجعية المجتمعية من عمق القاعدة الهرمية لكيان الشعب، بطريقة الخداع عينه، أي سرقة السلطة بعد سرقة الثورة المستحقة لحكمها.لن تختلف هذه الرجعية المجتمعية كثيراً عن سابقتها إلا من حيت الشكل، فهما معاً يشكلان خط الاستقطاب ما بين استبداد الأعلى واستبداد الأدنى. لذلك اعتبر المفكرون أنه لا ضمانة للثورة السياسية في أعلى الهرم إن لم تتابع كفاحها ضد مؤسسة الاستبداد المتغلغلة في التكوين الطبقي والفكري للمجتمع الثائر، فالمايحدث اليوم في هذه المرحلة الانتقالية لمجتمعات الربيع العربي الجديدة، هو أن الرجعية المجتمعية تكاد تتقدم صفوف الجماهير لتمارس اغتصاب حصتها الأكبر من مكاسب السلطة، مع الفارق عن سلطة الفراعنة المنهارة في كوّنها تتلبّس طقوس التديّن. غير أن هذا الربيع لن يكون غافلاً عن البدائل المزيفة لموسم أزهاره بموسم آخر من العوسج والأشواك الضارة، ما يشكل حيوية التغيير الراهنة هو التصدي السريع الذي تمارسه مختلف قوى المجتمع مجدداً.هذه المرحلة الانتقالية المشبعة بأهم الأخطار والخيانات لن تمر بسهولة ما فوق ميادين التحرير المفتوحة اليوم في مدن الثورات العربية الصاعدة، حيثما تسكنها الجماهير ليلاً نهاراً. لكن تجارب الشوارع الصاخبة في القاهرة عاصمة الثورة العربية المستدامة، أصبحت ترسم على أرضها الخطوط الكبرى لمبادئ الحرية الشعبية وأصولها الجديدة. الربيع العربي الذي فاجأ أعداء العرب من الغربيين الغرباء وأشباههم المحليين الأقرباء هؤلاء جميعاً يُفاجأون كذلك بتساقط أساليب اختطاف الثورة واحداً بعد الآخر، ومع ذلك فإنهم يتابعون تخطيطهم من أجل اللا يكون للمرحلة الانتقالية الحالية أسيادها الفعليون في أي من منعطفاتها الحالية أو الآتية، بل لا بدّ من اختراع العقبات في طريقها مهما كانت الظروف الشعبية واعية وقادرة على فرز الصديق من العدو.فبعد أن أُفلت زمام الأمر من أيدي الغرب مع سقوط الفرعون الأكبر في القاهرة، والشرطي الأول في تونس، ومهرّج الثوريات الكاذبة في ليبيا، يحاول عباقرة ‘المؤامرة’ كالعادة ابتكارَ كل وسائل الإجهاض المعروفة وسواها بحيث لن تفلت من يدهم مرحلة الانتقال هذه دون أن تفقد زخمها الثوري أو تتيه عن أهدافها الأصلية. نحن اليوم نعيش كل شبكيات التغير الذاتي والعمومي، ليس لشعوبنا العربية والإسلامية فقط، بل ربما لإنسانية القرن الواحد والعشرين. فالكرة الأرضية بتمامها، تراقب الحدث العربي الجديد، وترى فيه عينات عمّا يمكن أن تكتسبه من دروس ونصائح تفيد منها ثوراتها القادمة. وفي هذا الغرب خاصة، تشكو الطلائع من عقم الابتكار في مجال الفواصل التاريخية التي اكتسبتها صيرورة حضارتهم، إنهم يرون في الحدثيات العربية رهانات لحدثيات تخصهم في المستقبل القريب، ولكن دون أن يجدوا بعد مفاتيح المبادرات الجماهيرية المطلوبة.هذا الربيع العربي، لم يعد مسؤولاً عن مستقبل أقوامه الأصلية وحدها فحسب. إنه فجرٌ للمشرق ما بين الشرق الآسيوي العميق والغرب البعيد في وقت واحد.لا نقول هذا الكلام من باب حماسة وهمية طارئة، إننا نستمع بخشوعٍ إلى همهمات الضمير العالمي والغربي بصورة خاصة. فهي تتناقل أخبار الحدث الربيعي العرب، وتحلّله وتتفهم معانيه. ولعلّ أهم ما يتداوله هذا الوجدان بصوت غير علني هو أن الغرب لن يستطيع مقاومة شعلة الحرية المتصاعدة من براكين الجماهير العربية، إن لم يعثر على وسيلة تفجير لبقايا براكينه الإنسانوية التي كادت أن تطفئ آخر جمراتها رياح المصالح الرأسمالية المجنونة.إنه عصر فاتح على المدنية الصحيحة، عندما تعترف أركان الإنسانية من عميق حضاراتها بالحق في المشاركة الصادقة ما بين نوازع شعوبها في قريتنا الصغيرة هذه: أمنا الأرض.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية