الرجل سيد القتل الذي لا يحق لأحد مساءلته: جرائم الشرف في المنطقة العربية

حجم الخط
0

احلام اكرم مهما تشدّق الرجل العربي باحترامه لحقوق المرأة.. وبمحبته لابنته أو اخته يبقى شبح جريمة الشرف هو المعيار الحقيقي لصدق قوله.. ولمدى توازنه النفسي في التعامل مع مثل هذه القضايا التي قد تسبب صدمات نفسية بلا مقدمات في أي وقت من الأوقات.. ومع تسارع ثورة المعلومات والتكنولوجيا أصبحت الشاشات الفضية تحمل كل الصور المجتمعية لكل شعوب الأرض، ولم يعد باستطاعة أي مجتمع إخفاء الثقوب الموجودة في ثقافته أو ديانته تحت أي مبرر من الخصوصية أو الثقافة الدينية.. لأن كل مجتمع يود التأكيد على ان دينه الأصلح والأكثر إنسانية.. وأصبح أي شكل من أشكال الإخفاء لمثل هذه الثقوب، وبالتحديد ما يتصل بها بمدى إنسانية وحضارة هذه المجتمعات.. يوضع تحت المجهر وقد يصبح مصدر قلق أو تندّر في القرية الكونية الصغيرة.. ومع وصم المنطقة العربية بالإرهاب والعنف، وضع العديد من العادات والتقاليد العربية تحت المجهر في كل صغيرة وكبيرة، ولكن يبقى الغرب والعالم كله لا يستطيع فهم أو تفهّم ثقافة قتل الشرف وعدم قدرة الرجل الشرقي في التعامل مع مثل هذه الأزمات والابتعاد عن العنف في مواجهتها لتصبح هذه القدرة على ضبط النفس معيار قبوله واحترامه في المجتمع الدولي.

قتل الشرف كجريمة قد تحدث في أي من دول العالم ولا تقتصر على المنطقة العربية وحدها، ولكن الجاني في كل هذه الدول يخضع للقانون الذي يعاقبة بشدة مما يعمل على التقليل من حدوثها.. بينما وفي المجتمعات العربية يستطيع الجاني التهرب من أية عقوبة تحت ذريعة أنها قضية قتل شرف.. وأن له الحق المطلق في هذه الجريمة ليمحي وصمة العار عن عائلته. والأدهي والأمّر أن المجتمع بأسره يتعاطف معه وقد يتواطأ بعض من أصدقائه في عملية القتل ذاتها تحت اعتقاد تطهير المجتمع من البذور الفاسدة.

في أحدث عملية قتل شرف تمت في الخليل في الضفة الغربية.. صعقت وحزنت حين قراءتي لعملية القتل البربرية للطالبة الجامعية آية الراذعية التي قام بها عمها بمساعدة اثنين من أصدقائه واعترافه الوقح أمام الشرطة بأنه قتلها في جريمة شرف.. مستعملا حقا موهوما له بأنه سيد قرار القتل ولا يحق لأحد مساءلته.. فإضافة إلى استهتارة بحياة الضحية يرفض أي قانون يجرمه أو يعاقبه. ولكني اطمأننت قليلا للتغير المجتمعي حين قرأت عن موجة الاستنكار والصدمة التي عاشتها مدينة الخليل والضفة الغربية على اثر الجريمة. ولكن اطمئناني لم يكف ليحد من حب الاستطلاع للبحث عن الأسباب التي يستند إليها مثل هذا المجرم في تبجحه وفي استهتاره بقيمة الحياة للمرأة التي تعطيه معنى وقيمة وأملا في الحياة… والأسباب التي يتخفى حولها المشرّع لتخفيف العقوبة.

ووجدت ومما لا شك فيه أن معظم المجتمعات العربية وفي القرن الواحد والعشرين لا زالت ترزح تحت ثقافة شعبوية تعتقد بأن المرأة هي الشيطان بذاته.. فهي خطيئة وجريمة وذنب قد تتسبب به تحت مقولة ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.. مجتمع يؤمن بأن النار نهايتها الحتمية.. فكيف يكون لحياتها قيمة أو وزن في الدنيا ما دام ليس لها وزن في الاخرة؟ مجتمع ذكوري يستمد فيه الرجل سيادته وسلطته من التقاليد والعادات التي تتخفى وتستند إلى تأويلات معينة في الدين تتناسب مع رؤيتها ومصلحتها.. ولكن الأهم الذي وجدته في كتب التراث.. أن هناك قصتين يستند إليهما المشرّع في تخفيف عقوبة الجاني.. التي أرفضها رفضا قاطعا.. الأولى تدّعي أن سعد بن معاذ جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يسأله عن حادثة يصف فيها فعل الزنى المباشر.. وقال له..’ والله لو حدث ذلك لأقتلنه’ وحين استعجب الحضور من قوله أجاب النبي ‘أتعجبون من غيرة سعد والله إني أغير من سعد والله أغير منا جميعا’ القصة الأخرى التي عززت الأخذ بالقصة الأولى كمبرر لتخفيف العقوبة تقول، انه جاء إلى الخليفه عمر بن الخطاب رجل وهو يأكل.. فجلس معه وسيفه يقطر دما، وإذا بمجموعة من الناس يتبعون هذا الرجل.. وقالوا يا أمير المؤمنين.. هذا رجل قتل رجلا آخر فسأله عمر ما الذي حدث؟ فقال ضربت فخذي زوجتي فإن كان بينهما رجل فقد قتلته.. وأجابه عمر إن عادوا فعد.. بمعنى أن عمر بن الخطاب وبناء على القصه السابقه عن النبي (سلام الله عليه) قد أعفاه من جريمة القتل.

في رأيي المتواضع الذي أستند فيه إلى روح الأديان.. أن العديد من قصص التراث والأحاديث التي تنتقص وتزدري المرأة وتعمل لخدمة مصالح الرجل ولصالحه.. دونت بعد 300 عام من وفاة النبي (سلام الله عليه) ولم تثبت صحة العديد منها ولا يمكن أن تنسب إليه لأنها تتعارض مع رسالته كنبي الرحمة.. وتتعارض مع قيم الدين التي تؤكد على احترام المرأة وحقها في الحياة. إن جرائم الشرف أو ما يشابهها ليست سوى صورة قاتمة ومتخلّفة للمجتمعات العربية تؤكد حاجة المنطقة كلها للتطور الإنساني الذي ينبع من التغيير في القوانين المعمول بها متصاحبة مع تغيير جذري في الثقافة العربية لتستطيع التعايش مع نفسها ومع العالم من حولها.

إن القرار الذي صدر عن الرئيس الفلسطيني أبو مازن بتعديل القوانين المعمول بها بما يتلاءم مع الاتفاقيات والمبادئ الدولية المتعلقه بحقوق المرأة.. أتمنى وأدعو أن لا يكون متأخرا.. خاصة أن الرئيس الفلسطيني ينوي التوجه إلى الأمم المتحدة في طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية. والتي ومن الواضح أن مؤسساتها أخفقت في بناء البنية التحتية الإنسانية المطلوبة لحماية الدولة وحماية المجتمع الدولي من انعدام إنسانية مواطني هذه الدولة في تعاملهم مع العنصر الأساسي في التنمية الإنسانية للمجتمع.

وقد تدعو المجتمع الدولي للتساؤل كيف نتعاطف مع الحقوق الإنسانية والعادلة لانتفاضات العالم العربي، في ذات الوقت الذي تسكت فيه هذه الشعوب عن قوانين غير إنسانية لأهم عنصر في بناء البنية التحتية لثقافة السلام؟ وهل سترتقي هذه الانتفاضات إلى ثورة ضد ثقافة التسلط الذكوري في انتهاك حقوق المرأة.. وهل ستحظى المنطقة العربية بالديمقراطية الحقة التي لا تتستر بأية خصوصية أو ثقافة سوى ثقافة العدل والمساواة… وهذا ما سيكون معيار نجاحها ونجاح رغبتها الحقيقيه في التغيير والتطور. نعم.. فصل الدين عن الدولة وبكل معنى الكلمة… كاتبة وباحثة في حقوق الإنسان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية