الرحلة بنكهة الشعر في «خريف فيرجينيا» لعبد الرحيم الخصار

في كتابه «خريف فرجينيا: رحلات إلى أمريكا وأوروبا»، الصادر سنة 2017، يضعنا الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار أمام محكيات سفر ترفيهية قائمة على التقاط متعة السفر والتعارف الثقافي، الذي مكنه من أخذ مسافة تجاه مجتمعه وثقافته، وجعله ينظر إليه انطلاقا من مرآة الآخر، إذ يظل الكاتب في هذه الأسفار حاملا لهموم الكتابة الشعرية، بدون أن ينسى هموم وأعطاب بلده المغرب، معبرا عن كل ذلك بحس مقارن موجه بنفس انفعالي حاد لا ينفلت من قبضة الوعي، مثمّنا قيم الـ»هناك» ومدينا قيم الـ»هنا».
كما جعل عبد الرحيم الخصار من أسفاره هذه فرصة للإفصاح والكشف عن تأملاته في العملية الإبداعية عامة، والشعر خاصة، يمرر فيها مواقفه وقناعاته وآراءه بخصوص أهمية الفن وجدواه، وما يولده من مشاعر وعلاقات إنسانية نبيلة. وينتهز الفرصة لإبراز أشكال الاحتفال به في محطات أسفاره وأشكال حضوره في المجتمع والمؤسسات، والمجلات التي تعنى به وتقدّره وتنتصر له، والمسابقات التي تعقد حوله، في زمن صار فيه الشعر يتراجع في مختلف بلدان العالم، خصوصا في مدينتي سان فرانسيسكو وشيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي ما صار يفتقده الشاعر في بلده، محاولا من وراء ذلك إظهار الوجه الآخر لمدنها وهو الوجه الفني والإبداعي الذي يحجبه وجهها العمراني.

حرص الكاتب على التقــاط بعض الطرائف التي صاحبت تنقلاته في البلدان والمدن التي زارها والتي منحت محكيه طابعا مرحا، وجعلته مغريا بالقراءة.

كما يسلّط الضوء على حيوات مجموعة من الشعراء والأدباء والفنانين المعروفين والمغمورين في كل البلدان التي زارها، ويقدّم تاريخا عن الحركات الفنية والشعرية، بالخصوص في المدن التي زارها في أمريكا، ويتتبع آثار بعض الشعراء والكتاب والموسيقيين، ويتوقف عند دورهم في بروز بعض الحركات الفنية، موجّها برغبة في معرفة وكشف تفاصيل عن حيواتهم، وفي إبراز دورهم في الحركة الشعرية والثقافية، كألان كينسبرك وجاك كيرواك وغيرهما. كما كانت أسفاره أيضا فرصة لتعقب الشاعر العربي الراحل سركون بولس في مدينة سان فرانسيسكو، مبرزا كيف انتقل إليها والأماكن التي كان يتحرك فيها ونشاطه الشعري فيها إلى أن غادرها.
وكانت هذه الأسفار، أيضا، مناسبة لوضع اليد على مختلف المشاعر التي تستبد بالمسافر وحالاته، وهو يجوب عوالم جديدة ويحتك بثقافات أخــــرى ويكتشف قيمـــها الإنسانية النبــــيلة، ملتقطا المشاهد اللافتة والمعالم الثقافية المميزة للمدن التي زارها (المتاحف، المكتبات، الاحتفالات بالشعر)، باقتصاد لغوي كبير بعيدا عن التفاصيل، ولا يخفي الكاتب التعبير عن إعجابه وافتتانه بأجواء الأماكن التي زارها في أمريكا وأوروبا مقابل حسرته على مدى ندرة وانعدام المثيل لها في بلده.
هكذا كان تثمين بعض القيم الثقافية التي عاينها خلال أسفاره، فرصة للكاتب لعقد مقارنات بينها وبين قيم البلد الذي جاء منه وهو المغرب، فكان يجد لكل قيمة ثمّنها مقابلا في بلده؛ إذ تقوم المقارنة، في الغالب، على التقابل والتصادم والتفاوت، فكل وضع أو قيمة ثمنها الكاتب في مشاهداته، ومن أسمى هذه القيم الاحتفاء بالإبداع والجمال، يجد لها مقابلها السلبي في حاضر أو في ماضي بلده، لتصير المقارنة وسيلة للكاتب لنقد التردي المميز للوضع الثقافي والإبداعي في بلده. وعلاوة على ذلك تستنفر المقارنة ذاكرة الكاتب لاستحضار حدث طريف وقع للكاتب في طفولته، وكيف بدأ الكتابة الشعــرية وما تعـــرض له من إهمال وقمع، ليصير السفر، بطريقة غــــير مباشرة، عبارة شهادة على تجـــربـــته الشعرية، وكيف ســـلك طريقه إلى الشعر، من خلال مواقف طريفة تبرز كيف كانت طريقه مفروشة بالأشواك، يروم من ورائها الكاتب التوقــف عند بعض الأعطاب والعيوب التي تكبل الوضع الاعتباري للكاتب والمبدع في بلده. كما حرص الكاتب على التقــاط بعض الطرائف التي صاحبت تنقلاته في البلدان والمدن التي زارها والتي منحت محكيه طابعا مرحا، وجعلته مغريا بالقراءة.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية