مفهوم “يدعو إلى التفاؤل” مضلل بدرجة لا تقل عن مصطلحات مثل “مثمرة” و”إيجابية” و”تقدم كبير”. هذه المصطلحات تستخدم مؤخراً كغطاء لمحادثات المبعوث الأمريكي هوكشتاين التي أجراها في لبنان. مفهوم “يدعو إلى التفاؤل” دلائل غير مشجعة، بعد أن ارتبط بالجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق حول إطلاق سراح الرهائن. كما أنه رافق الـ 12 رحلة جوية التي قام بها هوكشتاين في الأشهر الأخيرة إلى لبنان وإسرائيل، وانتهت بدون نتائج.
لكن بعد ملاحظة التحذير هذه، فإن الاتفاق الآخذ في التبلور بين إسرائيل ولبنان، والذي يجب أن يكون عنوانه المناسب “اتفاقاً بين حزب الله (وإيران) وإسرائيل”، يوفر ذريعة للتفاؤل. وحسب تقارير لبنانية تستند إلى جهات رفيعة وقادة مشاركين في العملية، فإن معظم بنود الاتفاق تم استكمالها، وتم أيضاً تهذيب صياغة بعض القضايا الأساسية بعد أن أرسل حزب الله رده إلى المسؤول عن المفاوضات من قبله، رئيس البرلمان نبيه بري. إحداها موافقة لبنان على أن تكون بريطانيا عضوة في لجنة الرقابة الدولية على الاتفاق.
الولايات المتحدة وافقت على ضمان تنفيذ إسرائيل للاتفاق، أما مسألة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” فستحلها صيغة ضبابية تنص على أن كل طرف يحق له الاحتفاظ بهذا الحق. من غير المعروف إذا كانت إسرائيل ستوافق على كل هذه التعديلات. وحسب مصدر إسرائيلي يشارك في الاتصالات، فإن “التفكير بإمكانية تقديم جواب واضح على كل حالة خرق هو أمر واقعي. التطلع هو التوصل إلى “قاموس خرق” متفق عليه يستخدم دليلاً للجنة الرقابة التي يجب موافقتها على كل عملية إسرائيلية في كل مرة يعتبرها الطرفان خرقاً”.
حتى لو تم الاتفاق بين الطرفين على “قاموس الخرق” الذي بحسبه سيتم تحديد حق إسرائيل في الرد، فسيبقى هناك عدد غير قليل من الأمور العالقة. مثلاً، ما الإجراء الذي على إسرائيل أن تمر به للحصول على الإذن للرد؟ لبنان يطالب بأن أي ادعاء بالخرق يناقش عبر لجنة الرقابة، وإذا لم تنجح الحكومة اللبنانية أو الجيش اللبناني في وقف هذا الخرق فسيتُخذ رد آخر (إسرائيلي). في كل الحالات، بالنسبة للبنان، لن يسمح لإسرائيل مسبقاً بالهجوم بسبب خرق يلوح في الأفق. حسب ادعاءات إسرائيل، هذا الإجراء لا يقدم أي رد على “خروقات ساخنة”، منها اختراق سريع في جنوب لبنان لخلية تحمل صواريخ أو محاولة إطلاق صواريخ في مواقع جنوبي لبنان.
تطمح إسرائيل إلى حرية عمل واسعة كما الحال في سوريا، أو على الأقل حرية من النوع الذي يميز نشاطاتها في مناطق للسلطة الفلسطينية مصنفة “أ”، التي أصبحت منذ فترة طويلة مناطق “ج” في كل ما يتعلق بالنشاطات العسكرية. تقول إسرائيل إن حقها في الدفاع لا يقل عن حق دول أخرى تستخدم القوة العسكرية في أراضي دول سيادية بذريعة الدفاع عن أمنها. تركيا لم تحتل مناطق في سوريا فقط، بل هي قصفت مواقع القوات الكردية في سوريا والعراق؛ الولايات المتحدة أيضاً لا تعمل فقط ضد “داعش” في العراق وسوريا، بل أيضاً ضد المليشيات المؤيدة لإيران والتي تقوم بمهاجمة أهداف أمريكية.
الجيش اللبناني الذي سينتشر على طول الحدود وجنوب نهر الليطاني ربما يحبط أي خرق، لا سيما الذي لا يحتاج إلى تمركز عميق لحزب الله. ولكن هذا الجيش غير مؤهل بما فيه الكفاية حتى الآن لمواجهة تحدي تنفيذ الاتفاق. في اللقاء بين قائد الجيش الإسرائيلي جوزيف عون وهوكشتاين، عرض عون طلبات كثيرة تشمل السلاح والمعدات العسكرية الأخرى. وحسب قوله، سيجد الجيش صعوبة في تنفيذ المهمة بدون هذه المعدات. وحسب البرنامج الذي صادقت عليه حكومة لبنان قبل ثلاثة أشهر، ربما يزداد الجيش بستة آلاف جندي، لكن لم تعط مصادقة حتى الآن إلا على ميزانية تجنيد 1500 جندي فقط. سيحتاج استكمال التجنيد إلى كثير من الأموال التي لا توجد في خزينة الدولة، ويحتاج إلى أن يأتي من الهبات، بالأساس من أمريكا وفرنسا. الولايات المتحدة تطلب أيضاً إنشاء حكومة لبنان قواعد عسكرية ثابتة في جنوب لبنان، وهذا الأمر لم تحدد له ميزانية.
في لبنان حكومة مؤقتة، صلاحياتها محدودة. والمصادقة على الاتفاق تحتاج إلى مصادقة البرلمان. على فرض أن البرلمان سيصادق على الاتفاق، فإن أي قرار للحكومة – بما في ذلك تجنيد جنود وتدريبهم – قد يصطدم بلغم سياسي يؤخر تنفيذ الاتفاق، خاصة مع وجود ممثلي حزب الله في الحكومة والبرلمان. لبنان يطالب أن تبدأ إسرائيل بسحب قواتها عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ؛ حتى يستطيع مليون وربع مليون نازح من العودة إلى بيوتهم، وبالأساس لمنع إسرائيل من إقامة “منطقة أمنية” جديدة. ولكن هذا الطلب يقتضي دخولاً فورياً للجيش اللبناني إلى الجنوب، حتى قبل توسيع صفوفه. وحسب أقوال عون، هذا يعني أن الجيش سيضطر إلى إخلاء مواقع في أماكن أخرى، مثل البقاع، ولن يتمكن من إحباط تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان كما هو مطلوب منه في القرار 1701.
حتى لو تم تحييد هذه الألغام، فمن غير الواضح ما هو التفويض الذي سيعطى للجيش. حسب القرار 1701، أساس الاتفاق المتبلور، يجب أن تتواجد جنوبي نهر الليطاني قوة عسكرية تصادق عليها الحكومة اللبنانية. ولكن هل يجب على الجيش اللبناني تفكيك بنى حزب الله التحتية العسكرية، من بينها قواعد ومخازن سلاح وذخيرة مخبأة في معظمها في بيوت خاصة، وفي مدن كبيرة مثل صور. نظرياً، يمكن للجيش مصادرة المعدات العسكرية والتكنولوجية الموجودة جنوب نهر الليطاني، لكن الصواريخ بعيدة المدى والسلاح الموجود شمال نهر الليطاني لن يستطيع المس بها. ورغم أن القرار 1599 من العام 2004، المشمول في القرار 1701، ينص على وجوب نزع سلاح كل المليشيات، فإن حكومات لبنان امتنعت عن تنفيذ هذا البند، بل وأعطت حزب الله مكانة غير رسمية كـ “قوة دفاع” وطنية. لذلك، فإن طموح تجريد حزب الله من قدراته العسكرية على شاكلة الحلم الذي تسوقه إسرائيل تجاه حماس، بعيد عن التحقق، بل غير موجود على الطاولة.
تسفي برئيل
هآرتس 21/11/2024