الرحلة الأخيرة من تحت التراب الي تحت التراب في جنوب لبنان
الرحلة الأخيرة من تحت التراب الي تحت التراب في جنوب لبنانصور ـ من محمد درويش: ما أن صدحت مآذن مدينة صور الجنوبية بأذان فجر الجمعة حتي كان مئات من الثكالي يحتشدون أمام مقبرة الوديعة عند الطرف الجنوبي الشرقي للمدينة في سباق هستيري لاستعادة جثث 136 شهيدا سقطوا أثناء المواجهة بين إسرائيل وحزب الله.رحلة الشهداء من المدفن المؤقت في صور، حيث أودعوا بعدما غصت بهم برادات المستشفيات، الي مدافنهم الدائمة في قراهم بدأت مع هدير محرك جرافة للجيش اللبناني، أزالت طبقة التراب التي تغطي رقعة الأرض فبانت الصناديق الخشبية التي كتبت عليها أرقام تدل الي اسماء الضحايا، وتواريخ ومواقع استشهادهم.وحمل الثكالي من أهل الضحايا وثائق صادرة عن مستشفي صور الحكومي بأرقام توابيت أحبائهم، وانتشروا بين الصناديق الخشبية علي الرغم من الروائح الكريهة بحثا عن رقم لصندوق يحتوي علي جثمان عزيز رحل.واختلط النحيب بالدموع والغبار والروائح الكريهة، وترددت صيحات ألله أكبر، ونداءات للشهداء بأسمائهم، علهم يردون بما يشفي غليل مقهور فقد عزيزا من دون أن يكون بقربه.ووقف نظام بلال، الذي جاء من سورية، وحيدا بين أهالي الضحايا، يسأل عن التابوت رقم واحد، لأول شهيد سقط في المواجهة في 12 تموز (يوليو) الماضي في قصف إسرائيلي لبستان حمضيات في قرية دير قانون رأس العين، وهوحارس البستان، السوري عمر دياب.وقال بلال إن دياب، 17 عاما، هو صديقي جئت منتدبا من عائلته لنقل جثمانه الي دمشق لدفنه في مقبرة عائلته .وبين النازحين المفجوعين وقفت رولي بزيع، الموظفة لدي دائرة الإعلام التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفل)، وحيدة تبكي بصمت، لم تتفوه بكلمة. حملت الوثيقة التي تحمل أرقام توابيت شقيقاتها الثلاث اللواتي استشهدن في غارة إسرائيلية علي منزل العائلة في قربة زبقين، جنوب شرق صور.لم تتحرك رولي، دموعها التي لم تتوقف تكلمت نيابة عنها، تحلق حولها بعض الرجال من أهالي الشهداء، قرأوا الأرقام علي الورقة التي تمسكت بها أصابعها، بحثوا عن التوابيت وأحضروها الي سيارة إسعاف لنقلها الي جبانة القرية المحزونة.وترددت آيات القرآن الكريم من مكبرات الصوت المثبتة علي سيارات الإسعاف ونقل الموتي التي تحركت باتجاهات مختلفة الي قري الجنوب ناقلة الشهداء في رحلتهم الأخيرة والفريدة: من تحت التراب الي تحت التراب.وسادت حالة من الإرباك لدي نقل 21 تابوتا لضحايا من قريتي مروحين في القطاع الغربي، وعيترون في القطاع الأوسط، لأن القوات الإسرائيلية ما زالت تسيطر علي محيط القريتين، ويتعذر نقل الجثامين إليهما.رصفت التوابيت علي جانبي الطريق بانتظار تعليمات من قيادة الجيش اللبناني تعلن أن الطريق أصبحت آمنة.ووسط العويل وصيحات لا إله إلا الله، كان علي وهبي، 50 عاما، ينادي سالي إبنته ذات الأعوام الستة التي قضت مع عمتها عليا، 47 عاما، في غارة جوية إسرائيلية علي مبني سكني من 12 طابقا في صور.الأب المفجوع يريد اصطحاب سالي الي البيت. كنت أرسلتها لزيارة عمتها في صور قبل العدوان لاصطحابها في نزهة بحرية. بدأ القصف. قطعت الطرقات. كنت أحادثها هاتفيا وكانت تقول لي (بابا خذني الي البيت) وانقطع الاتصال. جئت لآخذها الي البيت .حمل الأب تابوت ابنته الصغير، وضعه في سيارة إسعاف. جلس قربه، رفض الانتقال الي سيارة أخري، وقال للسائق الي البيت في قرية حانوية، المنكوبة جنوب شرق صور.وفي هذه الأثناء، كانت سيارة إسعاف أخري تنقل جثمان عليا الي مدافن عائلة زوجها في صور، وتمتم علي سالي لم تودع عمتها. الله يرحمك يا أختي .أما غازي السمرا، الذي بدا عليه الشحوب والإنهاك، فجاء مع شقيقيه لاستــعادة توابيت زوجته وابنتية اللواتي استشهدن في غارة إسرائيلية علي صور.حمل غازي نعش زوجته وحمل شقيقاه نعشي الابنتين. نظر الي الصحافيين الذين احتشدوا علي جانبي الطريق وصاح بغضب عبر عنه الزبد الذي فاض من فمه: عندي ثلاثة أولاد جرحي. إثنان ما زالا في حالة الخطر. ماذا فعلت (لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود) أولمرت كي يفعل بي ما فعله؟ لست مقاتلا. أحمل المسؤولية كاملة لحكومة إسرائيل الإرهابية .وشهدت طرقات الجنوب حركة غير اعتيادية لسيارات الإسعاف ودفن الموتي ناقلة الضحايا الي قراهم لدفنهم بعد صلاة الظهر.وتستعد بلدة صريفا، جنوب شرق صور، لصلاة جنازة جماعية لـ 48 من سكانها قضوا في 33 يوما من العنف. استعادت القرية جثث 42 من الضحايا من تحت أنقاض أبنيتها المدمرة، وأرسلت سيارات إسعاف الي العاصمة لاستعادة جثث ست ضحايا سقطوا في قصف إسرائيلي لمنطقة الرويس بضاحية بيروت الجنوبية.واستعدت صريفا لاستقبال ضحاياها العائدين بلافتة رفعت علي مدخل البلدة كتب عليها غارات ومجازر وأشلاء محترقة. تلك هي ديمقراطية أمريكا .وقال مدير مستشفي صور الحكومي، الرائد المتقاعد من الجيش اللبناني سليمان زين الدين الذي كان أشرف علي توضيب جثث الشهداء الذين دفنوا في الوديعة أنه ما زال يوجد في براد المستشفي جثث 52 شهيدا لم يتم التعرف إليها، وناشد من فقد عزيزا ولم يعثر علي جثته التوجه الي مقر المستشفي في محاولة لحل لغز الضحايا المجهولين.وفي موازاة تحرك الأهالي لاستعادة جثامين اقربائهم، أقام مسؤول الهيئة الصحية الاجتماعية في حزب الله، الحاج ميثم، مركزا له بمركز باسل الأسد، الذي بنته سورية في صور العام 1996 تخليدا لذكري النجل الأكبر للرئيس السوري السابق الذي قضي في حادث سير، إحصاء شهداء حزب الله تمهيدا لدفنهم وسط إجراءات تشييع خاصة ينظمها الحزب.(يو بي أي)