يبدو أنه رغم الخطابية الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية تخفيض مستوى المخاطرة، وحرصت من خلال إطلاق محدود للصواريخ على قاعدتين أمريكيتين في العراق (دون أن توقع خسائر في الأرواح) نقل رسالة تقول إنه ليس في نية النظام أن يقترب حالياً من شفا الهاوية. وبالفعل، وإن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأن نظام آيات الله على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، وبالتالي فإنه يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبث تصميماً والتزاماً بالرد على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يرد رداً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل. نقطة التوازن التي اختيرت ليلة أول أمس تشير إلى كبح الجماح وليس إلى تحطيم واسع لكل قواعد اللعب. رغم أن النار على القوات الأمريكية كانت سابقة ومثابة تجاوز واضح لخط أحمر (إذ إن في الماضي كان من يدور في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية) إلا أنه ركز على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزها. من هذه الناحية، يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ. وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية. ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية، عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة للحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الرد، وصب معان بعيدة الأثر فيه.
ومع ذلك، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على رد مغامر وعديم الثبات من جهته. وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، ولكن بمقياس متدنٍ نسبياً، وفي داخل نطاق محدد، يدل على أن استراتيجية “عقلانية غير العقلاني” من مصنع ترامب فعلت حتى الآن فعلها. إذ إن لاستعداد الرئيس الأمريكي المثبت لتجاوز حافة المسلم به والعمل “من خارج العلبة” هناك، أغلب الظن، أثر لاجم لا بأس به على الخصم الإيراني، الذي يقف أمام تهديد أمريكي ملموس ومصداق برد مكثف إذا ما واظب على سلوكه الاستفزازي. في هذا السياق، استهدفت تصريحات ترامب أمس (التي تضمنت بياناً عن فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية) تبديد هوامش الغموض التي كانت لا تزال متبقية في التفكير الإيراني، وبالتالي منح إسناد قوة للعملية التي نفذت.
ومع ذلك، يفهم من تصريح الرئيس أيضاً بأنه -فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق- لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى. إذ إن تصريحه تضمن أيضاً أقوالًا متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف.
كما أنه لا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية بأن تكون على مستوى كوريا الشمالية. وذلك لأن صورة القائد الذي لا يتردد في استخدام القوة الشديدة كي ينقل رسالة تصميم أمريكي حيال سلوك ضار واستفزازي تكوي وعي يونغ يانغ أيضاً ومن غير المستبعد أن تحمل كيم يونغ اون إلى إعادة تقدير خططه في المجال النووي والصاروخي.
بقلم: البروفيسور أبراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 9/1/2020