الرجعية ضد النزعة المحافظة: مآلات التقليد الثقافي العربي ـ الإسلامي

تنتشر في العالم العربي، وفي أوساط كثير من الباحثين والمهتمين الغربيين، رواية مبسطة لتاريخ الصراع الاجتماعي والثقافي في الدول العربية، تقوم على افتراض وجود تيار تقليدي- إسلامي، واجه عمليات التحديث والغربنة، المفروضة من قبل الاستعمار، وما أعقبه من دول بعد كولنيالية قطعت مع التقليد العربي الإسلامي في الحكم والشرعية والتنظيم الاجتماعي، وفرضت أحكاماً وأنماطاً ثقافية مخالفة لما هو مترسخ في ثقافة العامة، ما يجعل الإسلاميين ممثلين بشكل أو آخر لهذه الثقافة، ومدافعين عنها، بل يُفترض نوع من النضال الطبقي، فهؤلاء دافعوا عن الفئات «المهمشة»، الأفقر والأضعف، في وجه النخب المغربنة، ذات الثراء والنفوذ والارتباط بالخارج. فصاروا، حسب تعبير الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا، «صوت الجنوب»، الذي برز بوصفه أيديولوجيا معارضة لضعف الديمقراطية والتدخل الأجنبي والتهميش الثقافي وغياب التمثيل السياسي.
تفتقر هذه الرواية للدقة، وتعتمد دوماً على إحالات انتقائية للتاريخ، ولكننا لن نناقش الأمر من هذه الزاوية، بل سنطرح أسئلة عن ماهية «التقليد» الذي من المفترض أن الإسلاميين و«التقليديين» دافعوا عنه. هل يوجد بالفعل تقليد ثقافي -اجتماعي مستمر وحي في العالم العربي، يدور صراع شرس حوله؟ وهل هذا التقليد، إن وجد، قريب أو متناسب مع الأيديولوجيا الإسلامية؟ وما هي الجهات التي حاربت فعلاً التقاليد في مجتمعاتنا، ولماذا؟

نهاية التقليد الإسلامي

اشترك معظم المصلحين الدينيين، حتى فترة قريبة نسبياً، بالشكوى من الخرافات والبدع، التي انتشرت بشدة بين العامة، وغطت على «الدين الصحيح». وهي ممارسات قائمة على العرف والعادة، وكان لها مؤسسات تقليدية مترسخة: زيارة الأضرحة والقبور، المرتبطة بعقيدة النذر والقربان، التي مارسها الناس من كل الطوائف والأديان، لدرجة كانت الأمور فيها تختلط أحياناً، فنجد فلاحات مسلمات يوقدن الشموع تحت الأيقونات المسيحية، في بعض المناطق المختلطة طائفياً، أو مسيحيات ينذرن تسمية أولادهن بأسماء إسلامية، لحمايتهم من الشر والحسد، أو يأخذنهم إلى أضرحة أولياء مسلمين، عرفوا بقدرتهم على شفاء المرضى وفكّ العقد.
هذه الممارسات السحرية ارتبطت بتصورات شعبية ذات منشأ شبه وثني، وترافقت مع طقوس دينية تنتمي لعصور غابرة، مثل إقامة احتفالات وأعياد لها أهميتها على التقويم الزراعي التقليدي (أول الربيع، فيضان الأنهار، بداية موسم الأمطار، إلخ). الأعياد الإسلامية نفسها قامت على ممارسات أثارت أحياناً حفيظة الإسلاميين، بما فيها طقوس الاحتفال بعيد المولد النبوي وشهر رمضان، التي تُنسب عادةً لتقاليد إسماعيلية فاطمية.
على صعيد أكثر نخبوية، كان للطرق الصوفية تقاليدها في العبادة، وفلسفتها العقائدية، وتراثها الموسيقي والأدبي، ورسخت نفسها في العهد العثماني مع النقابات المهنية التقليدية، حين كان لكل مهنة طريقتها الصوفية وأولياؤها الصالحون. فضلاً عن تقليد التكايا والزوايا الذي دعمه العثمانيون لقرون.
لم تكن «الشريعة»، وهي أصلاً ليست مدونة ذات نسخ معيارية، تلعب الدور الأساسي في التنظيم الاجتماعي، بل تجاورت دوماً مع مختلف التقاليد والأعراف، والأنظمة القانونية الأخرى، ذات المنشأ غير الإسلامي، التي تبنتها الدول القديمة في عصور مختلفة. كل هذا يعطينا فكرة عن أهم سمة في كل تقليد اجتماعي عرفه التاريخ، أي عدم التجانس، فالتقاليد تنشأ عبر عمليات تاريخية بطيئة، يتداخل فيها ما لا حصر له من مؤثرات وعوامل متراكبة، وأحياناً متنافرة.

مع الصحوة الإسلامية في السبعينيات، برز بشدة العداء لما تبقى من التقليد الإسلامي المعاش، وقيل للناس إن كثيراً من ممارساتهم الدينية الراسخة ليست صحيحة، وإن حياتهم ضالة ومليئة بالمعاصي، فشُنت المعارك لأسلمة الإسلام من جديد، ولإعادة هداية المسلمين.

السعي إلى التجانس، والاتساق القيمي والعقائدي والقانوني، هو من السمات العقلانية الحداثية، التي ارتبطت دوماً بالتنظيم عن طريق جهاز الدولة. وبالفعل جاءت حركات «الإحياء الديني»، سواء كانت سلفية حنبلية مثل الوهابية، أو صوفية مثل المهدوية، ثورةً على التقليد الاجتماعي المتنوع والمختلط، وسعياً لأجل النقاء العقائدي. ولهذا اعتبر محاربو البدع، أنفسهم غالباً مصلحين ومنورين، وانخرطوا بمشاريع ودعوات سياسية، وأعمال عسكرية شديدة الدموية والعنف، راح ضحيتها الآلاف من العامة، أصحاب الثقافة «المنحرفة». هذه الحركات كانت التأسيس الأول للإسلام السياسي، الذي ارتبط دوماً بالإصلاح الديني، سواء كان متشدداً أو معتدلاً، مناصراً للمستبد العادل (الأفغاني)، أو معاديا جذرياً للاستبداد (الكواكبي)، ذي نزعة دستورية واضحة، تدّعي الحفاظ على جوهر الإسلام (محمد حسين النائيني في إيران)، أو حالمة بوطن قومي للمسلمين، يعيشون فيه طهارتهم المتأصلة (محمد إقبال ومشروع باكستان). كل هذه المشاريع تحديثية ومعادية جذرياً للتقليد الفاسد.
مع الصحوة الإسلامية في السبعينيات، برز بشدة العداء لما تبقى من التقليد الإسلامي المعاش، وقيل للناس إن كثيراً من ممارساتهم الدينية الراسخة ليست صحيحة، وإن حياتهم ضالة ومليئة بالمعاصي، فشُنت المعارك لأسلمة الإسلام من جديد، ولإعادة هداية المسلمين. يذكرنا هذا بالتعارض بين الدين والثقافة، الذي تحدث عنه أولفييه روا في كتابه «الجهل المقدس»، فالدعوات الدينية جاءت دوماً لتصحيح ثقافة البشر وممارساتهم، وليس لترسيخها، وهذا سهّل تسليع الدين في عصرنا المعولم، فأصبح من الممكن تسويق العقائد بالانفصال عن الثقافات التي نشأت فيها وتعارضت معها، ونقلها إلى مجتمعات أخرى، لتصبح صيحات ثقافية فرعية، مضادة للسائد.

الحداثة الإسلامية

على هذا الأساس، فالإسلامية لم تكن ثورة ضد القطيعة التي فرضها التغريبيون مع التقليد، بل ترسيخاً لها على أسس أخرى، لاستعادة جوهر متخيل للإسلام على حساب التقاليد، يتيح النهوض بالأمة التي أنهكها التخلف والتبعية. وهذه دعوة قومية كلاسيكية، تسعى لإنتاج «أمة» عن طريق تسييس هوية جماعة ما. وتعيد إنتاج الثقافة، لتتناسب مع هذا الغرض، بوسائل حديثة: الإعلام والأحزاب وأجهزة الدولة المختلفة، من مدارس ومحاكم وشرطة وجيش. ولولا هذه الوسائل لم تتراجع «البدع» لحساب إسلام الشريعة الذي نعرفه اليوم. الإسلاميون مدينون بشدة للدولة الحديثة «التغريبية» (التي تؤكد دساتيرها دوماً على «الإسلام»، بوصفه دين الدولة ومصدر تشريعها الأساسي) وأجهزتها القمعية. وهم ساهموا في عملية الأسلمة الرسمية بنشاط، من خلال التعاون مع السلطات القائمة، أو المزاودة عليها. فضلاً عن هذا يبدو الأفق السياسي للإسلاميين حداثياً وتغريبياً بشدة، فهم مخلصون لكل أسس الدولة الحديثة التي نشأت في الغرب: الأيديولوجيا والهيمنة والسيادة؛ الآليات القانونية الحديثة، عن طريق كتابة وتثبيت الشرائع في مدونات قانونية؛ الأجهزة البيروقراطية المرتبطة بإقليم وأرض ومجموعة سكانية محددة؛ هوية الأغلبية بوصفها هوية الدولة، إلخ. ما يختلف فقط هو شكل الترميز الثقافي.
باختصار، لا يمكن للدعوات الدينية- السياسية أن تكون محافظة، بل هي رجعية أصولية تحاول العودة لماض ذهبي، لتسيطر على المستقبل، وتحقق «نهضة» ما، عن طريق ربط الماضي بالحاضر. والرجعية نزعة معروفة من نزعات الحداثة، تقوم على تصور تاريخاني لبزوغ الأمة أو الهوية، وتجسدها عبر التاريخ. وأدت لبعض أسوأ التجارب السياسية في عصرنا، كالنازية والفاشية والشوفينية القومية والهوياتية.

هل يمكننا أن نكون محافظين؟

يقع الإسلاميون، ومن يسمون أنفسهم «محافظين»، بتناقض آخر، هو أنهم خلال ما يزيد عن قرن من النشاط الاجتماعي والسياسي، لم يستطيعوا إنشاء تقاليد ثقافية أو اجتماعية يمكن التأسيس عليها. فالتقاليد المترسخة القديمة ولّت وبادت، بمساهمة نشيطة منهم، ولم ينتجوا في الوقت نفسه مؤسسات أو أعراف ثقافية حديثة. أين الثقافة الجماهيرية الإسلامية؟ الأدب والفن الإسلامي؟ أخلاقيات العمل والتعامل الإسلامية؟ إنجازات التعليم الإسلامي؟ لا نجد إلا تصحراً شاملاً على المستوى الثقافي والأخلاقي، نرى آثاره الكارثية في مجتمعاتنا يومياً. ما يجعل النزعة الإسلامية في أيامنا تبدو عدمية إلى أقصى حد، تسعى إلى هدم البنى القائمة، بدون أن تقدم تنظيماً اجتماعياً وثقافياً يحقق الحد الأدنى من الاستقرار. ولعل هذا أحد أسباب الانفضاض المفاجئ لكثير من الناس، «المتدينين بطبعهم»، عن الإسلاميين.
إلا أننا لا نسعى هنا لتمجيد النزعة المحافظة في مواجهة الرجعية، فالمحافظة لا تقوم إلا على هيمنة أبوية جامدة، تخفي وراءها قمعاً شديداً، وربما كانت الأنظمة القائمة حالياً، مثل النظام المصري والمغربي، هي أصدق تجسيد للنزعة المحافظة الممكنة في العالم العربي: المحافظة على ما ترسخ من رطانة وطنية واجتماعية في فترة ما بعد الاستقلال، في وجه التيارات الرجعية والتقدمية، فنشهد قمع البشر باسم قيم المجتمع المحافظ وضرورات السلامة الوطنية. هذه الأنظمة لا «تحافظ» اليوم إلا على التصحر الاجتماعي ذاته الذي ينتج النزعات الرجعية والإرهابية.
أما التفكير بتجاوز أفق الحداثة نفسه، مثل الدعوة إلى حكم إسلامي مخالف لنموذج الدولة الحديثة (وائل حلاق)، أو حتى «محافظة راديكالية» (ألكسندر دوجين)، فهو يعاني من المشكلة نفسها: غياب تقليد يمكن البناء عليه. وقد علمنا التاريخ أن «الثورات المحافظة» (على ما في هذا المصطلح من تناقض، فالثورية لا يمكن أن تجتمع مع المحافظة)، أدت غالباً لتشكيل جهاز دولة «حديث»، أكثر قمعية ودموية من كل نموذج حداثي قائم.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية